**"عندي 67 سنة، وأول مرة في حياتي أسافر لوحدي. وعدت نفسي إني لمدة أسبوع هقول «أيوه» لكل حاجة. وهناك قابلت راجل أرمل خلاني أرجع أضحك من قلبي بعد سنين. وفي آخر ليلة، عزمني على عشا وقال إن عنده مفاجأة. لكنه اختفى فجأة، ولما روحت أدور عليه... سمعته بيتكلم مع حد في فناء صغير ورا المطعم. الجملة اللي سمعتها خلتني أتجمد مكاني."** ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ اسمي **نادية**. عندي سبعة وستين سنة. طول عمري... كنت بخاف من المغامرة. عمري ما سافرت بره مصر. ولا ركبت طيارة... علشان أفسح نفسي. كل حياتي... كانت بيت. وجوز. وشغل. وبنت. ولما جوزي توفى... بقيت أعيش... وبس. لحد ما بنتي قالتلي يوم: — يا ماما... آخر مرة فرحتي فيها نفسك كانت إمتى؟ فضلت ساكتة. لأني... ماكنتش فاكرة. بعد أسبوع... حجزت تذكرة. وسافرت مالطا. وأول ما ركبت الطيارة... وعدت نفسي. لمدة أسبوع... هقول: "أيوه." أيوه للأكل الجديد. أيوه للفسح. أيوه للكلام مع الناس. وأيوه... للحياة. تاني يوم... وأنا تايهة في شوارع فاليتا. وببص للخريطة بالمقلوب. خبطت في راجل. ضحك. وقال: — أول مرة في مالطا؟ ضحكت. وقلت: — باين أوي؟ قال: — جدًا. اسمه **داوود**. عنده سبعين سنة. أرمل. خفيف الدم. ومن غير ما أحس... قعدنا نشرب قهوة. تاني يوم... فطرنا سوا. واليوم اللي بعده... ركبنا العبّارة لجزيرة جوزو. حسيت... إني رجعت أعيش. وفي آخر ليلة... قال: — عندي مفاجأة. وداني مطعم صغير... على البحر. أول ما دخلنا... الجرسون قال: — نورت يا أستاذ داوود. وحشتنا. استغربت. لأن داوود قاللي... إنه أول مرة ييجي هنا. قبل ما أسأله... قال: — هرد على مكالمة... ودقيقة وراجع. عدت عشر دقايق. ثم خمستاشر. قلقت. قمت أدور عليه. وأنا معدية جنب المطبخ... سمعت صوته. كان واقف في فناء صغير. وبيتكلم مع واحدة. وقبل ما أقرب... سمعته يقول: — خلاص... هي صدقت كل حاجة. وبكرة... كل شيء هيخلص. حسيت... إن قلبي وقع. لكن... الكلمة اللي قالتها الست بعدها... خلتني أنسى حتى إزاي أتنفس... اكتب "تم في الكومنتات لو عايز تكملة القصة. لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ روايات المجهول حصري لبيدج وجروب حكـايـات أسمـا السـيد _ ممنوعه من النسخ @أبرز المعجبين الفصل الثاني وقفت مكاني... رجلي كانت تقيلة كأنها اتثبتت في الأرض. إيه اللي سمعته ده؟ "هي صدقت كل حاجة..." "وبكرة كل شيء هيخلص..." إيه اللي هيخلص؟ أنا؟ السفرة؟ ولا فيه مصيبة مستنياني؟ قبل ما أفكر... سمعت الست ترد عليه بصوت هادي: — بس أوعى تتراجع في آخر لحظة يا داوود. رد وهو بيتنهد: — مستحيل... لازم أعمل اللي وعدت بيه. حسيت إن نفسي اتقطع. ماكنتش أعرف أهرب... ولا أكمل سماع. رجعت لورا بسرعة قبل ما يشوفوني. دخلت الحمام... وقفلت الباب. وبصيت لنفسي في المراية. كنت برتعش. فضلت أقول: — يا نادية... إنتِ ست كبيرة... متتسرعيش. بس كل حاجة كانت بتقول إن الراجل ده كداب. قال أول مرة ييجي المطعم... والجرسون بيناديه باسمه. قال معندوش حد... ودلوقتي بيتكلم مع ست. وقال إنها "صدقت". يبقى أنا اتضحك عليا. مسحت دموعي. وقررت أرجع الترابيزة. وأتصرف كأني معرفش حاجة. بعد دقايق... رجع. وشه كله ابتسامة. وقال: — آسف طولت عليكي. ابتسمت ابتسامة مصطنعة. — ولا يهمك. قعدنا نتعشى. كان بيحكي... ويضحك... وأنا ولا كلمة داخلة دماغي. كل شوية أبصله... وأقول لنفسي: "مين أنت بجد؟" فجأة... طلع علبة صغيرة من جيبه. قلبي وقف. قلت في سري: "أكيد دي المفاجأة." فتحها... لقيت فيها مفتاح قديم. مش خاتم. ولا سلسلة. ولا هدية. مجرد مفتاح نحاس قديم. مده ناحيتي وقال: — ده سبب وجودي هنا. استغربت. قلت: — مفتاح إيه ده؟ ابتسم وقال: — بعد العشا هقولك كل حاجة. ولأول مرة... خفت أسمع الحقيقة. الفصل الثالث بعد ما خلصنا الأكل... مشينا على الكورنيش. البحر كان هادي. والهوا بارد. وقف قدام بيت قديم جدًا. بابه أزرق. وطلع نفس المفتاح. فتح الباب. دخلنا. البيت كان صغير... بس نضيف. والحيطان مليانة صور قديمة. لفت نظري صورة واحدة. لراجل... وست... وبنت صغيرة. قربت منها. واتجمدت. الست... كانت شبهّي بطريقة مرعبة. رجعت بصيت لداوود. قلت: — مين دي؟ ابتسم بحزن. — مراتي... الله يرحمها. بصيت للصورة تاني. فعلاً... الشبه بينهم يخوف. قلت وأنا بحاول أضحك: — غريبة... شبهي قوي. قال وهو بيبص للصورة: — أول ما شوفتك في الشارع... افتكرتها. وساعتها فهمت ليه قلبي ارتاحلك بسرعة. اتنفست الصعداء. يمكن... كنت ظلمته. لكن فضلت فاكرة الكلام اللي سمعته. سألته مباشرة: — مين الست اللي كنت بتكلمها في المطعم؟ وشه اتغير. سكت ثواني. وقال: — أخت مراتي. قلت بسرعة: — وكنت بتقول لها... إنها صدقت كل حاجة؟ طول في السكوت. وبعدين قال: — أيوه. قلت بعصبية: — يعني كنت بتخدعني؟ هز راسه بالنفي. — لا... كنت بخدع نفسي. أنا كنت فاكر إني مستحيل أضحك تاني بعد وفاة مراتي. ولما قابلتك... افتكرت إن اللي بحسه مجرد حنين لذكرياتها. فقلت لأختها: "هي صدقت كل حاجة." كنت أقصد... إنك صدقت إني راجل واثق من نفسه. لكن الحقيقة... إني كنت مرعوب. مرعوب أحب من جديد. وساعتها... فهمت نص الكلام. لكن لسه فيه نص تاني. قلت بهدوء: — وبكرة كل شيء هيخلص؟ ابتسم لأول مرة من قلبه. وقال: — أيوه... بكرة هخلص المهمة اللي جيت مالطا علشانها. فتح درج صغير... وطلع ملف. وقال: — قبل ما مراتي تموت... طلبت مني أحقق آخر أمنية ليها. كانت ورثت البيت ده. وقالت: "لما تلاقي السلام... بيع البيت واتبرع بكل تمنه لمركز بيعالج الأطفال." أنا فضلت خمس سنين... مش قادر أبيعه. كل ما أجي... أرجع. لكن بعد ما قابلتك... حسيت إني أقدر أقفل الصفحة دي. علشان أبدأ صفحة جديدة. دموعي نزلت من غير ما أحس. لأول مرة... حسيت قد إيه الإنسان ممكن يسيء الظن... لما يسمع نص الحقيقة بس. الفصل الأخير تاني يوم... وصلته للمطار. وقفنا قدام بوابة السفر. قال وهو بيضحك: — فاكرة أول وعد وعدتيه لنفسك؟ ابتسمت. — أقول أيوه لكل حاجة. قال: — لأ... قولي أيوه للحياة... كل يوم. مد إيده. ناولني ظرف صغير. وقال: — افتحيه بعد ما الطيارة تقلع. رجعت الفندق. ولما فتحت الظرف... لقيت صورة لينا وإحنا بنضحك على العبّارة. ووراها مكتوب بخطه: "السن مش بيقيس عدد السنين... السن الحقيقي هو آخر مرة ضحكت فيها من قلبك. شكرًا... لأنك رجعتي تضحكي." ابتسمت. وقلت لنفسي: يمكن السفر ما غيّرش المكان... يمكن السفر... غيّرني أنا. ومن يومها... بقيت كل سنة أسافر مكان جديد. مش علشان أدور على حب. لكن علشان أفضل أوفي بوعد قطعته لنفسي... إني أقول للحياة... أيوه. الفصل الرابع – بعد سنة كاملة عدّت سنة. سنة كاملة وأنا كل فترة أبص للصورة اللي سابها داوود في الظرف. مش كنا بنتكلم كل يوم. ولا حتى كل أسبوع. كان بينا رسالة كل فترة... نسأل على الصحة... ونضحك على موقف حصل في السفر. لكن الغريب... إن وجوده في حياتي كان مريح. من غير مطالب. ولا وعود. ولا خوف. وفي يوم... الموبايل رن. رقم دولي. ابتسمت أول ما شفته. رديت بسرعة: — ألو؟ لكن... الصوت مكانش صوته. كانت ست كبيرة. قالت بهدوء: — حضرتك الأستاذة نادية؟ قلبي اتقبض. — أيوه. قالت: — أنا هناء... أخت داوود. اتذكرت الست اللي سمعتها في المطعم. سكتت. قالت بسرعة: — متقلقيش... هو بخير. لكن... عندي أمانة لازم توصلك. سألتها باستغراب: — أمانة؟ قالت: — داوود دخل المستشفى من يومين. وحاسس إن الوقت مناسب تعرفي الحقيقة اللي كان مخبيها. حسيت الأرض بتميل بيا. قلت بصوت متوتر: — حقيقة إيه؟ قالت: — هو من يوم ما عرفك... كان عارف إنه مريض. الفصل الخامس حجزت أول طيارة. وسافرت. كل الطريق... كنت بدعي. وأقول: "يارب ألاقيه كويس." أول ما وصلت المستشفى... لقيته نايم. وشه كان شاحب... لكن أول ما شافني... ابتسم. وقال بنفس خفيف: — كنت عارف إنك هتيجي. قعدت جنبه. ومسكت إيده. وقلت بدموع: — ليه مخبيت عليا؟ ابتسم. — علشان متحبنيش بدافع الشفقة. فضلت ساكتة. كمل وهو بيبص للسقف: — من أربع سنين اكتشفوا عندي مرض في القلب. الدكاترة قالولي أعيش حياتي. وأبطل أأجل كل حاجة. لكن أنا عملت العكس. قفلت على نفسي. لحد ما قابلتك. قلت له وأنا بزعل: — وكان لازم أعرف. قال: — لو كنت عرفتي من الأول... كنت هتبصيلي كمريض. وأنا كنت عايزك تشوفيني راجل طبيعي... بيضحك. وبيحب القهوة. وبيضيع في الشوارع. مش حالة في مستشفى. دموعي نزلت. قلت: — إنت أناني. ضحك. وقال: — أول مرة حد يقولي كده وهو بيعيط. الفصل السادس بعد أسبوع... خرج من المستشفى. والدكتور قال إن حالته مستقرة. لكن لازم يخفف مجهود. قضيت باقي الأسبوع معاه. نمشي شوية. ونقعد على البحر. ونفتكر أول مرة اتخبطنا في بعض. قبل ما أسافر... وقف قدامي. وقال: — نادية... أنا مش هطلب منك جواز. ولا هطلب تنقلي بلدك. ولا أغير حياتك. بس... ممكن نبقى رفقة؟ رفقة آخر العمر. كل واحد في بيته. وفي بلده. لكن... ولا واحد فينا يحس إنه لوحده. ابتسمت. وقلت من غير تفكير: — أيوه. ضحك. وقال: — لسه محافظة على وعدك. قلت وأنا ببص للبحر: — وعدي كان إني أقول أيوه للحياة. وأنت... بقيت جزء من الحياة دي. ومن يومها... بقينا نتقابل مرتين في السنة. مرة عندي. ومرة عنده. لا كان بينا شباب... ولا أحلام كبيرة. كان بينا حاجة أهدى وأجمل... ونس. ونس يخلي العمر... مهما كبر... يفضل فيه مكان لابتسامة جديدة. يتبع