زين مالك وداليدا مراد اسما السيد ×6

صرخة داليدا خرجت من قلبها قبل صوتها، اندفعت ناحية الشاشة بشكل غريزي كأنها تقدر تمنع النار بإيديها، لكن سليم كان بيتفرج عليها وهو مستمتع بكل لحظة. قرب اللهب أكتر من السلسلة، ثم وقف فجأة قبل ما يلمسها، وضحك ضحكة قصيرة وقال: “لسه بدري تحترق.” بعدها طفى الولاعة بإصبعه، ورفع السلسلة قدام الكاميرا مرة تانية. قال بهدوء: “كل حاجة ليها تمن، والسلسلة دي تمنها بسيط… هاتوا الصندوق.” زين كان واقف ساكت، مركز في الخلفية أكتر من كلام سليم. لاحظ باب حديد عليه بقعة صدأ كبيرة، ولمح في آخر الصورة عداد كهرباء قديم مكتوب عليه اسم شركة انتهت من سنين. ابتسم ابتسامة خفيفة من غير ما حد ياخد باله. سليم لمح الابتسامة وقال: “بتضحك ليه؟” رد زين بهدوء: “علشان عرفت إنت فين.” للحظة اختفت الابتسامة من وش سليم، لكنه رجع يضحك وقال: “حتى لو عرفت… هتوصل متأخر.” وانقطع البث.

قفل زين الشاشة وبص لسامح وقال: “هاتلي كل خرائط المخازن القديمة اللي اشترتها الشركة قبل عشرين سنة.” سامح جرى على الأرشيف، وبعد دقائق رجع بملف كبير مليان رسومات هندسية. فردها على المكتب، وبدأ زين يقلبها بسرعة. داليدا كانت واقفة جنبه تتابع كل خط بالقلم. فجأة وقف عند رسم معين، وضرب عليه بإصبعه وقال: “لقيته.” سامح قرب وقال: “ده المخزن سبعة.” زين هز رأسه وقال: “لأ… ده اللي الناس تعرفه. بص هنا.” أشار لممر رفيع مرسوم تحت المبنى، مكتوب عليه “نفق خدمة”. داليدا شهقت وقالت: “النفق ده بيوصل للفيلا القديمة.” ابتسم زين وقال: “وده السبب اللي خلاه واثق إني هاجي من الباب.” سكت لحظة ثم قال: “بس أنا هدخل من تحت.”

سامح قال بقلق: “يا باشا… المكان ممكن يبقى مليان متفجرات.” رد زين: “أكيد.” قال: “وأكيد مستنيينك.” رد: “علشان كده هيدوروا فوق… وأنا هكون تحت.” داليدا قربت منه وقالت: “أنا جاية معاك.” زين رد بحزم: “لأ.” قالت بعناد: “أنا الوحيدة اللي أعرف النفق.” سكت وهو باصص في عينيها، كان عارف إنها معاها حق، لكنه كان شايف الخطر قبلها. قالت بصوت هادي: “طول عمري بخاف من المكان ده… يمكن جه الوقت أرجعله وأنا مش لوحدي.” تنهد وقال: “هتيجي… لكن هتمشي ورايا حرفيًا، ولو قلتلك اجري… تجري من غير نقاش.” هزت رأسها بالموافقة.

بعد أقل من ساعة كانت عربيتهم واقفة على بعد مئات الأمتار من المخزن القديم. المكان كله مهجور، الأعشاب طالعة بين الخرسانة، والشبابيك مكسورة، والهدوء مرعب. نزل زين ومعاه سامح وداليدا، أما باقي رجال الأمن ففضلوا بعيد حسب الخطة. لفوا حوالين المبنى لحد ما وصلوا لباب حديد صغير مدفون نصه في التراب. داليدا ركعت ومسحت الطين بإيديها، وظهر مقبض صدئ. قالت: “ده مدخل النفق.” زين شده بكل قوته، وبعد محاولات الباب اتحرك وهو بيطلع صوت صرير طويل. نزلت ريحة رطوبة قديمة من تحت، وهواء بارد ضرب وشهم.

شغلوا الكشافات ونزلوا السلم الحجري ببطء. النفق كان ضيق، والجدران كلها مبللة، وفيه مواسير قديمة ماشية فوق رؤوسهم. كل خطوة كان صداها بيرجع كأنه فيه حد ماشي وراهم. بعد عشر دقائق من المشي وقف زين فجأة، ورفع إيده إشارة بالسكوت. سامح همس: “فيه إيه؟” زين نزل على ركبة واحدة ووجه الكشاف للأرض. كان فيه سلك رفيع جدًا معدي بين الحيطتين. قال بهدوء: “فخ.” داليدا بصت قدامه، ولقت خمس أسلاك تانية متوصلة بقنابل قديمة مزروعة في الجدار. همست: “إحنا لو كملنا كنا انتهينا.” زين ابتسم ابتسامة خفيفة وقال: “وسليم كان هيقعد فوق مستني انفجارنا.”

طلع سكينة صغيرة، وبدأ يفصل الأسلاك واحد واحد بمنتهى التركيز. بعد دقائق عدت كأنها ساعات، آخر سلك انفصل من غير ما يحصل انفجار. سامح تنفس براحة وقال: “عدت.” لكن زين ما اتحركش. كان باصص لقدامه. رفع الكشاف أعلى شوية، فبانت كتابة على الحائط باللون الأسود.

“أحسنت يا زين… كنت عارف إنك هتعدي أول اختبار.”

تحت الجملة كان فيه سهم مرسوم يشاور لقدام.

وفي آخر السهم…

كان فيه باب خشبي قديم مفتوح نصف فتحة.

ومن جوه الباب…

وصلهم صوت رجل بيخبط برجليه في الأرض ويصرخ طالبًا النجدة.
زين رفع إيده بسرعة يوقف سامح قبل ما يتحرك ناحية الباب. الصوت كان واضح، راجل بيصرخ بكل قوته، لكن الصدى جوه النفق كان مخلي اتجاهه صعب يتحدد. داليدا همست: “أكيد هو.” زين هز رأسه من غير ما يرد، لأنه كان حاسس إن في حاجة غلط. الصراخ كان بيتكرر بنفس النبرة، بنفس المسافة، من غير أي تغيير، كأنه تسجيل مش إنسان حقيقي. قرب خطوة من الباب، وركع على ركبته، ومد الكشاف ناحية الأرض. لاحظ إن التراب قدام الباب نضيف بشكل غريب، مفيهوش ولا أثر رجل واحدة، رغم إن المفروض حد يكون اتحرك من هناك. ابتسم ابتسامة خفيفة وقال: “رجعنا للألعاب.” سامح سأله: “تقصد إيه؟” رد وهو بيطلع حجر صغير من الأرض: “لو فيه بني آدم جوه، يبقى فيه آثار.” رمى الحجر من فتحة الباب. أول ما لمس الأرض دوى انفجار عنيف هز النفق كله، وخرج لهيب نار من جوه الأوضة، واتطايرت شظايا خشب وحديد في كل اتجاه. داليدا صرخت وهي بتحط إيديها على ودانها، وسامح رجع لورا وهو مش مصدق. بعد ما الدخان بدأ يخف، بص زين ناحية الباب وقال بهدوء: “لو دخلنا كان انتهينا.”

الصوت اللي كان بيستغيث اختفى تمامًا.

قالت داليدا وهي لسه بتتنفس بصعوبة: “كان تسجيل.” هز زين رأسه وقال: “وسليم كان مستني إننا نجري من غير ما نفكر.” كملوا طريقهم في النفق بحذر أكتر. بعد حوالي خمسين متر وصلوا لمفترق طريقين. واحد رايح يمين، والتاني شمال. على الحيطة كان فيه سهمين، واحد مكتوب تحته “الحقيقة”، والتاني مكتوب تحته “النجاة”. سامح قال بسرعة: “أكيد الحقيقة فخ.” لكن داليدا قربت من الحائط ولمست الكتابة بإيدها، ثم قالت: “الدهان لسه جديد.” زين ابتسم وقال: “يبقى السهمين معمولين النهارده.” لف الكشاف على الأرض، فلقى آثار جر رجل تقيلة داخلة في الممر الشمال، بينما الممر اليمين مفيهوش أي أثر. قال: “أي حد بيهرب وهو شايل أسير هيمشي من هنا.” وأشار للشمال. داليدا سألته: “طب والكتابة؟” رد: “اللي كاتبها عايزنا نبص لفوق… وأنا ببص لتحت.”

دخلوا الممر الشمال. كل ما كانوا بيتقدموا كانت ريحة الرطوبة بتقل، وريحة زيت الماكينات القديمة تزيد. بعد دقائق ظهر قدامهم باب حديد ضخم نصه مفتوح. زين وقف يسمع. المرة دي مافيش صريخ. فيه صوت نفس بني آدم. بطيء. متقطع. أشار لهم يستنوا، وقرب لوحده. فتح الباب سنتيمتر واحد، ووجه الكشاف للداخل. كانت أوضة واسعة جدًا، مليانة معدات قديمة وصناديق خشب. وفي نصها كرسي حديد مربوط عليه راجل. وشه كله دم وكدمات، ورأسه نازل على صدره.

همست داليدا: “هو.”

لكن زين ما اتحركش.

قال بصوت منخفض: “لسه.”

رفع الكشاف أعلى شوية.

لاحظ خيط شفاف نازل من سقف الأوضة لحد ظهر الكرسي.

لف الكشاف ناحية السقف.

كان فيه بندقية آلية مثبتة فوق الباب، ومتصلة بالخيط.

أي حد هيجري ناحية الرجل هيشد الخيط.

والبندقية هتضرب الأوضة كلها.

طلع زين سكينة صغيرة، وزحف على الأرض ببطء شديد لحد ما وصل لنقطة تثبيت الخيط، وقطعه بحركة واحدة.

استنى ثواني.

ماحصلش أي حاجة.

قام بهدوء وقال: “ادخلوا.”

جروا ناحية الرجل.

أول ما رفع زين وشه بالكشاف، اتجمد مكانه.

الراجل فتح عينيه بصعوبة.

وبص لزين مباشرة.

وقال بصوت مبحوح:

“كنت عارف… إنك هتيجي يا ابن حسن.”

زين قرب منه بسرعة وقال: “إنت مين؟”

ابتسم الرجل رغم الألم.

وقال:

“أنا يوسف.”

شهقت داليدا.

لكن يوسف رفع عينه ناحيتها.

وسكت لحظة طويلة.

ثم قال وهو بيبكي لأول مرة:

“سامحيني…

الكلمة اللي خرجت من فم يوسف خلت داليدا تتجمد مكانها، لكنها ماكنتش الكلمة اللي كانت متوقعاها. رفع يوسف عينه ناحيتها وهو بيتنفس بصعوبة وقال: “أخيرًا شوفت بنت عمي.” ساد الصمت في المخزن كله. داليدا بصتله بعدم فهم وقالت: “بنت عمك؟” يوسف ابتسم رغم الدم اللي مغطي هدومه وقال: “أيوه… أنا يوسف مالك… ابن عم حسن مالك… وأبوك الحقيقي كان شقيقه الأصغر.” اتسعت عينا زين وهو بيقرب خطوة وقال: “إنت بتقول إيه؟” يوسف أخد نفسًا عميقًا وقال: “مراد فؤاد عمره ما كان أبوها… هو قتل والدها، ولما كانت طفلة خدها ورباها على إنها بنته علشان يدفن الحقيقة للأبد.” داليدا هزت رأسها بعنف وهي بتحاول تستوعب اللي سمعته، وقالت بصوت مرتعش: “لا… مستحيل… أنا أبويا مراد.” يوسف نزل دموعه لأول مرة وقال: “الراجل اللي رباكي اسمه مراد… لكن الراجل اللي جابك للدنيا كان اسمه فؤاد مالك… أخو حسن مالك… وعم زين.” زين حس إن الأرض بقت بتتحرك تحت رجليه، افتكر كل كلام رجب، وكل رسالة كريم، وكل كلمة قالتها أم نعيمة، وفجأة بدأت الصورة تكتمل قدامه. قرب من يوسف وقال: “معاك دليل؟” هز يوسف رأسه وقال: “الدليل موجود جوه الصندوق… والمفاتيح الستة معمولة علشان توصلكم ليه.” داليدا كانت بتعيط في صمت، وقالت وهي باصة ليوسف: “ليه مراد يعمل كل ده؟” يوسف رد وهو بيحاول يقف: “لأن والدك اكتشف ملفات كانت هتدمر إمبراطوريته… رفض يبيع ضميره… فمراد قتله، وخطفك، وزور شهادة ميلادك، ورباكي قدام الناس على إنك بنته، علشان يفضل كل اللي يعرف الحقيقة ساكت.” زين قبض إيده بقوة، لكن قبل ما يتكلم، سمعوا صوت تصفيق بارد بيتردد في المخزن. كلهم لفوا ناحية الصوت. كان سليم واقف فوق السلم الحديدي، بيصفق وهو بيبتسم. قال بصوت هادئ: “برافو يا يوسف… كنت فاكر إنك هتموت قبل ما تتكلم.” زين رفع المسدس فورًا، لكن سليم فضل واقف مكانه. قال بابتسامته المستفزة: “الجميل في الحقيقة إنها لما تظهر… بتكون متأخرة.” يوسف بصله بغضب وقال: “انتهيت يا سليم… كل حاجة اتكشفت.” ضحك سليم وقال: “بالعكس… لسه البداية.” رفع إيده ببطء وضغط على زر صغير في ساعة معصمه. في نفس اللحظة دوى صوت معدني ضخم، واتقفلت كل أبواب المخزن الحديدية، ونزلت ستائر فولاذية على المداخل، وانطفت الأنوار كلها، ومافضلش غير نور أحمر خافت بيلمع في السقف. بعدها اشتغل صوت إلكتروني بارد في كل أرجاء المكان: “تم تفعيل نظام الإغلاق… الوقت المتبقي قبل تدمير المخزن… عشر دقائق.” بصت داليدا ناحية زين، لأول مرة من ساعة عرفته، كانت شايفة في عينه خوف حقيقي… مش على نفسه… عليها هي. أما سليم فابتسم وهو راجع لورا وسط الضلمة، وقال آخر جملة قبل ما يختفي: “لو عايزين تخرجوا أحياء… اختاروا… الحقيقة… ولا بعض.”
اختفى سليم وسط الظلام، لكن صدى ضحكته فضل يتردد في المخزن كأنه لسه واقف قدامهم. زين ضغط على أسنانه وهو بيبص حوالين المكان، بينما عداد الوقت الأحمر المعلق في السقف بدأ ينزل ثانية وراء ثانية. تسع دقائق وست وخمسون ثانية. تسع دقائق وخمس وخمسون ثانية. سامح قرب منهم وهو رافع سلاحه وقال: “يا باشا… لازم نتحرك.” لكن زين ماكانش باصص للباب، كان مركز في السقف والجدران. قال بهدوء: “لو سليم عايز يقتلنا كان فجر المكان من أول دقيقة. هو عايزنا نجري.” داليدا بصت له وقالت: “يعني العد التنازلي كدب؟” رد وهو بيقرب من الحائط: “يمكن… ويمكن لأ. بس الأكيد إنه عايز يشغلنا عن حاجة.”

يوسف كان لسه بيتنفس بصعوبة، لكنه رفع إيده ناحية الجدار المقابل وقال: “هناك.” كلهم بصوا في الاتجاه اللي بيشاور عليه. كانت فيه لوحة كهرباء قديمة مغطية بطبقة تراب سميكة. جرى زين ناحيتها وفتحها، لقى وراها ست فتحات صغيرة على شكل نجمة، نفس شكل المفاتيح اللي معاهم. اتسعت عينه وقال: “المفاتيح مش للصندوق… المفاتيح للمكان كله.” طلع التلات مفاتيح بسرعة، وركب الأول، فسمعوا صوت ميكانيكي بعيد. ركب التاني، فالنور الأحمر بدأ يومض أسرع. أما لما ركب التالت، اتحرك جزء من الأرضية ببطء، وظهر سلم حديد نازل لتحت.

سامح قال بسرعة: “يبقى المخرج.”

لكن يوسف هز رأسه وقال: “لأ… ده الطريق للحقيقة.”

داليدا بصت لزين وقالت: “هنعمل إيه؟”

بصلها لحظة، ثم قال: “إحنا ماجيناش نهرب.”

ساعد يوسف يقف، وبدأوا ينزلوا السلم الحديدي. كل ما كانوا بينزلوا، كانت حرارة المكان تقل، وريحة الورق القديم تزيد. في آخر السلم كان فيه ممر قصير بينتهي بباب فولاذي ضخم. الباب كان عليه لوحة نحاس مكتوب عليها تاريخ من خمسة وعشرين سنة.

فتح زين الباب بحذر.

الأوضة اللي وراه خلتهم كلهم يقفوا مكانهم.

كانت أشبه بأرشيف كامل.

دواليب حديد.

صناديق مقفولة.

ملفات مرقمة.

وأجهزة كمبيوتر قديمة.

في منتصف الأوضة كانت ترابيزة كبيرة، فوقها عشرات الملفات، وكل ملف مكتوب عليه اسم شركة أو اسم شخص معروف.

يوسف قال بصوت منخفض: “دي الإمبراطورية الحقيقية لمراد.”

زين فتح أول ملف.

كانت عقود مزورة.

فتح التاني.

تحويلات بملايين الجنيهات.

فتح التالت.

صور لاجتماعات سرية.

أما داليدا فوقعت عينها على ملف أسود مكتوب عليه اسمها.

إيديها بدأت ترتعش وهي بتفتحه.

في أول صفحة كانت شهادة ميلادها.

لكن الاسم المكتوب في خانة الأب ماكانش مراد فؤاد.

كان مكتوب:

“فؤاد مالك.”

شهقت وهي حاسة إن نفسها اتقطع.

قلبت الصفحة بسرعة.

كانت صورة قديمة.

رجل وسيم بيشيل طفلة رضيعة ويضحك.

يوسف ابتسم رغم تعبه وقال: “ده والدك.”

دموع داليدا نزلت من غير ما تحس.

كانت أول مرة تشوف صورة أبوها الحقيقي.

لكن زين وهو بيقلب باقي الملف، لقى ظرفًا صغيرًا مختومًا باسم واحد.

“إلى زين مالك.”

فتحه بسرعة.

طلع منه جواب قصير بخط كريم.

“لو وصلت هنا، يبقى عرفت إن داليدا ضحية زينا كلنا. أوعى تخلي الانتقام يعميك. احمِ بنت عمك… لأنها آخر أمانة سابها عمك فؤاد لينا.”

رفع زين عينه ناحية داليدا.

هي كانت لسه حضنة صورة أبوها وبتبكي.

في اللحظة دي أدرك إن كل الكراهية اللي دخل بيها الجوازة انتهت.

وإن البنت اللي كان فاكرها جزء من عدوه…

طلعت أقرب إنسانة ليه من دمه وعيلته.

وقبل ما ينطق بكلمة…

دوى انفجار عنيف فوقهم.

واهتزت الأوضة كلها.

ثم انطفأت الأنوار بالكامل.

واشتغل صوت سليم من سماعات مخفية في السقف وهو يضحك ويقول:

“مبروك… لقيتوا الحقيقة… دلوقتي شوفوا هتعرفوا تخرجوا بيها… ولا هتدفنوها معاكم.”
الانفجار خلّى الأرفف الحديدية تهتز بعنف، واتساقطت ملفات وصناديق على الأرض، وامتلأت الأوضة بالتراب والدخان. داليدا غطت وشها بإيديها، بينما اندفع زين ناحيتها من غير تفكير، وقف قدامها بجسمه يحميها من قطع الحديد اللي كانت بتتطاير. سامح صرخ بأعلى صوته: “السقف بيتشقق… لازم نطلع.” لكن زين كان مركز في السماعات اللي لسه بيطلع منها صوت ضحكة سليم. رفع مسدسه وضرب السماعة برصاصة واحدة، فسكت الصوت فجأة، لكن الضحكة فضلت ترن في ودانهم.

يوسف كان واقف مستند على الترابيزة وهو بينهج، قال بصوت متعب: “مراد مش هيسيب الملفات دي تطلع للنور.” زين لف ناحيته وقال: “يبقى هناخدها كلها.” سامح رد بسرعة: “مستحيل يا باشا… عددها بالمئات.” سكت زين ثانية، ثم وقعت عينه على جهاز معدني قديم فوق المكتب. قرب منه ومسح التراب بإيده، ولقي مكتوب عليه “وحدة النسخ الاحتياطي”. ضغط على زر التشغيل، وبعد ثواني اشتغل الجهاز بصوت خافت، وظهر درج صغير جواه وحدة تخزين إلكترونية.

ابتسم يوسف لأول مرة وقال: “كريم كان ذكي… كان عارف إن الورق ممكن يتحرق.”

زين سحب وحدة التخزين وحطها في جيبه الداخلي.

في اللحظة نفسها دوى انفجار تاني، والمرة دي وقع جزء من السقف قدام الباب مباشرة.

داليدا شهقت وقالت: “اتقفل علينا.”

زين جرى ناحية الركام، حاول يزحزحه، لكنه كان تقيل جدًا.

سامح قال وهو بيبص حواليه: “أكيد فيه مخرج تاني.”

يوسف رفع إيده بصعوبة وأشار ناحية الدولاب الحديد الكبير اللي في آخر الأوضة.

قال: “ورا… الدولاب.”

جروا كلهم ناحيته، وزين بدأ يدفعه بكل قوته، وبعد ثواني اتحرك ببطء، وظهر وراه باب دائري صغير، شبه أبواب السفن.

داليدا قالت بدهشة: “أنا عمري ما شفت المكان ده.”

يوسف ابتسم وقال: “لأن محدش كان المفروض يشوفه.”

فتح زين الباب، وظهر ممر ضيق جدًا.

لكن قبل ما يدخلوا، لفت نظر داليدا حاجة على الحائط.

كانت صورة قديمة معلقة داخل برواز خشب.

قربت منها.

شهقت.

كانت الصورة لحسن مالك، ووالدها فؤاد مالك، وهما واقفين جنب بعض بيضحكوا.

وفي النص بينهم شاب صغير.

زين قرب يبص للصورة.

وقال باستغراب: “مين ده؟”

يوسف نزل عينه وقال: “ده مراد.”

اتسعت عيون زين.

يوسف كمل بصوت مليان أسى: “كنا عيلة واحدة زمان… حسن وفؤاد ومراد كانوا أصحاب عمر قبل ما الطمع يحوله لوحش.”

داليدا فضلت باصة للصورة وهي مش قادرة تستوعب.

مراد ماكانش عدو دخل عليهم من بره.

كان واحد من أقرب الناس للعيلة.

وفي أسفل البرواز كانت فيه جملة محفورة بخط قديم.

“الإخوة الحقيقيون لا يخونون.”

زين فك البرواز بسرعة.

وأثناء ما بيقلبه، حس إن فيه حاجة جوه الخشب.

ضغط عليه.

فاتفتح من الخلف.

ووقع منه مفتاح نحاسي رابع.

عليه نفس علامة النجمة.

ابتسم يوسف رغم تعبه وقال: “كنت متأكد إنه هنا.”

حط زين المفتاح في جيبه، وقال: “فضل مفتاحين.”

لكن قبل ما يتحركوا، سمعوا صوت خطوات جاية من داخل الممر.

خطوات هادئة.

منتظمة.

كلها ثقة.

رفع زين مسدسه.

ووقف قدام داليدا مباشرة يحجبها بجسمه.

الخطوات قربت أكتر.

ثم خرج من الظلام رجل طويل، لابس بدلة سوداء، رافع إيديه من غير سلاح.

ابتسم بهدوء وقال:

“متضربش يا زين… أنا مش جاي أقاتلك.”

زين ما نزلش سلاحه.

وقال بحدة:

“إنت مين؟”

الرجل ابتسم ابتسامة غامضة وقال:

“أنا المحامي الشخصي لمراد فؤاد… وجاي أنفذ آخر وصية كتبها قبل ساعة.”

الصمت نزل على المكان للحظات. زين فضل موجه المسدس ناحية الرجل، وعينه ما فارقتش ملامحه. الراجل كان هادي بشكل مستفز، لابس بدلة سوداء أنيقة، وفي إيده حقيبة جلد صغيرة. قال بهدوء: “أنا عارف إنك مش هتصدقني، لكن لو كنت جاي أقتلكم، ماكنتش دخلت لوحدي.” زين رد ببرود: “قول اللي عندك.” فتح الرجل الحقيبة ببطء وأخرج ظرفًا بنيًا سميكًا، حطه على الأرض، وبعدها رجع خطوتين لورا ورفع إيديه تاني. قال: “مراد فؤاد سلمني الظرف ده من ساعة، وقال لو حصل له أي مكروه أو اختفى، أوصله لزين مالك بنفسه.” داليدا بصت للظرف ثم للرجل وقالت: “أبويا عمره ما يعمل خير في حد.” ابتسم المحامي وقال: “أنا منفذ وصية… مش شريك في جرائمه.”

انحنى زين بحذر، سحب الظرف من على الأرض، وفتحه. كان جواه فلاشة صغيرة وخطاب مكتوب بخط مراد. بدأ يقرأ بصوت منخفض. “لو وصلت للرسالة دي، يبقى اللعبة انتهت. يا إما أنا خسرت… يا إما قررت أوقفها. كنت فاكر إن القوة في الفلوس والخوف، لكن اكتشفت متأخر إن أكتر حاجة دمرتني هي الكراهية.” اتسعت عيون داليدا وهي تسمع الكلام. كمل زين القراءة. “كل الأدلة اللي تدينني موجودة على الفلاشة. فيها تسجيلات وصور وتحويلات وأسماء كل اللي شاركوني. اعمل بيها اللي يريح ضميرك.” سكت لحظة ثم قلب الصفحة الأخيرة. كانت فيها جملة واحدة. “أما داليدا… فهي آخر ذنب في حياتي.”

داليدا حست إن رجليها مش شايلينها. قعدت على أقرب كرسي وهي باصة في الفراغ. عمرها ما تخيلت إن الراجل اللي عاش عمره كله متجبر ممكن يكتب الكلام ده. يوسف قرب منها وقال بهدوء: “الندم ساعات بييجي بعد فوات الأوان.” زين طلع الفلاشة، وصلها بالكمبيوتر القديم اللي في الغرفة، وبعد ثواني ظهرت مئات الملفات. تسجيلات بالصوت والصورة، مستندات أصلية، اعترافات، وأوامر مباشرة من مراد لرجاله. سامح قال وهو مذهول: “دي كفاية تدخله السجن العمر كله.”

لكن قبل ما حد يتكلم، رن موبايل المحامي. بص للشاشة، ثم رفع عينه ناحية زين وقال: “دي آخر مكالمة.” فتح السماعة ووضعها على مكبر الصوت. جاء صوت مرتبك يقول: “يا أستاذ… العربية انقلبت على الطريق الساحلي… أستاذ مراد مات في الحادث.” ساد الصمت. المحامي قفل المكالمة ببطء، ثم قال: “انتهت.”

داليدا غمضت عينيها. ما بكتش. كل اللي حسته إن حملًا تقيلًا اتشال من فوق صدرها. ماكانش فرح، ولا حزن، كان إحساس غريب بالانتهاء. زين قرب منها وقعد جنبها من غير ما يتكلم. بعد لحظات، رفعت رأسها وقالت: “أنا عمري ما كان عندي أب.” مسك إيدها بهدوء وقال: “لكن بقى عندك عيلة.”

مرت أسابيع. التحقيقات بدأت اعتمادًا على الملفات الموجودة في الفلاشة. تم القبض على كل أفراد الشبكة، واستعادت عائلة مالك حقوقها وشركاتها. اتثبت رسميًا إن داليدا هي ابنة فؤاد مالك، وإن مراد زور نسبها وهي طفلة. رجعت تحمل اسم عيلتها الحقيقي لأول مرة في حياتها. أما يوسف، فبدأ يتعافى من إصاباته، وبقى جزءًا من العيلة من جديد بعد سنوات طويلة من الاختفاء.

في مساء هادئ، وقف زين في جنينة الفيلا، نفس الفيلا اللي بدأت فيها حكايتهم بالخوف والانتقام. كانت داليدا ماشية وسط الورد وهي لابسة فستان أبيض بسيط، بعيد تمامًا عن فستان الفرح الأول اللي اتجوزت فيه وهي مكسورة. وقف قدامها، وأخرج علبة صغيرة من جيبه. ابتسمت وهي عارفة اللي جواها. فتحها، وكانت فيها دبلة جديدة.

قال بهدوء: “المرة الأولى اتجوزتك علشان أنتقم… من غير ما أعرف حقيقتك… ولا أعرف قلبي. النهارده بطلب منك تبدأي معايا من أول السطر.”

دموعها نزلت وهي بتبتسم.

قالت: “ودي أول مرة حد يطلبني… وأنا حرة.”

لبسها الدبلة وسط تصفيق يوسف وسامح وكل أفراد العيلة اللي رجعت تتجمع بعد سنين من الفراق. رفعت داليدا عينها للسماء وهمست: “اطمن يا بابا… حقك رجع.” ابتسم زين، ومسح دموعها بإيده، وقال: “ومن النهارده… مفيش خوف… ولا انتقام… فيه حياة جديدة لينا إحنا الاتنين.”

وانتهت الحكاية أخيرًا… بعد ما انتصرت الحقيقة على الكراهية، واجتمعت العيلة من جديد، وبدأ زين وداليدا الفصل الأجمل في حياتهما، مبنيًا على الحب والثقة، لا على الانتقام والخداع.
تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *