طفلة الزعيم حكايات اسما ×5
ساد صمت ثقيل داخل الكنيسة.
الزجاج المحطم يغطي الأرض.
ورائحة الدخان تملأ المكان.
والرجال المسلحون يطوقون الجميع.
لكن دومينيك لم يرَ شيئًا من ذلك.
كان ينظر فقط إلى صوفيا.
إلى الفتاة التي قيل له قبل دقائق إنها ابنته.
—
كانت تشبهه بطريقة مرعبة.
نفس لون العينين.
نفس النظرة الحادة.
حتى طريقة الوقوف.
—
همس أخيرًا:
“صوفيا…”
—
لكنها لم تبتسم.
بل ظلت تنظر إليه ببرود.
ثم قالت:
“غريب.”
—
عبس.
“إيه؟”
—
أجابت:
“إني طول عمري كنت أتخيل اللحظة دي.”
—
“وأول ما حصلت…”
“محستش بحاجة.”
—
شعر دومينيك وكأن أحدهم لكمه في صدره.
—
أما سارة…
فكانت تراقب المشهد بصمت.
—
لأنها فهمت شيئًا مهمًا.
—
صوفيا لم تأتِ لتجد أباها.
—
صوفيا جاءت وهي تحمل جروحًا عمرها خمسة عشر عامًا.
—
—
قال دومينيك بهدوء:
“أنا ما كنتش أعرف.”
—
ضحكت صوفيا.
ضحكة قصيرة خالية من الفرح.
—
“طبعًا.”
—
“وده بيفرق إيه؟”
—
—
تقدم خطوة نحوها.
—
لكن الرجال حولها رفعوا أسلحتهم فورًا.
—
فتوقفت.
—
أما هي فقالت:
“متقلقش.”
—
“مش جاية أقتلك.”
—
ثم نظرت إلى إيزابيلا.
—
وأضافت:
“ولا جاية أقتل حد.”
—
—
تنفست إيزابيلا ببطء.
—
وقالت:
“إذن ليه عملتي كل ده؟”
—
—
رفعت صوفيا عينيها نحوها.
—
ثم قالت:
“عشان تسمعوني.”
—
“مرة واحدة بس.”
—
—
ساد الصمت.
—
ثم بدأت تتكلم.
—
“وأنا عندي خمس سنين…”
—
“عرفت إني مختلفة.”
—
“كل الأطفال عندهم عائلات.”
—
“وأنا عندي حراس.”
—
—
“كل الأطفال عندهم صور طفولة.”
—
“وأنا عندي ملفات.”
—
—
“كل الأطفال عندهم ذكريات.”
—
“وأنا عندي أسرار.”
—
—
بدأ صوتها يهتز لأول مرة.
—
“كنت كل يوم أسأل…”
—
“مين أنا؟”
—
“ومحدش يجاوب.”
—
—
ثم نظرت مباشرة إلى دومينيك.
—
وقالت:
“وأنت كنت عايش حياتك.”
—
“ولا تعرف إني موجودة.”
—
—
لم يجد ما يقوله.
—
لأنها كانت محقة.
—
—
ثم أخرجت من حقيبتها ملفًا قديمًا.
—
ورمته أمامه.
—
“افتح.”
—
—
انحنى دومينيك.
—
وأخذ الملف.
—
ثم بدأ يقلب الصفحات.
—
—
ومع كل صفحة…
كانت ملامحه تتغير.
—
أسماء.
—
تواريخ.
—
حسابات.
—
صور.
—
وتوقيعات.
—
—
ثم توقف فجأة.
—
شحب وجهه.
—
لأن أحد الأسماء كان مألوفًا جدًا.
—
اسم شخص يثق به.
—
منذ سنوات.
—
—
رفع رأسه ببطء.
—
وقال:
“لا.”
—
—
ابتسمت صوفيا بمرارة.
—
“أيوه.”
—
—
كان الاسم…
—
فيتور كورسي.
—
الرجل الذي يعمل مع عائلة رومانو منذ عشرين عامًا.
—
والذي اعتبره دومينيك فردًا من العائلة.
—
—
همست إيزابيلا:
“مستحيل.”
—
—
لكن صوفيا هزت رأسها.
—
“هو اللي باعني.”
—
—
ساد الصمت.
—
—
“وهو اللي أخد الفلوس.”
—
“وهو اللي ساعد في تهريبي.”
—
“وهو اللي قتل أي حد عرف الحقيقة.”
—
—
شعر دومينيك بالغضب يتصاعد داخله كالنار.
—
لكن الصدمة لم تنتهِ.
—
لأن صوفيا أخرجت صورة أخرى.
—
ثم وضعتها أمام سارة.
—
—
نظرت إليها.
—
ثم تجمدت.
—
كانت صورة لفتاة صغيرة.
—
في عمر ليا تقريبًا.
—
—
قالت صوفيا:
“تعرفيها؟”
—
هزت سارة رأسها بالنفي.
—
—
فابتسمت صوفيا ابتسامة غامضة.
—
وقالت:
“دي أختك.”
—
—
اتسعت عينا سارة.
—
“إيه؟”
—
—
أجابت:
“مش كل أسرار المستشفى انكشفت.”
—
“في طفلة تانية.”
—
“وفي قصة أكبر.”
—
—
وقبل أن يسأل أحد أي سؤال…
—
دوى إطلاق نار جديد خارج الكنيسة.
—
لكن هذه المرة…
لم يكن من رجال صوفيا.
—
—
ركض أحد حراسها إلى الداخل.
—
وكان وجهه شاحبًا.
—
وقال:
“لقيناه.”
—
—
التفتت صوفيا فورًا.
—
“مين؟”
—
—
أجاب الرجل:
“فيتور.”
—
—
ساد الصمت.
—
ثم ابتسمت صوفيا.
—
لكن ابتسامتها هذه المرة لم تكن باردة.
—
بل خطيرة.
—
وقالت:
“كويس.”
—
“بقالنا خمسة عشر سنة بندور عليه.”
—
—
ثم نظرت إلى دومينيك.
—
وقالت:
“دلوقتي يا بابا…”
—
“هنبدأ نعرف الحقيقة بجد.”
—
ولأول مرة…
شعر دومينيك أن كل ما مر به حتى الآن…
لم يكن سوى مقدمة للقصة الحقيقية.
تحرك الجميع بسرعة بعد القبض على فيتور.
لكن صوفيا لم تبدُ سعيدة.
ولم تبدُ منتصرة.
بل كانت متوترة.
وكأنها تعرف أن الحقيقة التي انتظرتها عمرًا كاملًا…
قد تكون أسوأ من كل الأكاذيب.
—
بعد ساعة…
كان فيتور مقيدًا داخل غرفة حجرية قديمة أسفل الكنيسة.
رجلاه ترتجفان.
وعرق بارد يغطي وجهه.
لأن الرجل الذي خدع الجميع عشرين سنة…
أخيرًا لم يعد يملك مكانًا يهرب إليه.
—
وقف دومينيك أمامه.
وخلفه صوفيا.
وسارة.
وإيزابيلا.
—
قال دومينيك بهدوء مخيف:
“اتكلم.”
—
لكن فيتور ضحك.
ضحكة متعبة.
مكسورة.
—
وقال:
“لو كنتوا تعرفوا الحقيقة…”
“كنتوا تمنيتوا تفضلوا عايشين في الكذبة.”
—
أمسك دومينيك ياقة قميصه بعنف.
—
لكن صوفيا أوقفته.
—
ثم انحنت أمام الرجل.
وقالت:
“أنا عشت خمسة عشر سنة بدور على اسمي.”
“مش هقف دلوقتي.”
“اتكلم.”
—
نظر إليها طويلًا.
—
ثم تنهد.
—
وقال:
“المشكلة إنكم فاكرين إن كل ده بدأ في المستشفى.”
—
هز رأسه.
—
“لكن الحقيقة…”
“بدأ قبلها بسنين.”
—
ساد الصمت.
—
ثم أضاف:
“أبو دومينيك ما كانش بيهرب أطفال.”
—
“كان بيجمعهم.”
—
شحب وجه الجميع.
—
قالت سارة:
“يعني إيه؟”
—
أجاب:
“كان في مشروع.”
—
“سري.”
—
“أكبر من المال.”
—
“وأكبر من النفوذ.”
—
—
ثم رفع رأسه نحو دومينيك.
—
وقال:
“أبوك كان مؤمن إنه يقدر يصنع جيل جديد.”
—
“أطفال يختارهم بنفسه.”
—
“ويربيهم بعيد عن أهاليهم.”
—
—
شعرت سارة بالغثيان.
—
أما صوفيا…
فبدأت أصابعها ترتجف.
—
—
قال فيتور:
“أنت.”
وأشار إلى صوفيا.
—
“كنتِ واحدة منهم.”
—
ثم أشار إلى ليا.
—
“وهي كمان.”
—
ثم التفت إلى سارة.
—
وأضاف:
“والبنت اللي لسه ما عرفتيش عنها حاجة.”
—
—
توقفت أنفاس سارة.
—
“إنت تقصد إيه؟”
—
أجاب:
“أقصد إن عندك بنتين.”
—
ساد صمت مطبق.
—
حتى دومينيك تجمد.
—
أما سارة…
فشعرت أن العالم كله يدور حولها.
—
“لا.”
—
خرجت الكلمة هامسة.
—
مرعوبة.
—
“مستحيل.”
—
لكن فيتور أكمل.
—
“اتولدت توأم.”
—
“لكن واحدة بس اللي سلموهالك.”
—
“والتانية اختفت.”
—
—
انهارت سارة على أقرب كرسي.
—
لأنها بدأت تتذكر.
—
كلمات طبيب قديم.
—
أوراق لم يسمحوا لها بقراءتها.
—
ممرضة كانت تبكي.
—
ثم اختفت فجأة.
—
—
همست:
“بنتي…”
—
—
أجاب فيتور:
“عاشت.”
—
“وكبرت.”
—
“وهي أقرب ليكي مما تتخيلي.”
—
—
وقبل أن يكمل…
انفتح الباب بعنف.
—
ودخل أحد رجال صوفيا.
—
وجهه شاحب.
—
وصوته يرتجف.
—
“في مشكلة.”
—
التفت الجميع نحوه.
—
فقال:
“الملفات اللي أخدناها من أرشيف المشروع…”
—
“في اسم جديد.”
—
—
سألته صوفيا:
“مين؟”
—
ابتلع ريقه.
—
ثم قال:
“اسم البنت التانية.”
—
—
ساد الصمت.
—
ثم أخرج الملف.
—
ووضعه على الطاولة.
—
ببطء.
—
وكأن الورقة تزن أطنانًا.
—
—
نظر الجميع.
—
وكان الاسم مكتوبًا بوضوح.
—
“صوفيا.”
—
—
توقفت الأنفاس.
—
وتجمدت صوفيا في مكانها.
—
أما سارة…
فحدقت فيها.
—
مرة.
—
ثم مرتين.
—
ثم بدأت الدموع تنزل من عينيها دون إرادة.
—
لأن الحقيقة أخيرًا ظهرت.
—
الفتاة التي كانت تبحث عن عائلتها طوال عمرها…
—
والمرأة التي كانت تبحث عن ابنتها طوال عمرها…
—
كانتا تقفان أمام بعضهما منذ البداية.
—
دون أن تعرفا.
—
لكن الصدمة الحقيقية…
—
لم تكن أن صوفيا ابنة سارة.
—
بل ما وجده دومينيك في آخر صفحة من الملف.
—
شيء جعله يشحب فجأة.
—
ثم يرفع رأسه نحو الجميع.
—
ويقول بصوت مبحوح:
“في حد تاني لسه عايش.”
—
“وهو صاحب المشروع كله.”
—
“وأبويا كان مجرد منفذ.”
—
وساد الصمت.
—
لأن الكابوس…
لم يكن قد انتهى بعد.
ساد الصمت داخل الغرفة.
كأن الجميع فقد القدرة على الكلام.
—
سارة كانت تنظر إلى صوفيا.
وصوفيا تنظر إليها.
—
خمسة عشر عامًا من الفقد.
والغضب.
والوحدة.
والأسئلة.
—
انتهت في لحظة واحدة.
—
اقتربت سارة ببطء.
—
وكانت الدموع تملأ عينيها.
—
وقالت بصوت مكسور:
“أنا آسفة.”
—
ارتجفت شفتا صوفيا.
—
“على إيه؟”
—
أجابت سارة:
“على كل عيد ميلاد كنتِ لوحدك فيه.”
—
“على كل مرة سألتي فيها فين أمك.”
—
“على كل ليلة نمتي فيها وإنتِ فاكرة إن محدش بيدور عليكي.”
—
انهارت صوفيا.
—
لأول مرة منذ عرفها الجميع.
—
ولأول مرة منذ خمسة عشر عامًا.
—
بكت كطفلة.
—
وارتمت في حضن سارة.
—
أما سارة…
فضمت ابنتها بقوة.
—
كما لو كانت تخشى أن تختفي مرة أخرى.
—
—
لكن دومينيك كان ينظر إلى الصفحة الأخيرة.
—
إلى الاسم المكتوب في أسفل الملف.
—
الاسم الذي كان الجميع يخشاه.
—
اسم الرجل الذي بدأ كل شيء.
—
البروفيسور لورينزو فالدي.
—
عالم شهير.
وممول دولي.
ورجل يعتقد العالم أنه مات منذ عشرين عامًا.
—
لكن الملف أكد شيئًا آخر.
—
كان حيًا.
—
وما زال يدير المشروع من الظل.
—
—
بعد أسبوعين…
وصلت كل الخيوط إلى نهايتها.
—
في قلعة قديمة معزولة على ساحل إيطاليا.
—
هناك.
—
وجدوا الرجل.
—
عجوزًا.
—
مريضًا.
—
لكن عقله لا يزال حادًا.
—
—
نظر إلى دومينيك.
—
ثم إلى سارة.
—
ثم إلى صوفيا.
—
وليا.
—
وماركو.
—
ثم ابتسم.
—
وقال:
“أخيرًا جمعتهم كلهم.”
—
—
لكن أحدًا لم يعد يخافه.
—
لأن قوته كانت في الأسرار.
—
والأسرار كلها خرجت للنور.
—
—
تم القبض عليه.
—
وانهار المشروع.
—
وأُغلقت كل الملفات.
—
وسقط كل المتورطين.
—
—
وبعد شهور طويلة…
بدأت الحياة أخيرًا.
—
حياة حقيقية.
—
بعيدة عن الهروب.
—
وبعيدة عن الأكاذيب.
—
—
انتقلت سارة مع ليا وصوفيا إلى منزل كبير قرب البحر.
—
كانت البدايات صعبة.
—
لأن خمس عشرة سنة من الغياب لا تُمحى في يوم واحد.
—
لكن الحب كان موجودًا.
—
وكان كافيًا.
—
—
أما ماركو…
فلم يهتم بكل تلك التعقيدات.
—
ظل ينادي سارة:
“ماما.”
—
ويجري خلف ليا.
—
ويتشاجر مع صوفيا.
—
كما لو أنهم كانوا عائلة منذ البداية.
—
—
وفي إحدى الأمسيات…
كان الجميع مجتمعًا حول مائدة العشاء.
—
ضحكات.
—
وأحاديث.
—
وضوضاء أطفال.
—
وأشياء بسيطة.
—
لكنها كانت أغلى من كل الإمبراطوريات.
—
—
نظر دومينيك حوله.
—
ثم تذكر الطائرة.
—
وتذكر ذلك اليوم.
—
طفل يبكي بلا توقف.
—
وأم مكسورة القلب تجلس في مقعد بعيد.
—
لم تكن تملك مالًا.
—
ولا نفوذًا.
—
ولا أي شيء.
—
سوى قلب أم.
—
—
اقترب من سارة.
—
وأمسك يدها.
—
ثم قال مبتسمًا:
“عارفة أغرب حاجة؟”
—
رفعت حاجبها.
—
“إيه؟”
—
ضحك.
—
وقال:
“كل اللي حصل ده…”
—
وأشار إلى الأطفال.
—
وإلى البيت.
—
وإلى العائلة التي امتلأ بها المكان.
—
ثم أكمل:
“بدأ لأن طفل صغير كان بيعيط في طيارة.”
—
ضحكت سارة وسط دموعها.
—
وقالت:
“وأم ما عرفتش تتجاهله.”
—
—
أومأ برأسه.
—
ثم قبل جبينها برفق.
—
وقال:
“الحمد لله إنك ما تجاهلتِهوش.”
—
—
وفي الخارج…
كانت الأمواج تضرب الشاطئ بهدوء.
—
وكانت الشمس تغيب ببطء خلف البحر.
—
أما داخل المنزل…
فكانت الضحكات تعلو.
—
وكانت القلوب التي ضاعت لسنوات طويلة…
قد وجدت طريقها أخيرًا إلى بعضها.
—
وهكذا…
انتهت الحرب.
—
وانتهت الأسرار.
—
وبقيت العائلة.
—
النهاية.