ابنتي حكايات اسما ×1
بنتي قالتلي: يا إما تخدم جوزي… يا إما تسيب البيت. فابتسمت ولميت هدومي ومشيت. وبعد أسبوع واحد بس صحيت على 22 مكالمة فائتة ورسالة قلبت الدنيا كلها.
لما بنتي قالتلي أختار بين إني أخدم جوزها أو أسيب البيت…
ما صرختش.ما اتخانقتش.
وما فكرتش أفكرها بكل حاجة عملتها علشانها طول عمري.
ما قولتلهاش إني أنا اللي دفعت تمن البيت ده.
وإني أنا اللي كنت بدفع الفواتير.
وإني أنا اللي بعت عربيتي بعد وفاة أمها علشان أساعدها في جوازها.
عملت حاجة واحدة بس.ابتسمت.
وبعدين قمت لمّيت هدومي ومشيت.
هم كانوا فاكرين إني هسكت زي كل مرة.
وإني هعدي الموضوع..وإني في الآخر هعتذر علشان البيت يفضل هادي.
لكن المرة دي كانت مختلفة.
اسمي سعيد منصور.
عندي تلاتة وستين سنة.
وأرمل من أربع سنين.
ومن يوم ما أم بنتي توفت وأنا عايش علشان بنتي ريم وبس.
كنت شايف إن تعبي كله يهون علشان أشوفها مبسوطة.
ولما اتجوزت مازن السيوفي استقبلته في بيتي كأنه ابني.
وسمحت لهم يعيشوا معايا لحد ما يقفوا على رجليهم.
لكن اللي بدأ كحل مؤقت…
بقى كأنه استيلاء كامل على حياتي.
—
في يوم من الأيام رجعت من السوق شايل أكياس الأكل.
إيديا كانت واجعاني من الثقل.
لكن أول ما دخلت الصالة حسيت إن حاجة جوايا اتكسرت.
كان مازن قاعد على الكرسي المفضل عندي.
الكرسي اللي أم ريم اشترتهولي قبل وفاتها.
آخر هدية منها.
قاعد عليه ورجليه ممدودة قدامه.
وفي إيده علبة مشروب.
وبيشوف ماتش.
ولا حتى بصلي.
قال وهو مركز في التلفزيون:
“يا حاج… هاتلي علبة ساقعة من التلاجة.”
افتكرت إني سمعت غلط.
قلت:
“نعم؟”
بصلي بنظرة مستفزة وقال:
“هاتلي حاجة أشربها.”
حطيت الأكياس على الأرض.
وقلت بهدوء:
“أنا لسه داخل من بره.”
رد ببرود:
“وأنا قاعد بتفرج.”
وبعدين ضحك.
“يبقى هاتها وخلاص.”
—
في اللحظة دي خرجت ريم من المطبخ.
وقالت:
“في إيه؟”
مازن سبقني بالكلام.
“أبوكي مكبر الموضوع.”
بصتلها مستني إنها توقفه عند حده.
لكنها قالتلي:
“يا بابا هاتهاله وخلاص.”
حسيت إن في حاجة بتوجع أكتر من أي مرض.
قلت:
“ده بيتي يا ريم.”
فرد مازن بسرعة:
“كان بيتك.”
اتصدمت.
أما ريم…
فوقفت جنبه.
بالظبط جنبه.
وقالت:
“يا بابا لازم الأمور تبقى واضحة.”
“واضحة إزاي؟”
أخدت نفس طويل وقالت:
“يا إما تتعاون مع مازن وتحترم طلباته.”
“يا إما تسيب البيت.”
الكلام نزل على قلبي زي الحجر.
مش علشان البيت.
لكن علشان اللي قالته بنتي.
البنت اللي كنت فاكر إنها آخر حد ممكن يخذلني.
أما مازن فكان مبتسم.
واثق إني هسكت.
وإني هتنازل.
زي كل مرة.
بصيت لريم.
وبعدين بصيتله.
وسألت نفسي سؤال واحد.
هو أنا وصلت للمرحلة دي إمتى؟
إمتى بقيت ضيف في بيتي؟
إمتى بقى الراجل اللي عايش على حسابي بيتكلم معايا بالطريقة دي؟
لكن بدل ما أزعق…
ابتسمت.
وقلت:
“تمام.”
مازن ضحك وقال:
“أهو كده.”
“هات بقى الحاجة الساقعة.”
هززت راسي.
وشلت أكياس الأكل.
وحطيتها على رخامة المطبخ.
وبعدين اتجهت ناحية أوضتي.
سمعت ريم بتنادي:
“رايح فين يا بابا؟”
وقفت عند الباب.
ولفيت أبص لها.
وقلت بهدوء:
“هلم هدومي.”
اختفت الابتسامة من وشها.
أما مازن فافتكر إني بهزر.
لكن لا.
أنا ما كنتش بهزر.
المرة دي كنت بنفذ كلامهم حرفيًا.
وهم لسه ما يعرفوش إن خروجي من البيت في اليوم ده…
هيكون بداية أكبر صدمة في حياتهم كلها.
تكملة القصة في أول تعليق 👇❤️ حكـايـات أسمـا السـيد
الفصل الثاني
لم آخذ وقتًا طويلًا في جمع حاجاتي.
في الحقيقة…
لم يكن عندي الكثير لأجمعه أصلًا.
بعض الملابس.
صورة قديمة لزوجتي رحمها الله.
ساعة يد كنت أرتديها منذ عشرين سنة.
وعدة أوراق كنت أحتفظ بها داخل درج مكتبي.
أغلقت الحقيبة بهدوء.
ونظرت حولي للمرة الأخيرة.
كل ركن في الغرفة كان يحمل ذكرى.
ضحكة.
حلم.
أو لحظة عشتها مع زوجتي.
لكن أكثر ما وجعني…
أن ابنتي كانت في الخارج.
ولم تدخل حتى لتمنعني.
ولم تقل:
“متزعلش يا بابا.”
ولا حتى:
“اقعد ونحل الموضوع.”
لا شيء.
خرجت من الغرفة.
كانت ريم واقفة في الصالة.
وعلى وجهها ارتباك واضح.
أما مازن…
فكان ما يزال جالسًا أمام التلفزيون.
كأن شيئًا لم يحدث.
نظرت إلى ريم.
وقلت:
“خلي بالك من نفسك.”
بدأت عيناها تلمعان.
لكنها لم تتحرك.
أما مازن فقال ببرود:
“مع السلامة يا حاج.”
نظرت إليه للحظة.
ثم ابتسمت.
ابتسامة غريبة.
جعلته يعبس دون أن يفهم السبب.
لأنني كنت أعرف شيئًا لم يكونوا يعرفونه.
البيت لم يكن ملكهم.
ولا حتى ملك ريم.
البيت كله كان مسجلًا باسمي وحدي.
وكنت أستطيع طردهم في أي لحظة.
لكنني لم أفعل.
لأنني كنت أريد أن أرى إلى أي مدى سيصلون.
خرجت من الباب.
وتركت خلفي أربعين سنة من الذكريات.
وأول ليلة نمتها بعيدًا عن البيت…
كانت أغرب ليلة في حياتي.
استأجرت غرفة صغيرة في فندق متواضع.
وضعت الحقيبة بجواري.
وجلست أنظر إلى صورة زوجتي.
ثم قلت بصوت خافت:
“شايفة بنتك عملت إيه يا أم ريم؟”
ولأول مرة منذ وفاة زوجتي…
بكيت.
بكيت بصمت.
كرجل تعب كثيرًا.
وأعطى كثيرًا.
ثم اكتشف أن أكثر شخص أحبه لم يعد يراه كما كان.
في صباح اليوم التالي…
استيقظت على عشرات المكالمات.
كلها من ريم.
لكنني لم أرد.
ليس انتقامًا.
بل لأنني كنت بحاجة لبعض الهدوء.
بعد ساعات وصلتني رسالة منها.
“بابا ارجع البيت.”
نظرت إليها.
ثم أغلقت الهاتف.
وفي المساء جاءت رسالة أخرى.
“أنا آسفة لو زعلتك.”
لكن الغريب…
أن الرسالة لم تقل:
“ارجع.”
بل قالت:
“مازن زعلان إنك مشيت.”
ضحكت لأول مرة منذ أيام.
حتى الاعتذار لم يكن من أجل أبيها.
بل من أجل زوجها.
مر أسبوع كامل.
أسبوع لم أتحدث فيه مع ريم.
ولم أتصل.
ولم أرسل أي رسالة.
كنت فقط أراقب.
وفي اليوم السابع…
استيقظت على صوت الهاتف.
مرة.
مرتين.
عشر مرات.
عشرين مرة.
وعندما فتحت عيني أخيرًا…
وجدت 22 مكالمة فائتة.
كلها من ريم.
ومعها رسالة واحدة فقط.
لكن تلك الرسالة…
غيرت كل شيء.
كانت مكتوبة في الثانية وأربعين دقيقة بعد منتصف الليل.
وجاء فيها:
“بابا الحقني… إحنا اتطردنا من البيت.”
جلست مستقيمًا فوق السرير.
وأعدت قراءة الرسالة.
مرة.
واثنتين.
وثلاثًا.
ثم رن الهاتف مجددًا.
هذه المرة أجبت.
وجاءني صوت ريم.
تبكي بشكل هستيري.
“بابا…”
“إحنا في الشارع.”
شعرت بقلبي ينقبض.
رغم كل شيء…
ستظل ابنتي.
قلت بهدوء:
“إيه اللي حصل؟”
وجاء الرد الذي لم أتوقعه أبدًا.
“البيت اتباع.”
تجمدت في مكاني.
“إيه؟”
“في ناس جم الصبح.”
“وقالوا إن البيت اتباع لمستثمر.”
“ومعاهم أوراق رسمية.”
بدأت أفهم.
أفهم أخيرًا ما حدث.
لأن هناك سرًا واحدًا لم تكن ريم تعرفه.
وسرًا ثانيًا لم يكن مازن يعرفه.
قبل ستة أشهر…
كنت قد وقعت عقد بيع للبيت.
لكن البيع لم يكن نهائيًا.
وكان فيه شرط واحد فقط.
أن يتم التنفيذ فور طلبي أنا شخصيًا.
والأسبوع الماضي…
بعد خروجي مباشرة…
فعلت ذلك.
لم أفعلها انتقامًا.
بل لأنني أدركت أن البيت الذي طُردت منه…
لم يعد بيتي أصلًا.
ساد الصمت على الطرف الآخر.
ثم قالت ريم بصوت مرتجف:
“يعني… إنت اللي بعت البيت؟”
أغمضت عيني.
وقلت بهدوء:
“أيوه.”
وانفجرت بالبكاء.
أما أنا…
فجلست صامتًا.
لأن أصعب شيء في الدنيا…
أن ترى ابنك يتعلم درسًا قاسيًا بعد فوات الأوان.
يتبع…
