زوجة زوجي حكـايـات أسمـا ×3
الفصل الخامس
بقيت سلمى تحدق في شاشة الهاتف.
الصورة كانت حديثة.
حديثة جدًا.
التُقطت منذ دقائق.
من خارج نافذة المكتبة.
وهذا يعني شيئًا واحدًا.
هناك شخص يراقبهما الآن.
رفعت نادية رأسها ببطء.
ولأول مرة منذ بداية اللقاء…
اختفى هدوؤها تمامًا.
قالت بصوت منخفض:
“اقفلي الستاير.”
تحركت سلمى فورًا نحو النافذة.
وأغلقت الستائر الثقيلة.
ثم عادت.
لكن قلبها كان يخفق بعنف.
قالت:
“مين ممكن يكون؟”
أجابت نادية:
“لو كنت أعرف… ما كنتش قاعدة هنا.”
ثم أضافت:
“بس في حاجة لازم تعرفيها.”
فتحت درج مكتب قديم.
وأخرجت مفتاحًا صغيرًا.
ثم وضعته أمام سلمى.
“إيه ده؟”
“مفتاح خزنة.”
“خزنة فين؟”
نظرت نادية مباشرة إلى عينيها.
وقالت:
“بتاعة كريم.”
ساد الصمت.
ثم أكملت:
“قبل ما يختفي للمرة التانية بأسبوع…”
“بعتلي المفتاح ده.”
“وقال لو حصل له حاجة… أو لو اختفى…”
“أسلمه لسلمى.”
شعرت سلمى بقشعريرة تسري في جسدها.
“هو كان يعرفني أصلًا؟”
ابتسمت نادية ابتسامة حزينة.
“كان يعرف عنك أكتر ما تتخيلي.”
ثم أخرجت ظرفًا أصفر قديمًا.
كان مغلقًا.
ومكتوبًا عليه بخط يد واضح:
إلى سلمى عبدالسلام.
ارتجفت أصابعها وهي تفتحه.
وفي الداخل…
وجدت رسالة.
بدأت تقرأ.
سلمى…
لو وصلتك الرسالة دي…
فغالبًا أنا اختفيت.
أو اتمنعت من الكلام.
أو اتأخرت جدًا.
يمكن تسمعي عني حاجات وحشة.
ويمكن تفتكري إني سيبت حقي.
لكن الحقيقة غير كده.
أنا عارف إن سيف ظلمك زي ما ظلمني.
وعارف إنك الوحيدة اللي ممكن تكملي للنهاية.
الخزنة فيها كل حاجة.
كل الأدلة.
وكل الأسماء.
والحقيقة اللي محدش يعرفها.
ولو فتحتيها…
هتعرفي مين العدو الحقيقي.
توقفت سلمى عن القراءة.
لأن الجملة الأخيرة جعلت الدم يبرد في عروقها.
“سيف مش أخطر شخص في القصة.”
في صباح اليوم التالي.
انطلقت سلمى ونادية نحو العنوان المكتوب داخل الرسالة.
كان بنكًا خاصًا قديمًا في وسط القاهرة.
دخلتا بهدوء.
وقدمتا المفتاح.
والوثائق المطلوبة.
وبعد إجراءات طويلة…
قادهم الموظف إلى غرفة خزائن تحت الأرض.
صفوف طويلة من الصناديق المعدنية.
وجدران سميكة.
وأبواب فولاذية.
ثم توقف أمام صندوق واحد.
رقم 117.
أدار المفتاح.
وانفتح الباب.
في البداية…
لم تلاحظ سلمى شيئًا غريبًا.
ملفات.
وأقراص تخزين.
وعقود.
وصور.
لكنها لاحظت شيئًا آخر.
صندوقًا خشبيًا صغيرًا.
أخرجته.
فتحته.
وشعرت أن أنفاسها توقفت.
لأن بداخله صورة قديمة جدًا.
صورة تعود لعشرين عامًا.
ثلاثة أشخاص يقفون معًا.
كريم.
وسيف.
ورجل ثالث.
لم تعرفه.
لكن نادية عرفته فورًا.
وسقطت الصورة من يدها.
وهمست:
“مستحيل…”
“مين ده؟”
سألت سلمى.
لكن نادية لم تجب.
كانت تنظر إلى الصورة وكأنها رأت شبحًا.
ثم قالت أخيرًا:
“ده يوسف الشاذلي.”
“أخو سيف.”
تجمدت سلمى.
لأن سيف لم يذكر يومًا أن لديه أخًا.
ولا في أي لقاء.
ولا في أي حوار صحفي.
ولا حتى داخل العائلة.
كأنه لم يكن موجودًا أصلًا.
قالت نادية بصوت مرتجف:
“الناس كلها فاكرة إنه مات.”
“وما ماتش؟”
أغلقت نادية عينيها.
ثم قالت:
“لا.”
“اختفى.”
شعرت سلمى أن القصة كلها تتغير مرة أخرى.
فتحَت ملفًا آخر بسرعة.
ثم آخر.
ثم آخر.
وكل ملف كان يحمل الاسم نفسه.
يوسف الشاذلي.
تحويلات مالية باسمه.
شركات وهمية باسمه.
حسابات خارجية باسمه.
وعقود موقعة باسمه.
لكن المفاجأة الأكبر كانت في الملف الأخير.
ملف بعنوان:
المالك الحقيقي
فتحته سلمى.
ثم شعرت أن الأرض تميد تحت قدميها.
لأن أول صفحة احتوت على وثيقة قديمة.
توضح أن صاحب رأس المال الأصلي الذي تأسست به الشركة…
لم يكن سيف.
ولا كريم.
بل يوسف.
أخو سيف المفقود.
رفعت رأسها ببطء.
وقالت:
“يعني الإمبراطورية كلها…”
أجابت نادية بصوت خافت:
“كانت بتاعته.”
ساد الصمت.
ثم أضافت:
“والأسوأ من كده…”
“إيه؟”
نظرت نادية إلى آخر صفحة في الملف.
ثم همست:
“يوسف اختفى قبل كريم بست شهور.”
وفي تلك اللحظة بالذات…
رن هاتف سلمى.
رقم مجهول.
أجابت.
فجاءها صوت رجل هادئ.
بارد.
غريب.
وقال:
“أخيرًا وصلتي للملف الصح.”
تجمدت في مكانها.
ثم سألته:
“مين أنت؟”
ضحك الرجل.
ضحكة قصيرة.
مرعبة.
ثم قال:
“اسألي نفسك سؤال واحد.”
“مين الشخص الوحيد اللي اختفى الاتنين قبله؟”
وقبل أن تتمكن من الرد…
أغلق الخط.
أما سلمى…
فأدركت أن رحلة إسقاط سيف الشاذلي لم تكن سوى أول خطوة.
وأن خلف كل الأسرار التي اكتشفتها…
كان هناك شخص واحد ما زال حرًا.
شخص يعرف أين اختفى يوسف.
وأين اختفى كريم.
وربما…
لماذا لم يعودا أبدًا.
الفصل السادس
ظل الهاتف في يد سلمى لعدة ثوانٍ بعد انقطاع المكالمة.
الصوت كان غريبًا.
ليس لأنه مخيف.
بل لأنه بدا واثقًا.
واثقًا أكثر من اللازم.
كأنه لا يخشى أن يُكتشف.
ولا يخشى أن يُطارد.
ولا يخشى أي شيء.
نظرت نادية إليها.
وقالت:
“قال إيه؟”
أخبرتها بالمكالمة كاملة.
وعندما سمعت الجملة الأخيرة…
أغلقت نادية عينيها.
ثم همست:
“يا رب.”
“إنتِ عارفة مين؟”
سألتها سلمى.
لكن نادية لم تجب مباشرة.
بل جلست على الكرسي المقابل.
وأخذت نفسًا عميقًا.
كأنها تحاول جمع شجاعة احتاجتها سنوات طويلة.
ثم قالت:
“في شخص واحد بس كان يعرف كل حاجة.”
“مين؟”
“شريف منصور.”
ساد الصمت.
“مين شريف؟”
رفعت نادية رأسها.
وقالت:
“شريك رابع.”
شعرت سلمى بقشعريرة.
شريك رابع؟
كل الملفات كانت تتحدث عن ثلاثة فقط.
سيف.
كريم.
يوسف.
أما اسم شريف منصور…
فلم يرد مرة واحدة.
وكأن شخصًا تعمد محوه من التاريخ.
بعد ساعتين.
كانت سلمى تجلس داخل أرشيف قديم للشركات.
تبحث بين ملفات عمرها عشرون عامًا.
حتى وجدته.
عقد تأسيس أولي.
أقدم من كل العقود الأخرى.
وكانت الصدمة.
أربعة أسماء.
يوسف الشاذلي.
كريم عزام.
سيف الشاذلي.
وشريف منصور.
لكن في نسخة لاحقة…
اختفى الاسم الرابع.
تمامًا.
كأنه لم يوجد أصلًا.
بدأت سلمى تحفر أعمق.
وفي نهاية اليوم.
وجدت أول خيط حقيقي.
خبرًا صحفيًا قديمًا.
منذ ثمانية عشر عامًا.
صورة صغيرة لرجل شاب.
يبتسم أمام مصنع إلكترونيات.
العنوان كان:
“المهندس شريف منصور يعلن انسحابه المفاجئ من المشروع.”
لكن ما لفت انتباهها لم يكن الخبر.
بل التاريخ.
انسحب شريف.
ثم اختفى يوسف بعدها بأشهر.
ثم اختفى كريم بعد ذلك بسنوات.
وبقي سيف وحده.
وحده دائمًا.
في تلك الليلة.
عادت سلمى إلى منزلها.
لكنها لم تجد الهدوء الذي كانت تبحث عنه.
لأن هناك سيارة سوداء كانت متوقفة أمام الفيلا.
منذ ساعتين.
بحسب الحارس.
ولا أحد يعرف صاحبها.
شعرت بالخطر لأول مرة بشكل حقيقي.
لم يعد الأمر ملفات قديمة.
أو أسرارًا مالية.
بل أشخاصًا أحياء.
يراقبون.
ويتحركون.
وينتظرون.
عند منتصف الليل.
وصلها ظرف دون اسم مرسل.
داخل الظرف كانت هناك صورة واحدة فقط.
صورة حديثة.
رجل يجلس على كرسي متحرك.
داخل غرفة بسيطة.
شعره أبيض بالكامل.
ووجهه يحمل آثار السنين.
لكنها عرفته فورًا.
يوسف الشاذلي.
حي.
حي بعد كل هذه السنوات.
سقطت الصورة من يدها.
ثم وجدت خلفها جملة مكتوبة بالقلم الأحمر:
“الضحية الأولى لم يكن كريم.”
شعرت بأن قلبها يتوقف.
ثم قلبت الصورة.
فوجدت عنوانًا.
وموعدًا.
“غدًا – الساعة السادسة مساءً.”
لا شيء آخر.
في اليوم التالي.
ذهبت سلمى وحدها.
رغم اعتراض الجميع.
كان العنوان يقود إلى منزل قديم على أطراف القاهرة.
وعندما فتحت الباب…
وجدت الرجل الموجود في الصورة.
يوسف.
أخو سيف.
كان أضعف مما تخيلت.
لكن عينيه كانتا حادتين بشكل مخيف.
نظر إليها طويلًا.
ثم قال:
“اتأخرتي عشرين سنة.”
جلست أمامه.
وقالت مباشرة:
“مين عمل فيك كده؟”
ضحك.
ضحكة مريرة.
ثم قال:
“السؤال الغلط.”
“إيه السؤال الصح؟”
مال للأمام.
وقال:
“مين مستفيد إن كل الناس تفتكر إن سيف هو الشرير الوحيد؟”
تجمدت سلمى.
لأنها لم تفكر في الأمر بهذه الطريقة من قبل.
صحيح أن سيف مذنب.
وصحيح أنه سرق.
وخدع.
وخان.
لكن طوال الوقت…
كان هناك شخص آخر.
شخص يختبئ خلفه.
شخص لم يظهر اسمه في أي قض*ية.
ولا في أي تحقيق.
ولا في أي ملف.
ثم أخرج يوسف ملفًا أخيرًا.
وقال:
“قبل ما تفتحيه…”
“لازم تعرفي حاجة.”
“إيه؟”
نظر مباشرة إلى عينيها.
وقال الجملة التي نسفت كل ما عرفته:
“سيف ما ق*تلش كريم.”
“ولا أنا.”
“اللي عمل كده…”
توقف.
ثم أكمل:
“هو أبو مريم نادر.”
ساد الصمت.
صمت ثقيل.
مرعب.
لأن مريم…
العشيقة الصغيرة التي ظن الجميع أنها مجرد سكرتيرة طامعة…
كانت ابنة رجل لم يذكره أحد طوال القصة.
رجل كان يعمل في الظل منذ عشرين عامًا.
رجل ساعد في تأسيس الإمبراطورية.
ثم بدأ في التخلص من كل من يعرف حقيقتها.
ورجل يقترب الآن…
من استعادة كل شيء.
أما سلمى…
فأدركت أنها طوال الوقت كانت تحارب المعركة الخطأ.
وأن العدو الحقيقي…
لم يدخل القاعة ليلة الصفعة أصلًا.
يتبع
