سرير البيبي حكـايـات أسمـا
“مفيش فلوس لسرير البيبي”، كان بيقولها زوجها…وفي نفس الوقت كان بيدفع ثمن قاعة فخمة وورد وهدايا جوازته الجديده … باستخدام بطاقتها هي…
الجزء الأول
“يعني مكنش فيه فلوس لسرير بنتي… لكن كان فيه فلوس تتجوز عليا؟”
ماقولتهاش بصوت عالي الليلة دي… لسه.
التحويل وصل الساعة 11:43 بالليل، وأنا قاعدة في مطبخ شقتنا في مدينة نصر، حامل في الشهر السابع، رجليا وارمة، وكوباية ينسون بردت قدامي. المطر كان بينزل برا بهدوء، والشارع لامع تحت نور الأعمدة.
موبايلي اهتز.”تم تحويل مبلغ 38,500 جنيه.”
للحظة افتكرت إن “أحمد”، جوزي، أخيرًا بعت فلوس سرير البيبي اللي كنا مختلفين عليه بقالنا أسابيع، وهو كل مرة يقولي إن الظروف صعبة وإن لازم “نقتصد شوية”.
لكن بعدين قريت تفاصيل التحويل.
“لتجهيز حفل عقد قراني أنا وأحمد. ربنا يخليك ليا.”
حسّيت إن نفسي اتسحب مني.عقد قرانه.أنا وأحمد.
ربنا يخليك ليا.
بنتي اتحركت جوا بطني كأنها حست بتوتري.
حطيت إيدي على بطني وأخدت نفس طويل.
ماصرختش.ماكسرتش الموبايل.وماواجهتوش…أنا بس أخدت صورة للشاشة.
أمي كانت دايمًا تقول: “البنت العاقلة وقت الصدمة ما تتهورش… تحفظ حقها الأول.”
نزلت صورة التحويل، وبعتها لنفسي، وحفظتها في ملف عليه كلمة سر.
أحمد رجع البيت تاني يوم بعد منتصف الليل، ريحته عطر قوي ونعناع.
ـ لسه صاحية؟
قالها وهو بيحط مفاتيحه على الترابيزة.
ـ مجاليش نوم
ـ توتر الحمل طبيعي… لازم تهدي نفسك شوية.
ـ الاجتماع كان عامل إيه؟
ـ شغل وضغط ومصاريف كتير. علشان كده بقولك ماتفتحيش موضوع الطلبات الكتير اليومين دول….
كدت أبتسم من شدة الصدمة.
هو بيجهز لزواجه من واحدة تانية… وأنا بلف على العروض علشان أوفر ثمن حفاضات البيبي..
ـ حاضر.
بصلي باستغراب، كأنه مستني خناقة.
لكن الليلة دي… ما اديتوش أي رد فعل.
تاني يوم، وهو في الحمام، موبايله نور برسالة.
ماكنتش ناوية أفتحه… لكن الرسالة ظهرت قدامي.
“سارة: الحمد لله إن مراتك ماخدتش بالها من التحويل 😂”
بعدها رسالة تانية:
“ومتنساش إن والدتك قالت هتقنعها تكتب الشقة باسمك بعد الولادة.”
هنا فهمت الحقيقة.
الموضوع مش مجرد زواج.
دي خطة.
حماتي، أم أحمد، بقالها شهور تقولي: “الراجل لازم يكون ماسك أمور البيت.” “اكتبي الشقة باسم جوزك علشان تبقوا أسرة مستقرة.” “الست الحامل عقلها بيتعب من التفكير.”
الشقة كانت باسمي أنا.
اشتريتها من ميراث أبويا الله يرحمه.
وكانوا بيخططوا ياخدوها مني.
في نفس اليوم، رحت لصاحبتي “هبة”، وهي محامية شرعية، في مكتبها بالدقي.
وريتها كل حاجة: التحويلات، الرسائل، الحسابات، وكل المصاريف اللي كان بيقول إنها “للشغل”.
هبة سكتت شوية… ثم قالت:
ـ يا مريم… اللي بيحصل ده مش بس خيانة للثقة. ده استغلال ومحاولة سلب لحقك.
ـ أعمل إيه؟
ـ ولا حاجة قدامهم. خدي بالك من نفسك ومن بنتك. غيري كلمات السر، افصلي حساباتك، وما تمضيش على أي ورقة مهما حصل.
رجعت البيت، ووقفت البطاقة الإضافية اللي أحمد بيستخدمها.
بعد ساعة وصلتني رسالة:”ليه البطاقة واقفة؟”
ثم:مريم ردي.ثم..إحنا مش ناقصين مشاكل.
الساعة تمانية دخل البيت متوتر.
ـ إنتِ وقفتي البطاقة؟
كنت قاعدة برتب هدوم البيبي الصغيرة.
ـ أيوه.
ـ ليه؟
ـ لأنها باسمي.
ملامحه اتغيرت.
ـ إحنا زوجين.
ـ والزواج أمانة يا أحمد.
قرب مني وقال بنبرة حادة:
ـ مش في مصلحتك تعملي مشاكل دلوقتي.
رفعت عيني وبصيتله بهدوء:
ـ وأنا مش بعمل مشاكل… أنا بحافظ على حق بنتي.
سكت.
ولأول مرة من يوم جوازنا…
شفت القلق الحقيقي في عينيه.
لكني ماكنتش أعرف إن اللي مخبيه عني أكبر بكتير من مجرد زواج تاني…دا كان…
لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليـكم باللينـك – حكـايات أسمـا السيـد
مريم فضلت بصاله وهو واقف قدامها في نص الصالة، والتوتر باين في كل حركة بيعملها. لأول مرة تشوف أحمد مش واثق من نفسه بالشكل ده. طول عمره بيعرف يلف ويدور بالكلام، يزعق، يقلب الحق عليها، أو يمثل دور الزوج المظلوم اللي شايل هم الدنيا… لكن الليلة دي كان مرتبك فعلًا.
قرب منها أكتر وقال بنبرة حاول يخليها هادية: ـ إنتِ مكبرة الموضوع ليه؟
مريم رتبت آخر طقم صغير في درج البيبي وقفلت الدرج بهدوء. ـ موضوع إيه بالظبط؟
بلع ريقه. ـ موضوع الفلوس والبطاقة وكده… إحنا متجوزين يا مريم، يعني مافيش بينا حساب.
رفعت عينيها ببطء. ـ غريبة… مع إنك عامل حساب لكل جنيه بتصرفه عليا.
سكت.
ولأول مرة، ماعرفش يرد بسرعة.
كملت وهي بتبصله بثبات: ـ لما طلبت سرير لبنتك قولت الظروف صعبة. لما قولت محتاجة أتابع مع دكتور أغلى شوية قولت لازم نوفر. حتى الفاكهة اللي الدكتور قال لازم آكلها بقيت تحاسبني عليها. لكن فجأة لقيت إن فيه فلوس لقاعة وورد وشبكة وجواز جديد.
أحمد اتنفس بعنف. ـ إنتِ فتشتي ورايا؟
ضحكت ضحكة صغيرة كلها وجع. ـ لا يا أحمد… إنت اللي بعتلي الحقيقة بإيدك.
قرب منها بسرعة. ـ اسمعيني بس…
لكنها رفعت إيدها توقفه. ـ اللي اسمها سارة تعرف إن مراتك حامل؟
اتجمد.
الاسم لما خرج من بوقها خلا وشه يسحب دمه كله.
ـ مريم…
ـ تعرف إنك كنت بتدفع تمن جوازك عليها من حساب مراتي اللي شايلة بنتك؟
ـ الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة.
ابتسمت بمرارة. ـ الجملة دي بالذات الراجل بيقولها لما يبقى اتقفش.
أحمد بدأ يفقد أعصابه. ـ طب ما تسأليش نفسك ليه وصلت لكده؟! كل يوم طلبات… حمل ونكد ومصاريف! أنا مخنوق يا مريم!
الكلمة نزلت عليها كالقلم.
مخنوق.
منها.
من بنته.
من البيت اللي هي اللي دافعة تمنه أصلًا.
لكنها ماعيطتش.
بالعكس… هديت أكتر.
وده اللي خوّفه.
قالت بهدوء: ـ امشي يا أحمد. ـ يعني إيه أمشي؟ ـ يعني مش عايزة أشوف وشك الليلة.
ضحك بسخرية. ـ ده بيتي على فكرة.
مريم بصتله بثبات مرعب. ـ لا… دي شقتي أنا.
الجملة ضربته في رجولته أكتر من أي حاجة.
فجأة الباب اتفتح بالمفتاح.
حماتها دخلت كعادتها من غير استئذان، شايلة أكياس أكل ووشها مكشر. ـ إيه الصوت العالي ده؟
بصت لمريم ثم لابنها بتوتر. ـ حصل إيه؟
أحمد سكت.
لكن مريم قامت ببطء، وبطنها الكبيرة واضحة تحت الروب الواسع، وقالت: ـ ابنك بيتجوز عليا يا طنط.
الصمت نزل على المكان كله.
لكن الصدمة الحقيقية… إن حماتها ما اتفاجئتش.
ولا حتى أنكرت.
كل اللي عملته إنها زفرت بضيق وقالت: ـ كنت عارفة إنك هتعرفي بطريقة غبية.
مريم حست إن قلبها اتقبض.
يعني فعلًا… كلهم عارفين.
حماتها حطت الأكياس بعصبية وقالت: ـ بصي يا بنتي… الراجل من حقه يتجوز. والذكية هي اللي تحافظ على بيتها بدل الدراما دي.
مريم بصتلها بعدم استيعاب. ـ وأنا؟ ـ إنتِ حامل ومقصرة معاه بقالك شهور. لا اهتمام ولا واجبات ولا حتى نفسية عدلة. الراجل احتياجاته مهمة.
ضحكة مكسورة خرجت من مريم رغمًا عنها. ـ وأنا كنت محتاجة راجل يحس بيا وأنا برجع من التعب كل يوم. كنت محتاجة حد يجيب لبن لبنته بدل ما يدفع مهر لعروسته الجديدة.
حماتها قربت منها بصوت أخفض: ـ اسمعي كلامي واكتبي الشقة باسم أحمد قبل المشاكل ما تكبر. صدقيني ده أضمنلك.
هنا مريم فهمت.
الجواز التاني كان مجرد بداية.
الهدف الحقيقي هو الشقة.
ميراث أبوها.
الأمان الوحيد ليها وللبنت اللي لسه ماجتش الدنيا.
أحمد قال بسرعة: ـ ماما خلاص بقى…
لكن أمه كملت بحدة: ـ إيه يعني؟ البنت لازم تفهم مصلحتها.
مريم أخدت نفس طويل وقالت بهدوء: ـ اتفضلوا اطلعوا برا.
حماتها اتصدمت. ـ نعم؟!
ـ برا شقتي.
أحمد قرب منها بعصبية: ـ إنتِ اتهبلتي؟!
لكنها لأول مرة ما خافتش.
ـ لو ما خرجتوش دلوقتي هكلم الشرطة.
حماتها شهقت: ـ شرطة؟! على جوزك؟!
مريم بصتلها ببرود: ـ على أي حد واقف في بيتي وأنا مش عايزاه.
أحمد كان هينفجر. لكن واضح إنه افتكر إن الشقة فعلًا باسمها.
فشد أمه بعصبية: ـ يلا يا أمي دلوقتي.
قبل ما يخرج وقف عند الباب وقال بصوت كله تهديد: ـ إنتِ هتندمي على اللي بتعمليه.
مريم ردت من غير ما ترمش: ـ وأنا ندمت يوم ما وثقت فيك.
الباب اتقفل بعنف.
وساعتها بس…
قعدت على الكنبة وحطت إيديها على بطنها وانفجرت في العياط.
مش عياط خيانة بس.
عياط خوف.
هي حامل.
وحدها.
وجوزها بيخطط يسرقها ويتجوز عليها.
في اللحظة دي بنتها اتحركت جواها بقوة.
مريم مسحت دموعها بسرعة وهمست: ـ حاضر يا حبيبتي… أنا قوية علشانك.
تاني يوم الصبح…
هبة المحامية كانت قاعدة قدامها في الكافيه، بتقلب في الورق بعناية.
ـ عندي سؤال مهم… أحمد يعرف الباسورد بتاع حسابك البنكي الأساسي؟
مريم هزت راسها. ـ كان يعرف.
ـ غيرتيه؟
ـ أيوه.
هبة هزت راسها برضا. ـ كويس. لأن واضح إنه كان بيحضر لحاجة أكبر.
مريم اتوترت. ـ زي إيه؟
هبة طلعت ورقة مطبوعة من الشنطة. ـ ده طلب تمويل عقاري باسمك متقدم من أسبوعين.
مريم شهقت. ـ إيه؟!
ـ وفيه توقيعك.
الدم اتجمد في عروقها. ـ بس أنا ما مضتش على حاجة!
هبة بصتلها بجدية. ـ انتي متأكدة؟
وفجأة مريم افتكرت.
قبل شهر تقريبًا، أحمد دخل الأوضة وهي مرهقة جدًا بعد جلسة متابعة الحمل.
قالها وقتها: “امضي هنا بسرعة علشان ورق التأمين.”
كانت تعبانة ومركزة بالكاد.
ومضت فعلًا.
حطت إيديها على بوقها بصدمة. ـ يا نهار أبيض…
هبة مسكت إيديها فورًا. ـ بصيلي… إحنا لحقنا الموضوع قبل ما يتم. بس لازم تبقي أهدى وأذكى من كده.
مريم دموعها نزلت. ـ كان بيستغل إني حامل.
ـ وعشان كده لازم ما يلاحظش إنك عرفتي كل حاجة.
لكن الحقيقة إن أحمد كان بدأ يشك.
بقى يتصل كتير.
يبعت رسايل متناقضة.
مرة يعتذر. ومرة يهدد. ومرة يقول إنه محتاج يشوفها “علشان خاطر البيبي”.
لكن مريم ما ردتش.
بعد يومين…
كانت نايمة بالعافية لما صحيت على صوت خبط عنيف على الباب.
بصت في الساعة.
٢ بعد منتصف الليل.
قلبها وقع.
الخبط زاد.
ـ مريم افتحي!
أحمد.
صوته كان متعصب بشكل مرعب.
مريم مسكت موبايلها بسرعة واتصلت بهبة وهي مرعوبة.
هبة ردت فورًا: ـ ماتفتحيش الباب.
برا…
أحمد كان بيخبط بجنون. ـ أنا جوزك يا مريم!
لكنها لأول مرة حست إنه غريب.
شخص ما تعرفوش.
شخص قادر يأذيها فعلًا.
وفجأة…
سمعت صوت حماتها.
ـ افتحي يا بنتي بدل ما الجيران يتلموا!
مريم جسمها كله كان بيترعش.
لكنها تماسكت واتصلت بالشرطة.
أول ما أحمد فهم إنها كلمت الشرطة… سكت.
وبعد دقائق سمعت صوت العربية وهي بتمشي بسرعة.
ثاني يوم…
أحمد بعت رسالة طويلة.
“أنا غلطت… بس والله بحبك. سارة مجرد فترة وعدت. وأنا اتخنقت من الضغوط. ماتهدميش بيتنا علشان غلطة.”
مريم قرأت الرسالة أكتر من مرة.
ثم بعتت صورة التحويل.
وسابت تحتها كلمة واحدة:
“غلطة؟”
ما ردش بعدها.
لكن اللي مريم ماكنتش تعرفه… إن سارة نفسها بدأت تشك فيه.
خصوصًا بعد ما اكتشفت إنه مخبي حقيقة حمل مراته عنها.
وفي مساء هادي…
كانت مريم قاعدة في أوضة البيبي الجديدة اللي بدأت تجهزها بنفسها، لما موبايلها رن برقم غريب.
ردت بحذر: ـ ألو؟
صوت بنت طلع متردد: ـ إنتِ مريم؟
سكتت. ـ أيوه.
البنت أخدت نفس طويل. ـ أنا سارة.
الصمت تقيل جدًا وقع بينهم.
مريم كانت متوقعة كره. استفزاز. شماتة.
لكن اللي سمعته كان بكاء.
ـ أنا آسفة… والله ما كنت أعرف إنك حامل.
مريم اتجمدت. ـ أحمد ما قالكيش؟
ـ قال إنكم منفصلين… وإن الجواز بينكم انتهى من زمان.
مريم ضحكت بمرارة. ـ وأنا كنت نايمة جنبه كل ليلة.
سارة بدأت تعيط أكتر. ـ أنا اكتشفت الحقيقة لما شفت صورة ليكي عند دكتورة النسا على تابلته.
مريم حست بغصة غريبة.
الخيانة كانت أعمق من اللي تخيلته.
سارة قالت بصوت مكسور: ـ أنا فسخت كل حاجة.
مريم سكتت.
ثم قالت بهدوء: ـ هو كداب محترف.
وفي اللحظة دي…
مريم سمعت صوت مفتاح بيتها بيتحط في الباب.
اتجمدت.
هي كانت غيرت القفل.
إذن مين؟!
قامت ببطء وقلبها بيدق بعنف.
والباب بدأ يتفتح فعلًا…
ولما ظهر الشخص الواقف برا…
حست الدم بيهرب من جسمها.
لأن اللي كان واقف قدامها…
ماكانش أحمد.
مريم فضلت واقفة مكانها، إيديها متجمدة حوالين الموبايل، وقلبها بيدق بعنف لدرجة إنها حست إن صوت دقاته مالي الشقة كلها.
الباب اتفتح ببطء…
لكن اللي دخل ماكانش أحمد.
كان راجل كبير في السن، لابس بدلة رمادي أنيقة، وشعره الأبيض مرتب بعناية.
وقف أول ما شافها، ورفع إيديه بهدوء كأنه بيطمنها.
ـ آسف لو خوفتك… إنتِ مدام مريم؟
مريم رجعت خطوة لورا بسرعة. ـ حضرتك مين؟ وإزاي دخلت؟!
الراجل طلع مفتاح من جيبه. ـ أنا البواب القديم للعمارة… والمالك اداني نسخة احتياطية من المفاتيح من زمان للحالات الطارئة. الأستاذ أحمد حاول يطلع هنا من شوية وكان معصب جدًا… فطلعت أطمن عليكي.
مريم حست رجليها بتضعف من الرعب.
يعني أحمد كان هنا فعلًا.
الراجل قرب خطوة وقال بقلق: ـ إنتِ كويسة يا بنتي؟
هزت راسها بسرعة وهي بتحاول تستوعب.
مكالمة سارة كانت لسه مفتوحة.
وسارة سمعت كل حاجة.
ـ مريم؟! في إيه؟!
مريم أخدت نفس متقطع. ـ أحمد كان هنا.
سارة سكتت ثواني، ثم قالت بخوف: ـ اسمعيني كويس… أحمد مش طبيعي اليومين دول.
مريم اتجمدت.
ـ يعني إيه؟
ـ أنا لما فسخت الموضوع معاه النهاردة جن جنونه… كسر إزاز عربيته قدام البيت، وفضل يقول إن الكل بيخونه.
الراجل الكبير فهم إن فيه مشكلة، فقال بسرعة: ـ أنا هفضل تحت العمارة الليلة… ولو احتجتي أي حاجة كلميني فورًا.
مريم شكرته بصوت مرتجف وقفلت الباب كويس بالمفتاح والمزلاج.
بعدها قعدت على الأرض فجأة.
أعصابها خلاص قربت تنهار.
بطنها كانت مشدودة من التوتر، وبنتها بتتحرك بعنف جواها.
حطت إيديها على بطنها وهمست: ـ خلاص يا حبيبتي… خلاص.
لكن الحقيقة إن حاجة جواها كانت بتقول إن الأسوأ لسه ماجاش.
في صباح اليوم التالي…
صحيت على صوت جرس الباب.
اتجمدت للحظة.
لكن لما بصت من العين السحرية لقت هبة.
فتحت بسرعة وارتمت في حضنها.
هبة حضنتها بقوة وهي حاسة برجفة جسمها. ـ إنتِ سخنة أوي… ونفسيتك في الأرض.
مريم دموعها نزلت فورًا. ـ أنا خايفة يا هبة.
هبة دخلت وقعدتها على الكنبة. ـ أحمد دلوقتي أخطر حاجة فيه إنه مكشوف. النوع ده من الرجالة لما يقع بيبقى مستعد يعمل أي حاجة علشان ما يخسرش صورته.
مريم بصتلها بخوف. ـ يعني ممكن يأذيني؟
هبة سكتت لحظة قبل ما تقول بصدق: ـ عشان كده لازم ما تبقيش لوحدك.
وبالفعل…
أصرت هبة إن مريم تروح تقعد كام يوم عندها.
شقة هبة في المهندسين كانت صغيرة، لكنها دافية وآمنة.
ولأول مرة من أسابيع، مريم نامت من غير خوف.
لكن الهدوء ما استمرش طويل.
بعد يومين…
هبة كانت راجعة من المحكمة وشها متوتر بشكل غريب.
أول ما دخلت قالت: ـ أحمد رفع قضية.
مريم شهقت. ـ قضية إيه؟!
هبة رمت الملف على الترابيزة بعصبية. ـ بيقول إنك غير مستقرة نفسيًا بسبب الحمل… وإنك غير مؤهلة تديري أملاكك.
مريم فضلت تبصلها بعدم تصديق.
ثم ضحكت ضحكة مكسورة. ـ يعني بعد ما خانني… عايز يطلعني مجنونة كمان؟
هبة قعدت جنبها بسرعة. ـ بصيلي… ده دليل إنه مستميت ياخد الشقة.
مريم دموعها بدأت تنزل من القهر. ـ ليه بيعمل فيا كده؟
هبة ردت بحزن: ـ علشان طول عمره شايفك سهلة.
الكلمة وجعتها.
لأنها كانت حقيقية.
هي فعلًا كانت بتسامح بسرعة. بتعدي. بتقول “أكيد مضغوط”.
لكن كل مرة كانت بتتنازل فيها… كان بياخد خطوة أكتر.
وفي نفس الليلة…
وصلت رسالة من رقم أحمد.
“لو كنتِ سمعتي كلامي من الأول ماكنّاش وصلنا لكده.”
مريم بصت للرسالة طويل.
ثم مسحت دموعها.
ولأول مرة…
ما خافتش.
بالعكس.
حست بغضب.
غضب أم بتحاول تحمي بنتها.
غضب بنت أبوها اللي تعب طول عمره علشان يسيبلها أمان.
غضب ست اتكسرت كفاية.
فكتبت له:
“المحكمة بينا.”
وقفلت الموبايل.
بعد أسبوع…
كانت قاعدة في المحكمة، لابسة فستان واسع أسود، ووشها شاحب من الحمل والتوتر.
أحمد دخل مع أمه ومحاميه.
لكن أول ما شافها…
اتوتر.
لأنها ما كانتش مكسورة زي ما توقع.
كانت هادية.
وده رعبه.
القاضي بدأ يسمع القضية.
محامي أحمد اتكلم كتير عن “الحالة النفسية للحمل” و”التقلبات” و”عدم قدرتها على اتخاذ قرارات سليمة”.
لكن بعده…
هبة قامت بهدوء.
وحطت قدام القاضي ملف كبير.
ـ دي تحويلات مالية من حساب موكلتي لتمويل زواج موكل المدعي من امرأة أخرى. ودي رسائل تثبت محاولته الاستيلاء على ممتلكاتها. وده طلب تمويل مزور بإمضتها.
المحكمة كلها سكتت.
أحمد وشه اصفر.
وأمه بدأت تهمسله بتوتر.
لكن الضربة الأقوى…
كانت لما دخلت سارة بنفسها.
أحمد اتجمد.
ـ سارة؟!
سارة بصتله باشمئزاز. ـ أنا جاية أقول الحقيقة.
واعترفت قدام الكل إنه خدعها وقال إن مراته منفصلين.
وإنه كان بيخطط ياخد الشقة علشان “يبدأ حياته الجديدة”.
مريم شافت الرعب الحقيقي في عيني أحمد لأول مرة.
القاضي كان واضح عليه الغضب.
وبعد الجلسة…
أحمد حاول يجري ورا مريم برا المحكمة. ـ مريم استني!
لكنها ما وقفتش.
مسك دراعها بعصبية. ـ إنتِ دمرتي حياتي!
لفتله ببطء.
ولأول مرة شاف في عينيها حاجة جديدة.
الاحتقار.
قالت بهدوء: ـ لا يا أحمد… إنت اللي دمرت نفسك.
وسابت إيده ومشيت.
بعدها بأسبوعين…
مريم دخلت الشهر التاسع.
ورغم التعب والخوف، كانت أقوى.
هبة كانت معاها في كل خطوة.
وسارة كمان بعتتلها رسالة اعتذار طويلة، ومريم رغم وجعها سامحتها.
لأنها فهمت إن البنت دي كمان كانت ضحية كدب أحمد.
وفي ليلة شتوية هادية…
مريم صحيت على ألم قوي جدًا.
شهقت وهي تحط إيديها على بطنها.
ـ هبة…!
هبة قامت مفزوعة. ـ بدأ؟!
مريم هزت راسها وهي تتألم.
بعد ساعة…
كانت في المستشفى.
الطلق كان صعب وطويل.
ومريم حست إنها بتموت فعلًا من الوجع.
لكن وسط التعب والرعب…
كانت بتفكر في بنتها.
في اللحظة اللي هتشوفها فيها.
وفجأة…
بعد ساعات طويلة…
سمعت أول صرخة.
الدنيا كلها سكتت حواليها.
والممرضة قربت منها بابتسامة: ـ مبروك… جالك أجمل بنوتة.
الدموع نزلت من عيني مريم فورًا.
شالت بنتها الصغيرة بإيد مرتجفة.
البنت كانت دافية جدًا… وصغيرة جدًا… لكنها حقيقية.
همست وسط بكاها: ـ أنا وعدتك أحميكي… ووفيت.
وفي اللحظة دي…
باب الأوضة اتفتح.
مريم توترت فورًا.
لكن اللي دخل كان…
أخوها الكبير كريم.
كان جاي من السفر أول ما عرف اللي حصل.
قرب منها وعينيه مليانة دموع. ـ آسف إني ماكنتش جنبك.
مريم ابتسمت وسط تعبها. ـ إنت جيت خلاص.
بص للبنت الصغيرة وابتسم بحنان. ـ شبهك.
وبعدين بص لمريم بجدية: ـ أحمد حاول ييجي المستشفى. بس الأمن منعه.
مريم حضنت بنتها أكتر.
ولأول مرة…
ما حستش بخوف.
بعد شهرين…
القضية اتحسمت.
أحمد خسر كل حاجة تقريبًا.
شغله اتأثر بعد الفضيحة. وأصحابه بعدوا عنه. وأمه بقت تلف تقول إن “الناس ظلموا ابنها”.
لكن محدش صدقها.
أما مريم…
فرجعت تعيش في شقتها مع بنتها.
غيرت كل حاجة.
الستاير. الألوان. ترتيب الأوض.
حتى الطاقة اللي في المكان.
بقى بيتها فعلًا.
وفي يوم…
كانت قاعدة في البلكونة، شايلة بنتها، والمطر بينزل بهدوء زي نفس الليلة اللي اكتشفت فيها خيانته.
لكن الفرق…
إنها المرة دي ما كانتش مكسورة.
موبايلها رن.
رقم أحمد.
فضلت تبص للشاشة شوية.
ثم قفلت الرنة.
وبهدوء حذفت الرقم كله.
بنتها الصغيرة فتحت عينيها في اللحظة دي.
فابتسمت مريم وباسته جبينها.
وقالت وهي تبص للمطر:
ـ يمكن خسرته… لكن كسبت نفسي.
تمت
