"أبويا فضل سنين يتريق على الندبة اللي في دراعي، ويقول إنها علامة هروب وجبن. وفي حفلة خطوبة أختي، شدّ كُمّ فستاني قدام أكتر من تمانين معزوم، وهو بيصرخ: "وريهم علامة الهروب!"... لكن أول ما ظهرت الندبة، عميد في القوات البحرية وقف مذهول وهمس: "عملية منارة الأمل؟!" كنت أتمنى الأرض تنشق وتبلعني قبل ما يكمل كلامه. لكن أبويا كان سبقني، وسحبني ناحية الميكروفون. — سيب كُمّي يا بابا. لكن الحاج حسن منصور شد إيدي أكتر، وجرّني لوسط القاعة. كل العيون كانت علينا. المزيكا وقفت. والهمس بدأ ينتشر. ابتسم أبويا بسخرية وقال في الميكروفون: — بما إن بنتي الكبيرة افتكرت إن عندها عيلة وجت أخيرًا... تحبوا تعرفوا ليه سابت الجيش واختفت سنين؟ الكلمات نزلت على قلبي زي الس/كين. أختي الصغيرة سارة كانت واقفة جنب خطيبها، المقدم بحري كريم السيوفي، لابس بدلته العسكرية، مليان أوسمة. كانت لابسة حلق ماما الدهب... وباصالي بنفس النظرة اللي طول عمرها بتبصهالي بيها... نظرة الانتصار. أنا اسمي المقدم آية منصور. عندي تسعة وتلاتين سنة. ضابط إنقاذ في القوات الجوية المصرية. بقالي ستاشر سنة بطلع ناس من أماكن الكل بيقول مستحيل حد يخرج منها حي. لكن بالنسبة لعيلتي... أنا كنت الضابطة اللي "هربت" من الخدمة. شديت كُمّي من إيده. وقلت بهدوء: — أنا ما هربتش من أي مكان. رفع أبويا الميكروفون تاني. — أمال محدش يعرف بتشتغلي إيه ليه؟ رديت: — لأن شغلي جزء منه سري. سارة ضحكت وقالت: — حجة جاهزة. افتكرت وأنا عندي سبعتاشر سنة... لما كنت بشتغل بعد المدرسة عشان أجمع فلوس الكلية. وأبويا سحب كل اللي جمعته... واشترى بيه عربية جديدة لسارة. وقال وقتها: — دي مصلحة العيلة. الشخص الوحيد اللي اعتذرلي كان أمي. وقبل ما تتوفى بعد صراع مع المرض... حطت مفتاح نحاس صغير في إيدي. وقالت وهي بتبتسم: — خليه معاكي... هيجي يوم تحتاجيه لما حد يحاول يمحي حقيقتك. ومن يومها... المفتاح عمره ما فارقني. أنا حضرت الخطوبة علشان وصية أمي... مش علشان أرضي حد. قرب مني أبويا وقال بصوت عالي: — إنتِ هربتي علشان تلعبي دور البطلة. قلت بثبات: — أنا دخلت الكلية العسكرية بمنحة وتخرجت بشرف. صرخ: — كفاية كذب! وفجأة... مسك دراعي بعنف. الكُم اتحرك لفوق... وظهرت الندبة الكبيرة اللي ملفوفة حوالين ساعدي. خطيب أختي لمحها. واتغير لون وشه. قرب مني وقال: — ممكن أشوف الندبة؟ رد أبويا بسرعة: — دي أكيد من خناقة في الشارع. لكن الضابط فضل باصص للندبة. وقال بصوت واطي: — دي مستحيل تكون أي إصابة عادية. دي إصابة سلك سحب عسكري. سارة شدت خطيبها من إيده. — مالك مهتم بيها كده؟ بعد إيدها برفق... وبصلي. وقال: — عملية منارة الأمل... فاكرة؟ سكتت القاعة كلها. رجعت بذاكرتي لليلة مليانة دخان ونار. مبنى منهار. ومياه داخلة بسرعة. وستة بحارة محبوسين تحت الحديد. وسلك الرافعة اتقطع. فلفّيت كابل السحب المعدني على دراعي مباشرة... وسحبت الحطام بإيدي... لحد ما خرجوا كلهم. همس الضابط: — كانوا بيسموكي... ملاك الليل. في اللحظة دي... قام راجل كبير في السن من على الترابيزة الرئيسية. كان عميد بحري على المعاش. وبيمشي بعكاز. قرب مني ببطء... ولما وقف قدامي... رفع إيده بالتحية العسكرية. وقال ودموعه في عينيه: — يا مقدم آية... إنتِ اللي شلتيني على ضهرك بعد ما اتكسرت ضهري. بقالي أكتر من عشر سنين بدور عليكي... علشان أقولك... شكرًا. أبويا شد الكُم ونزله بسرعة. وقال بعصبية: — الكلام الفارغ ده يخلص. رد العميد بحزم: — بنتك أنقذت ستة من رجال البحرية. سارة خلعت دبلة الخطوبة بعصبية، ورمتها في صدر كريم. وصرخت: — إنت متفق معاها علشان تفضحني! هز كريم راسه. — إنتِ اللي قلتيلي إن أختك اتفصلت من الجيش بسبب الهروب. وأنا صدقتك. مديت إيدي لشنطتي... وطلعت المفتاح النحاس الصغير. في نفس اللحظة... قربت خالتي نادية وهي ماسكة ظرف مقفول بالشمع الأحمر. وقالت: — دي وصية أختي. قالت لو حسن في يوم شكك في خدمة آية قدام الناس... المفتاح ده يفتح خزنة البنك. أبويا وشه اصفر فجأة. وبص للمفتاح كأنه شاف كابوس. شد دراعي وهمس: — أوعي تفتحي الخزنة... إنتِ مش عارفة اللي جواها. وفي اللحظة دي... اتفتح باب القاعة. ودخل اتنين من الشؤون القانونية للقوات المسلحة... ومعاهم محقق من الجهات المختصة في قضايا الأموال. الندبة.... أسكتت كل الأكاذيب اللي اتقالت عن خدمتي. لكن المفتاح النحاسي... كان هيكشف سر أخطر بكتير... وسرّ لأول مرة... خلّى أبويا نفسه يرتعش من الخوف. اكتب منارة" لو عايز تقرأ القصة كاملة..."الحكاية لم تنتهِ بعد..." 📖 رابط القصة الكاملة في أول تعليق. ✍️ الكاتبة أسما السيد @أبرز المعجبين الفصل الثاني: الخزنة اللي خلت أبويا ينهار أول ما رجال الشؤون القانونية دخلوا القاعة... الضحك اختفى. والموسيقى ما رجعتش. كل واحد بقى يبص للتاني، محدش فاهم إيه اللي بيحصل. أبويا حاول يرجع لورا خطوة. لكن المحقق قال بهدوء: — الحاج حسن منصور؟ رد بصوت مهزوز: — أيوه... خير؟ أخرج الرجل بطاقة تعريفه. — معانا إذن بالاطلاع على بعض المستندات الخاصة بتركة المرحومة الحاجة فاطمة منصور. كل اللي في القاعة اتفاجئ. خالتي نادية رفعت الظرف الأحمر وقالت: — ودي وصيتها... ما تتفتحش إلا بحضور بنتها الكبيرة. سارة صرخت: — يعني إيه؟! خالتي بصتلها وقالت ببرود: — يعني أمك كانت عارفة إن اليوم ده هييجي. بصيت للمفتاح النحاسي اللي في إيدي. كان قديم... ومتآكل من السنين. بس أمي كانت متمسكة إنه يفضل معايا. قالتلي قبل ما تموت: "لو حسيتِ إن الحقيقة بتضيع... افتحي الخزنة." وقتها ما فهمتش. لكن النهارده... بدأت أفهم. المحقق قال: — الخزنة موجودة في فرع البنك الرئيسي. ونظر للحضور. — لو أصحاب الشأن موافقين... نروح دلوقتي. أبويا اتوتر فجأة. وقال بسرعة: — مفيش داعي للتمثيل ده. دي حاجات عائلية. لكن العميد البحري ضرب بعكازه في الأرض. — بعد اللي حصل هنا... مبقاش فيه حاجة اسمها عائلية. بعد ساعة... كلنا كنا واقفين داخل غرفة الخزنات في البنك. الموظف أخذ المفتاح. ودار بيه ببطء. ثم طلب مني أبصم. بصمت... واتفتح الباب الحديدي. طلع صندوق أسود صغير. قلبي كان بيدق بعنف. فتحته... لقيت جواه ملفات... وصندوق مخملي... وفلاشة. وفوقهم ظرف مكتوب عليه بخط أمي: "إلى بنتي آية." إيدي كانت بتترعش وأنا بفتح الجواب. "يا آية... لو بتقري الرسالة دي، يبقى للأسف حصل اللي كنت خايفة منه. أبوكي هيحاول يمحي تاريخك علشان يحافظ على سر أخفاه سنين." حسيت رجلي مش شيلاني. كملت القراءة. "الفلوس اللي دفعتيها من شغلك وإنتِ صغيرة... واللي قال إنها راحت لمصلحة البيت... ما راحتش للبيت." رفعت عيني ناحية أبويا. كان وشه كله عرق. كملت. "اشترى بيها أرض باسمه... وبعدها كتبها باسم أختك سارة." سارة شهقت. — مستحيل! أبويا صرخ: — أمك كانت مريضة... وما كانتش فاهمة. لكن خالتي نادية طلعت عقد بيع قديم من الملف. وقالت: — العقد ده بإمضتك. وتاريخه هو نفس اليوم اللي أخدت فيه فلوس آية. المحقق أخذ العقد... وبدأ يراجعه. ثم رفع رأسه وقال: — المستند ده هيتفحص رسميًا. افتحت الصندوق المخملي. لقيت جواه... وسامًا عسكريًا. اتسمرت مكاني. العميد البحري أول ما شافه... وقف يؤدي التحية العسكرية مرة تانية. وقال: — وسام الشجاعة. ده بيتمنح في العمليات الخاصة. إزاي عندك؟ فتحت الملف اللي تحته. كان قرارًا رسميًا... بتكريمي بعد عملية "منارة الأمل". لكن القرار مكتوب عليه: "سري للغاية." العميد ابتسم بحزن. — عشان كده محدش كان يعرف. إنتِ ما كنتيش مختفية... إنتِ كنتِ ممنوعة حتى تحكي. كل الموجودين بصوا لأبويا. الراجل اللي فضل سنين يقول إن بنته هربت... كان بيشوه سمعة بنت حصلت على وسام شجاعة. لكن المفاجأة الأكبر... كانت الفلاشة. المحقق قال: — نشغلها. اشتغلت. وظهر تسجيل قديم... كانت أمي قاعدة فيه قدام الكاميرا. ملامحها مرهقة من المرض... لكن صوتها ثابت. قالت: "لو الفيديو ده اتعرض... يبقى حسن كذب على ولاده. وآية مظلومة. وأنا محتفظة بكل الأدلة." وفجأة... انهار أبويا على الكرسي. ودفن وشه بين إيديه. ولأول مرة في حياته... بكى قدام الناس كلها. لكن آية كانت عارفة... إن دموعه دي... مش نهاية الحكاية. لأن آخر ورقة في الملف... كانت مكتوب عليها عنوان قطعة أرض ضخمة... وقائمة بأسماء شركاء... أحدهم اسم كبير جدًا... لو اتكشف... القضية دي هتخرج من حدود العيلة... وتبقى قضية رأي عام. يتبع... "الحكاية لم تنتهِ بعد..." 📖 رابط القصة الكاملة في أول تعليق. ✍️ الكاتبة أسما السيد يتبع