كسر ضلوعي حكايات اسما ×4
كانت أجهزة المستشفى تصدر أصواتًا منتظمة.
صوت النبض.
وصوت التنفس الصناعي.
وصوت الساعات التي تمر ببطء قاتل.
جلست ريم أمام غرفة العمليات منذ ثلاث ساعات كاملة.
لم تتحرك.
لم تأكل.
لم تشرب.
حتى كريم لم يستطع إجبارها على النهوض.
كانت تنظر فقط إلى الباب الأحمر المغلق.
وكأن حياتها كلها أصبحت خلفه.
—
وأخيرًا…
خرج الجراح.
قفزت ريم واقفة.
وسألت قبل أن يصل إليها:
“هو عايش؟”
خلع الطبيب قناعه.
ثم قال:
“الرصاصة كانت قريبة جدًا من القلب.”
توقف.
فشعرت ريم أن الأرض تميد بها.
لكن الطبيب أكمل:
“بس قدرنا نطلّعها.”
انهمرت دموعها فورًا.
وأغمضت عينيها.
بينما سرت أول موجة راحة داخل صدرها منذ ساعات.
لكن الراحة لم تدم.
لأن هاتف كريم رن.
نظر إلى الشاشة.
ثم شحب وجهه.
رد بسرعة.
استمع لثوانٍ.
ثم أغلق الخط.
سألته ريم:
“في إيه؟”
أجاب بصوت متوتر:
“مصيبة.”
—
في اللحظة التي كان فيها سليم يصارع الموت داخل غرفة العمليات…
كان فؤاد المراكبي ينفذ ضربته الكبرى.
لم تكن خطته قتل ابنه.
بل سرقة كل شيء منه.
خلال ساعات فقط…
تمت مهاجمة مخازن.
واختفى رجال.
واختُرقت حسابات مالية.
واستولى أشخاص موالون لفؤاد على مواقع حساسة داخل الإمبراطورية.
وكانت الشائعة تنتشر بسرعة في المدينة:
سليم المراكبي مات.
والإمبراطورية سقطت.
—
كان هذا كل ما يحتاجه فؤاد.
الناس دائمًا تتبع الأقوى.
والكل اعتقد أن الأقوى قد انتهى.
—
بعد يومين…
استعاد سليم وعيه.
فتح عينيه بصعوبة.
فوجد ريم نائمة على المقعد المجاور.
ورأسها مستند إلى حافة السرير.
وكأنها لم تغادر مكانها.
ابتسم رغم الألم.
ثم رفع يده بصعوبة.
ولمس شعرها برفق.
استيقظت فورًا.
رفعت رأسها.
ولعدة ثوانٍ ظلت تحدق فيه.
غير مصدقة.
ثم انفجرت باكية.
ضحك رغم الوجع.
وقال:
“واضح إني كنت قريب.”
ردت وهي تمسح دموعها:
“متعملهاش تاني.”
ابتسم.
وقال:
“هحاول.”
—
لكن تلك اللحظة الهادئة انتهت سريعًا.
لأن باب الغرفة انفتح بعنف.
ودخل أحد رجاله.
كان وجهه شاحبًا.
قال:
“لازم تعرف دلوقتي.”
نظر إليه سليم.
فألقى الرجل ملفًا فوق السرير.
فتح سليم الملف.
وبدأ يقرأ.
ومع كل صفحة…
كانت ملامحه تصبح أكثر ظلامًا.
حتى أغلق الملف أخيرًا.
وساد الصمت.
سألته ريم:
“إيه اللي حصل؟”
رفع رأسه.
ثم قال بهدوء:
“أبويا أخد نص الإمبراطورية.”
—
في مكان آخر…
كان فؤاد يجلس داخل قصره.
وأمامه عشرات الرجال.
وكؤوس فاخرة.
وموسيقى هادئة.
كان يحتفل.
احتفالًا مبكرًا بالنصر.
قال أحد مساعديه:
“سليم هيحارب.”
ضحك فؤاد.
“أكيد.”
“لكن المرة دي خسر قبل ما يبدأ.”
ثم رفع كأسه.
وأضاف:
“كل حاجة كانت بتاعتي.”
“ورجعتلي.”
—
لكنه لم يكن يعلم شيئًا.
لم يكن يعلم أن الخطأ الوحيد الذي ارتكبه…
كان استهانته بريم.
—
في تلك الليلة…
كانت ريم تجلس وحدها داخل مكتب المستشفى.
وأمامها مجموعة من الأوراق التي أخذتها من ملف ماهر.
كانت هناك أشياء لم يفهمها أحد.
ملاحظات.
تواريخ.
أرقام.
تحويلات مالية.
وأسماء.
أسماء كثيرة.
فجأة…
توقفت.
حدقت في أحد المستندات.
ثم في الثاني.
ثم الثالث.
شعرت بقلبها يتسارع.
هناك شيء.
شيء مهم جدًا.
أمسكت الهاتف فورًا.
واتصلت بسليم.
رد بعد ثوانٍ.
قال:
“خير؟”
همست:
“لقيتها.”
ساد الصمت.
ثم سأل:
“لقيتي إيه؟”
أجابت:
“نقطة ضعف فؤاد.”
—
بعد ساعة…
كانت تجلس أمام سليم داخل غرفة مغلقة.
وبين يديها عشرات المستندات.
قالت:
“فؤاد ما رجعش علشان الإمبراطورية بس.”
“رجع علشان حاجة تانية.”
تجهم وجه سليم.
“إيه هي؟”
دفعت ملفًا نحوه.
وقالت:
“بنت.”
عبس.
“بنت مين؟”
أخذت نفسًا عميقًا.
ثم قالت:
“بنته.”
تجمدت ملامحه.
—
أخرجت صورة قديمة.
فتاة صغيرة.
لا يتجاوز عمرها عشر سنوات.
تقف بجوار فؤاد.
قالت ريم:
“عندك أخت.”
ساد الصمت.
صمت ثقيل.
مرعب.
ثم ضحك سليم فجأة.
ضحكة قصيرة خالية من الفرح.
وقال:
“أبويا عمره ما كان عنده غير ابن واحد.”
هزت ريم رأسها.
“لا.”
“كان عنده طفلة.”
“وخباها عن الكل.”
—
ثم دفعت إليه التقرير الأخير.
وأضافت:
“والأهم من كده…”
“هي لسه عايشة.”
ارتجفت أصابع سليم فوق الورق.
بينما أكملت ريم:
“وفؤاد بيعمل كل ده علشانها.”
—
وفي الجهة الأخرى من المدينة…
كان فؤاد يقف أمام قبر صغير في حديقة سرية خلف قصره.
ينظر إليه بصمت.
ثم وضع وردة بيضاء فوق الرخام.
وهمس:
“قربت يا حبيبتي.”
“قربت أرجعلك حقك كله.”
لكن ما لم يكن يعرفه…
أن السر الذي أخفاه عشرين سنة كاملة…
بدأ ينكشف.
وأن ابنته المفقودة…
ليست بعيدة كما يعتقد.
بل أقرب إلى سليم وريم مما يتخيل.
وعندما تظهر الحقيقة…
لن تتغير الحرب فقط.
بل ستتغير حياة الجميع إلى الأبد.
ظل سليم ينظر إلى الصورة لوقت طويل.
فتاة صغيرة.
شعرها الأسود مربوط على هيئة ضفيرتين.
وتقف بجوار فؤاد المراكبي وهي تبتسم.
ابتسامة بريئة لا تعرف شيئًا عن الدم.
ولا الحروب.
ولا الإمبراطوريات.
ولا الخيانات.
قال أخيرًا بصوت منخفض:
“اسمها إيه؟”
أجابت ريم:
“هنا.”
أعاد الاسم ببطء.
“هنا…”
ثم ابتسم بسخرية مريرة.
“أنا عشت عمري كله فاكر إن أبويا نسي حتى عيد ميلادي.”
“وطلع عنده بنت مستخبيالها عن الدنيا كلها.”
—
بدأ البحث فورًا.
كل الملفات القديمة.
كل الحسابات السرية.
كل الممتلكات التي اختفت من السجلات الرسمية.
وخلال يومين فقط…
بدأت الصورة تتضح.
لكن الحقيقة كانت أغرب مما توقع الجميع.
دخل كريم إلى غرفة الاجتماعات مسرعًا.
وفي يده ملف جديد.
قال:
“لقيناها.”
وقف الجميع.
حتى سليم.
سأل بحدة:
“فين؟”
أجاب كريم:
“في القاهرة.”
ثم أضاف:
“وشغالة مدرسة أطفال.”
ساد الصمت.
نظر الجميع إليه بعدم تصديق.
قال أحد الرجال:
“إنت بتهزر؟”
هز كريم رأسه.
“للأسف لأ.”
—
لم تكن هنا تعيش في قصر.
ولا تملك حراسًا.
ولا سيارات مصفحة.
بل كانت تعيش داخل شقة بسيطة في حي هادئ.
وتعمل مع الأطفال يوميًا.
وكأنها بعيدة تمامًا عن عالم المراكبي.
لكن الأمر الأكثر غرابة…
أن التحقيقات أثبتت شيئًا آخر.
هنا لا تعرف من هو فؤاد.
ولا تعرف أنها ابنته أصلًا.
—
في اللحظة نفسها…
داخل شقتها الصغيرة…
كانت هنا تحضر أوراق التلاميذ.
وتبتسم لطفلة صغيرة تلوّن رسمة شمس.
لم تكن تعلم أن عشرات الأشخاص يبحثون عنها.
وأن حربًا كاملة تدور بسببها.
وأن اسمها وحده قادر على إسقاط إمبراطورية كاملة.
—
بعد يومين…
قرر سليم السفر بنفسه.
رغم اعتراض الأطباء.
ورغم اعتراض ريم.
لكن لا أحد استطاع منعه.
وفي صباح اليوم التالي…
وصل إلى القاهرة.
كانت سيارة سوداء تقف أمام المدرسة.
راقب المكان من بعيد.
ثم رآها.
خرجت من البوابة.
ترتدي ملابس بسيطة.
وتحمل حقيبة قديمة.
وتضحك مع الأطفال.
تجمد سليم للحظة.
لأنها كانت تشبه فؤاد بشكل مخيف.
نفس العينين.
ونفس طريقة المشي.
حتى الابتسامة.
شعر بشيء غريب في صدره.
شيء لم يشعر به من قبل.
ربما لأن هذه أول مرة يرى فيها فردًا من عائلته منذ سنوات طويلة.
—
لكن في اللحظة نفسها…
على بعد شارعين فقط…
كان ماهر يراقب المشهد من سيارة أخرى.
وقد سبقه فؤاد بخطوة.
ابتسم وهو يرفع الهاتف.
وقال:
“لقيناها.”
—
في المساء…
عاد سليم إلى الفندق.
بينما بقيت هنا تجهل كل شيء.
لكن عند منتصف الليل…
استيقظت على صوت غريب داخل شقتها.
فتحت عينيها ببطء.
ثم جلست.
الصوت تكرر.
خطوات.
داخل المنزل.
تجمد الدم في عروقها.
أمسكت هاتفها.
لكن قبل أن تتصل بأحد…
انفتح باب غرفتها ببطء.
وظهر رجل ملثم.
صرخت.
لكن الرجل اندفع نحوها.
—
وفي اللحظة نفسها…
كان هاتف سليم يرن بجنون.
رد بسرعة.
فجاءه صوت أحد رجاله:
“هجموا عليها!”
قفز من مكانه.
“مين؟”
جاءه الرد:
“ناس فؤاد.”
—
بعد أقل من عشر دقائق…
كانت سيارات سليم تشق شوارع القاهرة بسرعة جنونية.
لكن الوقت كان يمر.
ودقيقة واحدة فقط كانت كافية لتغيير كل شيء.
—
داخل الشقة…
كانت هنا تقاتل بكل ما تملك.
كسرت مصباحًا فوق رأس أحد المهاجمين.
وركلت آخر.
لكنهم كانوا أكثر عددًا.
وأقوى.
أمسك أحدهم بذراعها.
بينما رفع الآخر حقنة مخدرة.
صرخت بكل قوتها.
ثم…
دوى صوت إطلاق نار.
تجمد الجميع.
ثم تحطم باب الشقة بالكامل.
ودخل رجال مسلحون.
وفي مقدمتهم سليم.
—
خلال ثوانٍ…
تحولت الشقة إلى فوضى كاملة.
هرب بعض المهاجمين.
وسقط آخرون.
أما هنا…
فكانت ترتجف في زاوية الغرفة.
ولا تفهم شيئًا.
ولا تعرف من هذا الرجل الذي خاطر بحياته لينقذها.
اقترب سليم منها ببطء.
وقال:
“إنتِ كويسة؟”
نظرت إليه بخوف.
ثم سألت:
“حضرتك مين؟”
فتح فمه ليجيب.
لكنه توقف.
لأنه لأول مرة لا يعرف ماذا يقول.
هل يخبرها أنه أخوها؟
هل يخبرها أن والدها حي؟
هل يخبرها أن حياتها كلها كانت كذبة؟
—
لكن قبل أن يتكلم…
رن هاتفه.
نظر إلى الشاشة.
وتجمد.
المتصل: فؤاد المراكبي.
أجاب ببطء.
فجاءه صوت والده الهادئ:
“مبروك.”
ضغط سليم على الهاتف بقوة.
“عايز إيه؟”
ضحك فؤاد.
ثم قال:
“كنت مستني اللحظة دي من عشرين سنة.”
“دلوقتي أخيرًا شفت أختك.”
شحب وجه سليم.
أما هنا…
فالتقطت كلمة واحدة فقط.
أختك.
نظرت بينهما بعدم فهم.
وشعرت أن الأرض بدأت تهتز تحت قدميها.
ثم أكمل فؤاد:
“بس في مشكلة صغيرة يا ابني.”
“السر اللي اكتشفته متأخر.”
“مش السر الحقيقي.”
ساد الصمت.
ثم قال جملة جعلت الدم يتجمد في عروق الجميع:
“هنا مش بنتي الوحيدة.”
وانقطع الخط.
لتبدأ صدمة جديدة…
أخطر من كل ما سبق.