روماني ×3
اهبصتلي واللون هرب من ملامحها تماماً، حاولت في ثواني تستجمع جبروتها وتصطنع البرود، وقالت وهي بتقدم خطوة ومادة إيدها عشان تقفل اللاب توب:
ـ إنت إزاي تتجسس على حاجتي؟ دي خصوصية!
ضحكت.. ضحكة مكتومة طالعة من وسط حطام قلبي، ضحكة واحد مابقاش باقي على أي حاجة في الدنيا. مسكت إيدها بقوة وعصرتها في إيدي لحد ما صرخت، وقولتلها بصوت فحيح زي الأفاعي:
ـ خصوصية؟! المغفل العبيط اللي كنتِ ناوية تخليها على الحديدة صحي.. صحي وفاق يا “حلوة”.
زقتني بكل قوتها وهي ببتعد لورا وعينيها مليانة غل، وبان وشها الحقيقي اللي مفيش فيه أي جمال، وقالت بنبرة حادة ووقحة:
ـ طب كويس إنك عرفت عشان نوفر وقت.. آه يا سيدي، أنا متجوزاك سبوبة، وكنت هاخد اللي وراك واللي قدامك وأسيبك على البلاطة.. وأعلى ما في خيلك اركبه، وريني هتعمل إيه؟ الفلوس اللي اتسحبت اتسحبت بكارتك وبرضاك، والرحلة اتحجزت، وأي حركة كده ولا كده هوديك في داهية.
في اللحظة دي، مكنتش شايفها.. كنت شايف وراها خيال “هناء”.. هناء الست الطاهرة المظلومة اللي ماتت بسببي.. افتكرت نظرة هناء ليا يوم ما قولتلها “أنا هطلقك عشان أعيش حياتي”.. حسيت إن دم هناء بيصرخ فيا عشان أخد حقها وحقي.
طلعت موبايلي بكل هدوء، والهدوء ده رعبها، وقولتلها:
ـ مش هعمل كتير.. أنا بس كنت مسجل المكالمة اللي دارت بيننا من شوية، واللاب توب بتاعك ده أنا لسه مصور كل الشات اللي عليه بموبايلي.. يعني الخطة والسرقة والنصب بقوا معايا وموثقين.
وشها اتقلب وبدأت تترعش، حاولت تهجم على الموبايلي، لكن زقتها على السرير وقولتلها:
ـ قسماً بالله لو ما نفذتيش اللي هقولك عليه دلوقتي، لأكون بايت معاكي في القسم، وبكرة الصبح الفضايح هتكون في كل حتة، وأهلك قبل غرامك الجديد هيعرفوا حقيقتك.. ده غير قضية النصب والسرقة اللي هلبسهالك.
قعدت على السرير وهي بتنهج وقالت بغل:
ـ عايز إيه؟
قولتلها:
ـ كل مليم اتسحب من كارتي يرجع، وفوراً.. وتكتبيلي تنازل رسمي عن كل حقوقك، وتطلعي بره بيتي بهدومك بس.. وتتطلقي بالمعروف، وإلا هتشوفي وش عمرك ما تتخيلي إني أملكه.
شافت في عيني نظرة واحد ميت، واحد مابقاش يخاف من السجن ولا الموت، فخافت.. خافت على منظرها وعلى خطتها اللي باظت.. فتحت شنطتها وطلعت موبايلها، وكلمت “الحب كله” وهي بتعيط وبتقوله: “الحقني.. الموضوع اتكشف.. اتصرف وابعتلي الفلوس اللي سحبناها.”
ساعتين كاملين مرت في بيتي كأنهم دهر.. ساعتين وأنا واقف فوق دماغها زي عزرائيل، لحد ما الفلوس رجعت الحساب بالكامل، وجبت محامي من معارفي بالليل خلصنا ورقة التنازل في الشقة، وبصيتلها وقولتلها الكلمة اللي كانت بتتمناها من أول يوم دخلت فيه البيت:
ـ إنتي طالق.. طالق بالتلاتة يا أرخص ست شوفتها في حياتي.
لمت حاجتها في شنطة وهي بتبصلي بنظرات مسمومة وخرجت.. قفلت الباب وراها، ورجعت الشقة فضيت عليا.. قعدت على الأرض وبكيت.. بكيت زي العيل الصغير..
خسرت كل حاجة.. خسرت الست اللي صانتني، وكسبت فلوس ماليش نفس أصرف منها قرش واحد.. الفلوس اللي هناء سابتهالي في دفتر التوفير، وفلوسي اللي رجعت من طليقتي.. بقيت قاعد في وسط الفلوس وأنا حاسس إني أفقر إنسان على وجه الأرض.
تاني يوم الصبح، نزلت الشارع.. كنت لابس أسود، ورايح على المقابر.. رايح لـ “هناء”..
وصلت للمقبرة، التراب كان لسه جديد، قعدت جمب الحيطة وحطيت راسي على التربة وبكيت بكل قهر الدنيا:
ـ سامحيني يا هناء.. أنا أسف.. والله العظيم اتقصيت، والقصاص كان سريع وجامد أوي.. الست اللي سيبتك عشانها طلعت حية.. وأنا جيتلك أهو مكسور وضهرى محني.
وأنا قاعد ببكي وفاتح كتاب القرآن وبقرأ لها، حسيت بإيد حنينة بتحط على كتفي.. رفعت عيني وأنا بمسح دموعي، لقيت عم صلاح، الجار الطيب الوفي..
بصلي بنظرة كلها حزن وأسف، وقعد جمبي وقال:
ـ ادعيلها يا ابني.. البكاء مش هيفيدها دلوقتي.. هناء راحت لمكان أحسن بكتير من الدنيا ومن اللي فيها.
قولتله وأنا بشهق من البكاء:
ـ عم صلاح.. أنا اللي موتها.. أنا اللي كسرت قلبها.. سابتلي دفتر توفير فيه شقاها وعمرها وهي بتموت، وأنا كنت بتبهدل وتهان من واحدة تانية.. أنا ندمان أوي يا عم صلاح.. الندم بياكل في صدري زي النار.
عم صلاح اتنهد وبص للقبر وقال:
ـ ربنا يسامحك ويهديك يا ابني.. بس خلاص، المكتوب مفيش منه هروب.. بس يا رومانى، بما إنك جيت هنا، وبما إنك ندمت.. لازم تعرف السر التاني اللي هناء مخبياه عنك.. السر اللي أنا مكنتش عايز أقولهولك في التليفون عشان تموتك الصدمة في مكانك.
بصيت لعم صلاح بزهول، ونشفت دموعي فجأة.. سر تاني؟ إيه السر اللي ممكن يكون أكبر من الموت ومن دفتر التوفير؟
عم صلاح طلع من جيبه مفتاح صغير، وحطه في إيدي وقال:
ـ المفتاح ده بتاع الصندوق الخشب الصغير اللي تحت السرير في شقة هناء القديمة.. هناء سابت جوه الصندوق ده حاجة.. حاجة هتخليك تعيش طول عمرك اللي باقي وإنت بتبص في الوشوش وتدور على روحك اللي ضاعت..
وقفت مكاني، وبصيت للمفتاح في إيدي وجسمي كله بيتنفض..
ـ حاجة إيه يا عم صلاح؟!
عم صلاح قام وقف، ونفض التراب من على هدومه، وبصلي بنظرة غامضة وقال:
ـ روح افتح الصندوق يا ابني.. واعرف بنفسك هناء كانت شايلالك إيه.. واعرف إن الست الأصيلة لما بتمشي، مابتسيبش وراها مجرد ذكريات.. بتسيب وراها حقيقة بتعيش تكسر ضهر الراجل لحد ما يموت.
سابقني عم صلاح ومشي، وسابني واقف في وسط المقابر، المفتاح في إيدي بيحرق جلدي.. والأسئلة رجعت تاني تنهش في دماغي.. إيه اللي جوه الصندوق الخشب؟ وإيه السر اللي هناء أخدته معاها القبر وسابتهولي في ورقة ولا في صندوق؟
أخدت نفسي وطلعت من المقابر زي المجنون، وركبت أول تاكسي وطلعت على الشقة القديمة.. فتحت الباب، ودخلت أوضة النوم، ونزلت على ركبي قدام السرير.. مديت إيدي وبدأت أدور لحد ما صوابعي لمست الخشب.. سحبت الصندوق الصغير، وحطيت المفتاح في القفل..
ولما فتحت الصندوق.. صرخت صرخة هزت أركان الشقة كلها، ومكنتش مصدق اللي عيني شايفاه..
الجزء السادس
الصرخة خرجت مني من غير ما أحس…
رجعت لورا وأنا ببص جوه الصندوق كأني شايف شبح.
جواه كانت فيه صور… عشرات الصور.
صور ليا أنا وهناء.
صور من أول يوم خطوبتنا، وصور يوم كتب الكتاب، وصور من أول شقة سكنّا فيها.
لكن ده ماكنش اللي خلاني أصرخ…
اللي خلاني أصرخ إني لقيت ظرف كبير مكتوب عليه بخط إيد هناء:
“يتفتح لو سبتني في يوم… أو لو ربنا أخدني قبلك.”
إيدي كانت بتترعش وأنا بفتح الظرف.
طلعت منه رسالة طويلة ومتنية من كتر ما اتقرت.
قعدت على الأرض وبدأت أقرأ…
“رومانى…”
“لو إنت بتقرأ الرسالة دي دلوقتي، يبقى يا إما أنا مت، يا إما حصل اللي كنت خايفة منه طول عمري… إنك تبعد عني.”
دموعي نزلت قبل ما أكمل.
“عارفة إنك ممكن تكون زعلان مني دلوقتي أو شايل مني، لكن عمري ما قدرت أشيل منك حاجة. يمكن لأني حبيتك أكتر من نفسي.”
حسيت بسكينة بتغرز في صدري.
كملت…
“أنا كنت عارفة من شهور إن في واحدة تانية دخلت حياتك.”
وقفت القراءة فجأة.
قلبي اتجمد.
إيه؟!
عرفت؟!
هناء كانت عارفة؟!
رجعت أبص في الورقة وأنا مش مصدق.
“أيوة… كنت عارفة. وشوفت الرسائل بالصدفة. وعرفت إن قلبك بدأ يبعد عني.”
“بس ماحبتش أواجهك.”
“لأن الحب مش بالعافية.”
“ولو الراجل عايز يمشي، ألف مواجهة مش هتخليه يقعد.”
شهقت وأنا بحط إيدي على وشي.
افتكرت الأيام اللي كنت فاكرها غافلة فيها.
افتكرت نظراتها الحزينة.
افتكرت سكوتها الطويل.
افتكرت دموعها اللي كانت بتمسحها وتقول إنها تعبانة.
كل حاجة فهمتها متأخر.
متأخر أوي.
كملت الرسالة…
“عارفة إنك ممكن تتجوز بعدها وتكتشف إنها أحسن مني أو أوحش مني.”
“لكن لو حصل وندمت في يوم… أوعى تكره نفسك.”
“لأن الإنسان بيغلط.”
“وأصعب عقاب للإنسان إنه يعرف غلطه بعد فوات الأوان.”
الورقة وقعت من إيدي.
أنا كنت عايش العقاب ده بالحرف.
لكن لسه فيه حاجة تانية جوه الصندوق.
ملف أزرق سميك.
فتحته…
واتجمد الدم في عروقي.
تقارير مستشفى.
تحاليل.
أشعة.
وأوراق طبية كتير.
بدأت أقلب فيها بسرعة.
وفجأة وقعت عيني على جملة مكتوبة بخط الدكتور:
“المريضة حامل في الأسبوع التاسع.”
وقفت.
بصيت للورقة.
وبعدين بصيت تاني.
يمكن عيني بتضحك عليا.
يمكن أنا بتهيألي.
لكن الجملة كانت واضحة.
هناء…
كانت حامل.
حامل؟!
حامل مني أنا؟!
وقعت على الأرض كأني اتضربت برصاصة.
لا…
لا…
مستحيل.
أنا فاكر الدكتور زمان قال إن فرص الحمل ضعيفة جدًا.
هناء عمرها ما قالتلي.
عمرها ما نطقت.
وسط الأوراق لقيت ورقة صغيرة تانية.
فتحتها بسرعة.
وكان مكتوب فيها:
“كنت ناوية أقولك يوم عيد جوازنا.”
“كنت مستنياك ترجع بدري عشان أقولك إنك هتبقى أب.”
“لكن يومها رجعت وقولتلي إنك عايز تنفصل.”
“ساعتها مقدرتش أقول حاجة.”
“حسيت إن الخبر اللي كنت مستنياه يفرحك عمره ما هيبقى ليه معنى.”
صرخت بكل قوتي.
صرخة مليانة وجع وندم وقهر.
أنا ما خسرتش زوجة بس…
أنا خسرت ابني.
أو بنتي.
خسرت عيلة كاملة قبل ما تتولد.
لكن وأنا منهار وسط الورق…
وقع من الملف ظرف أصغر.
ظرف ماكنش عليه أي كتابة.
فتحته.
وكان جواه صورة أشعة حديثة…
ومعاها ورقة واحدة فقط.
أول ما قريتها حسيت إن الأرض بتميد تحت رجلي.
لأن الورقة كانت بتقول إن وفاة هناء…
ما كانتش بسبب المرض اللي كل الناس فاكراه.
وإن في شخص تاني كان سبب مباشر في اللي حصل لها…
شخص قريب جدًا مني…
شخص عمري ما كنت أتخيل إنه يخونني بالشكل ده.
