عدت الي المنزل حكـايـات أسمـا ×2
الفصل الثالث
ظل أحمد جالسًا في مكتب رامي عدة دقائق دون أن ينطق بكلمة.
كان يحدق في عقد البيع وكأنه مكتوب بلغة لا يفهمها.
ثم قال أخيرًا:
“الفيلا باسمي.”
هز رامي رأسه.
“عارف.”
“يبقى إزاي تعرضها للبيع؟”
أخرج رامي ملفًا أصغر.
ووضعه أمامه.
“عشان كده طلبت منك تيجي بسرعة.”
فتح أحمد الملف.
وبدأ يقرأ.
وفي كل سطر كان يشعر بأن الصدمة تزداد.
قبل ثلاث سنوات…
عندما كان أحمد يسافر كثيرًا لإنهاء مشروعات الشركة.
كانت ياسمين تتولى بعض الأمور الإدارية الخاصة بالمنزل.
وفي تلك الفترة وقّع أحمد عشرات المستندات دون تدقيق.
توكيلات.
أوراق بنكية.
نماذج ضريبية.
عقود خدمات.
أشياء روتينية لا تلفت الانتباه.
لكن بين تلك الأوراق…
كان هناك توكيل محدود الصلاحية.
توكيل لم ينتبه إليه وقتها.
ولم يتخيل يومًا أنه سيُستخدم بهذه الطريقة.
قال رامي:
“هي ما تقدرش تبيع الفيلا قانونيًا دلوقتي.”
تنفس أحمد قليلًا.
لكن رامي أكمل:
“لكن واضح إنها كانت بتحضر لده.”
“يعني؟”
“يعني في خطة.”
صمت.
ثم أضاف:
“وخطة كبيرة كمان.”
عاد أحمد إلى المنزل مساءً.
وكان عليه أن يتصرف طبيعيًا.
أصعب شيء في الدنيا…
أن تجلس أمام شخص تعرف أنه يخدعك.
وتتظاهر أنك لا تعرف شيئًا.
وجد ياسمين في غرفة الطعام.
ترتب أطباق العشاء.
ورفعت رأسها بابتسامة دافئة.
“رجعت بدري النهارده.”
ابتسم هو أيضًا.
“الاجتماع اتأجل.”
اقتربت منه.
وقبلته على خده.
“كويس.”
في الماضي…
كانت تلك القبلة كافية لتجعله يبتسم.
أما الآن…
فشعر وكأنها قناع.
جلسا يتناولان الطعام.
ويتحدثان عن أشياء عادية.
الطقس.
العمل.
أحد الجيران.
فيلم جديد.
لكن أحمد كان يراقبها.
ولأول مرة…
بدأ يلاحظ تفاصيل صغيرة.
كلما اهتز هاتفها…
تنظر إليه بسرعة.
كلما ذُكر اسم كريم الجندي في أي سياق متعلق بالأعمال…
تتغير ملامحها للحظة.
كلما سألها سؤالًا مفاجئًا…
تتردد نصف ثانية قبل الرد.
نصف الثانية نفسها التي لاحظها يوم السيارة.
بعد منتصف الليل.
استيقظ أحمد على صوت خافت.
فتح عينيه.
فوجد السرير فارغًا.
نهض بهدوء.
وخرج من الغرفة.
كان المنزل مظلمًا.
لكن الضوء الخافت القادم من الطابق السفلي لفت انتباهه.
توقف.
الطابق السفلي؟
نادراً ما ينزل أحد إلى هناك.
كان القبو يستخدم كمخزن قديم فقط.
سار ببطء.
حتى وصل إلى أعلى السلم.
وهناك…
سمع صوت ياسمين.
كانت تتحدث مع شخص.
توقف قلبه.
نزل درجة واحدة.
ثم ثانية.
ثم ثالثة.
وبدأ يسمع الكلمات بوضوح.
“…لازم نخلص الموضوع بسرعة.”
صوت رجل أجاب:
“أنا بقولك استني شوية.”
تجمد أحمد.
كان الصوت مألوفًا.
رآه في الصور.
كريم الجندي.
كان داخل منزله.
في منتصف الليل.
داخل القبو.
قالت ياسمين بعصبية:
“أحمد بدأ يشك.”
رد كريم:
“يبقى لازم نسرع.”
“مش عايزة أخاطر.”
“وأنا كمان.”
ثم صمتا للحظة.
قبل أن يقول كريم شيئًا جعل الدم يتجمد في عروق أحمد.
قال:
“المهم محدش يعرف اللي تحت الأرض.”
شعر أحمد بأن معدته انقبضت.
ما الذي تحت الأرض؟
القبو نفسه تحت الأرض.
فماذا يقصد؟
قالت ياسمين بصوت منخفض:
“لو عرف… كلنا هنروح فيها.”
كلنا؟
من هم؟
وماذا يخفون؟
ظل أحمد واقفًا في الظلام.
يحاول استيعاب ما يسمعه.
ثم حدث شيء غير متوقع.
أخرج كريم مفتاحًا صغيرًا من جيبه.
واتجه نحو الجدار الخلفي للقبو.
ضغط على نقطة معينة بين الأرفف الخشبية القديمة.
فصدر صوت خافت.
صوت احتكاك حجر بحجر.
واتسعت عينا أحمد.
لأن جزءًا من الجدار…
بدأ يتحرك.
باب سري.
مخبأ داخل القبو.
فتح ببطء.
وكشف عن ممر ضيق مظلم.
قال كريم:
“آخر مرة هراجع المحتويات.”
ردت ياسمين:
“وبعدين ننقل كل حاجة.”
كل حاجة؟
أي حاجة؟
ظل أحمد يراقب.
بينما دخل الاثنان إلى الممر السري.
واختفيا.
انتظر دقيقة كاملة.
ثم دقيقتين.
ثم ثلاثًا.
حتى تأكد أنهما ابتعدا.
فنزل السلم ببطء شديد.
وكان قلبه يدق بعنف.
وصل إلى الجدار.
والباب ما زال مفتوحًا.
وقف أمامه.
مترددًا.
لكنه لم يعد يستطيع التراجع.
دخل.
كان الممر ضيقًا وباردًا.
والهواء داخله ثقيل.
سار عدة أمتار.
حتى وصل إلى غرفة مخفية.
وحين نظر داخلها…
توقف في مكانه.
غير مصدق ما يراه.
رفوف كاملة.
صناديق معدنية.
حقائب سوداء.
وأكوام من الملفات.
لكن ما لفت انتباهه فورًا…
لم يكن أيًا من ذلك.
بل صورة كبيرة معلقة على الجدار.
صورة قديمة.
التقطت قبل أكثر من عشر سنوات.
وكان فيها:
ياسمين.
وكريم.
وثلاثة رجال آخرون.
وشخص سادس يقف بينهم مبتسمًا.
شخص يعرفه أحمد جيدًا.
شخص يفترض أنه مات منذ سبع سنوات.
شقيقه الأكبر…
محمود الشاذلي.
سقطت أنفاس أحمد.
وتراجع خطوة للخلف.
محمود مات في حادث سيارة.
الجميع يعرف ذلك.
الجميع حضر الجنازة.
الجميع بكى عليه.
فلماذا يظهر في هذه الصورة؟
ولماذا تبدو الصورة حديثة أكثر مما ينبغي؟
وفوق الطاولة أسفل الصورة مباشرة…
كان هناك ملف أحمر كبير.
مكتوب عليه بخط أسود واضح:
“مشروع الوريث.”
وفي اللحظة التي مد فيها أحمد يده نحو الملف…
سمع صوتًا خلفه مباشرة.
صوت رجل بارد يقول:
“مكانك بالظبط يا أحمد…”
تجمد جسده بالكامل.
ثم سمع طقطقة سلاح يتم تجهيزه.
وأضاف الرجل:
“أظن إنك شوفت أكتر مما كان المفروض تشوفه.”
يتبع…
