وسام الشجاعه حكـايـات أسمـا ×2
الفصل الخامس
خرجت من المستشفى بعد يومين، ويوسف ماسك إيدي كأنه خايف أختفي من قدامه.
الدكتور طمّني إن الارتجاج بسيط، لكن أوصاني أخليه يرتاح أسبوع كامل، وما يتعرضش لأي ضغط نفسي.
الضغط النفسي…
ضحكت بيني وبين نفسي.
هو فيه طفل شاف اللي شافه، ويقدر يعيش من غير أثر؟
ركبنا تاكسي، وسكتنا طول الطريق.
أول ما العربية وقفت قدام بيت أخويا، يوسف شد إيدي فجأة.
قال بصوت واطي:
“ماما… إحنا هنرجع هنا تاني؟”
بصيت للبيت.
نفس البيت اللي عشت فيه شهور وأنا بشتغل فيه كأني خدامة.
نفس البيت اللي ابني اتهان واتضرب فيه.
هزيت راسي.
“لا يا يوسف… إحنا مش هنعيش هنا تاني.”
في اللحظة دي فتح محمود الباب.
كان باين عليه إنه ما نامش من يوم الحادثة.
أول ما شافني قال:
“ادخلي يا سلمى… البيت بيتك.”
بصيت له بهدوء.
“لما كان ابني بيتضرب… ما افتكرتش إنه بيتي.”
سكت.
ما عرفش يرد.
كمل:
“أنا غلطت.”
قلت:
“الغلط مش إنك سكت مرة.”
“الغلط إنك سكت سنين.”
دموعه نزلت لأول مرة قدامي.
قال:
“أنا هطلق نجلاء.”
استغربت.
“مش علشاني.”
“علشان نفسي.”
“اكتشفت إني عشت مع إنسانة معرفتهاش.”
يوسف شدني من هدومي وقال:
“ماما… نمشي.”
لفيت ومشيت من غير ما أبص ورايا.
…
استأجرت شقة صغيرة مفروشة.
أوضتين وصالة.
يمكن أصغر من أوضة الضيوف في بيت محمود.
لكنها كانت أول مكان أحس فيه بالأمان.
في أول ليلة…
يوسف نام وهو ماسك الوسام المحروق.
كنت محتفظة بيه في كيس شفاف.
قعدت أبصله.
الشريط اتحرق.
وحوافه اسودت.
لكن النجمة المعدنية لسه واضحة.
افتكرت اليوم اللي استلمته فيه.
افتكرت زمايلي.
وافتكرت آخر مهمة.
المهمة اللي خرجت منها مصابة…
وخسرت فيها جوزي.
مسحت دموعي بسرعة.
ووعدت نفسي…
إني مش هسمح لحد يدفن الماضي تاني.
…
تاني يوم الصبح…
رن جرس الباب.
فتحت.
لقيت عربية عسكرية واقفة.
ونازل منها عقيد أعرفه كويس.
أول ما شافني…
ابتسم.
“أخيرًا لقيناكي.”
شهقت.
“فؤاد؟”
ضحك.
“لسه فاكراني.”
كان زميلي في الكتيبة.
آخر مرة شفته كانت يوم جنازة جوزي.
دخل الشقة.
بص حواليه.
ثم قال بحزن:
“إحنا افتكرنا إنك مش عايزة تشوفي حد من الجيش تاني.”
قلت:
“ماكنتش قادرة.”
فتح حقيبة جلد سوداء.
طلع منها ملف كبير.
وحطه قدامي.
“إيه ده؟”
قال:
“القيادة فتحت تحقيق بعد اللي حصل.”
استغربت.
“تحقيق في إيه؟”
رد:
“في إتلاف وسام شجاعة عسكري.”
“القضية بقت مش مجرد خناقة عائلية.”
اتجمدت مكاني.
كمل:
“وفيه حاجة تانية.”
طلع صورة قديمة.
أنا…
لابسة الزي العسكري.
وواقفة وسط أفراد الكتيبة.
وجنبي جوزي.
ابتسمت لأول مرة من سنين.
قال فؤاد:
“القائد العام بنفسه طلب يشوفك.”
سألته باستغراب:
“ليه دلوقتي؟”
ابتسم.
“لأن بطلة زيك… مينفعش تفضل مستخبية.”
قبل ما أرد…
رن تليفونه.
رد بسرعة.
وفجأة…
ملامحه اتغيرت.
قفل المكالمة وبصلي.
وقال:
“سلمى… لازم تيجي معايا حالًا.”
قلبي انقبض.
“فيه إيه؟”
قال بصوت جاد:
“نجلاء خرجت بكفالة مؤقتة…”
“ومن ساعة ما خرجت…”
“اختفت.”
وسابت وراها رسالة باسمك
الفصل السادس
“اختفت؟”
الكلمة خرجت مني وأنا مش مستوعبة.
فؤاد هز رأسه ببطء.
“خرجت بكفالة مؤقتة في انتظار الجلسة، لكن بعد ساعات سابت بيت أهلها، وقفلت موبايلها، واختفت.”
يوسف كان واقف عند باب أوضته، سامع كل كلمة.
قرب مني وقال بخوف:
“هي هتيجي تضربني تاني يا ماما؟”
حضنته بسرعة.
“لا يا حبيبي… طول ما أنا عايشة، محدش هيقدر يقرب منك.”
لكن الحقيقة…
إني لأول مرة حسيت بقلق حقيقي.
مش علشان نفسي…
علشان يوسف.
…
وصلنا مديرية الأمن.
لقيت والد نجلاء قاعد في المكتب.
كان شكله أكبر بعشر سنين.
أول ما شافني وقف.
وقال بصوت مكسور:
“أنا آسف.”
قلت بهدوء:
“الاعتذار مش ليا.”
“لبنتك.”
نزل رأسه.
“فشلت في تربيتها.”
ثم مد لي ورقة.
كانت الرسالة اللي نجلاء سابتها.
فتحتها.
وكان مكتوب فيها بخط مرتب:
“لو كنتوا فاكرين إن حياتي انتهت… تبقوا غلطانين. اللي ضاع مني، هدفع سلمى تمنه أضعاف.”
قبضت على الورقة بقوة.
فؤاد قال:
“واضح إنها بتهدد.”
مدير الأمن ضغط على زر في مكتبه.
دخل ضابط شاب.
قال له:
“من اللحظة دي… توفير حراسة للعقيد سلمى وابنها.”
اعترضت فورًا.
“مش محتاجة حراسة.”
رد بحزم:
“المرة دي… دي أوامر.”
…
بعد يومين…
بدأت جلسات التحقيق.
النيابة استدعت كل الموجودين يوم الواقعة.
وأولهم…
محمود.
دخل قاعة التحقيق وهو باصص في الأرض.
وكيل النيابة سأله:
“هل شاهدت المتهمة وهي تلقي الوسام في النار؟”
سكت ثواني.
ثم قال:
“أيوه.”
“وشاهدتها وهي تصفع يوسف.”
سأله مرة تانية:
“هل حاولت منعها؟”
السكوت طال.
ثم نزلت دموعه.
وقال:
“لا.”
“وده أكبر ذنب في حياتي.”
…
بعده دخلت أنا.
عرضوا عليّ الوسام.
كان داخل كيس حفظ الأدلة.
رغم الحرق…
كان الرقم المسجل عليه واضحًا.
وكيل النيابة قال:
“حضرتك تؤكدين إنه نفس الوسام؟”
قلت:
“أيوه.”
ثم سألني:
“هل صحيح إنك أخفيت رتبتك العسكرية عن أسرتك؟”
ابتسمت بحزن.
“كنت عايزة أعيش كأم… مش كبطلة.”
“لأن البطولة الحقيقة…”
وبصيت ناحية يوسف اللي كان مستني بره.
“…إني أربي ابني.”
…
في آخر التحقيق…
دخل موظف يحمل ملفًا جديدًا.
قال:
“في شاهد جديد.”
استغرب الجميع.
دخل رجل في منتصف الأربعينيات.
أول ما شوفته…
عرفته.
كان سامي.
الجار المقابل لبيت محمود.
قال لوكيل النيابة:
“أنا صورت جزء من اللي حصل.”
وسلّم فلاشة صغيرة.
تشغلت على الشاشة.
ظهر الفيديو بوضوح.
نجلاء وهي تفتح الشنطة.
ثم تسخر.
ثم ترمي الوسام في الفحم.
ثم…
يوسف وهو يصرخ:
“طنط هي اللي خدته.”
ثم صوت الصفعة.
ثم سقوط الطفل.
القاعة كلها سكتت.
وكيل النيابة وقف.
وقال:
“الأدلة أصبحت كاملة.”
لكن المفاجأة…
كانت لما دخل أحد أفراد الأمن مسرعًا.
وهمس في أذن مدير الأمن.
لون وجهه اتغير.
وقف بسرعة.
وقال:
“لقينا نجلاء.”
الكل بص له.
سألته:
“فين؟”
قال:
“كانت بتحاول تسافر بجواز سفر جديد…”
“لكن اللي لقيناه في شنطتها…”
“أخطر بكتير من محاولة الهرب.”
وساد الصمت في المكان…الفصل السابع
“أخطر بكتير من محاولة الهرب.”
الجملة نزلت على القاعة كلها كالصاعقة.
وكيل النيابة وقف من مكانه.
وقال بجدية:
“يعني إيه؟”
مدير الأمن فتح ملفًا بني اللون، وأخرج منه عدة صور.
وضعها على الطاولة.
كانت صورًا لمحتويات حقيبة نجلاء بعد ضبطها.
مبلغ كبير من المال.
جواز سفر جديد.
وهاتف محمول لم يكن مسجلًا باسمها.
أما الصورة الأخيرة…
فخلتني أتجمد مكاني.
كانت صورة الوسام.
لكن مش الوسام المحروق…
نسخة مزورة منه.
وكيل النيابة عقد حاجبيه.
“إيه ده؟”
رد الضابط المسؤول:
“المتهمة كانت محتفظة بنسخة مقلدة.”
“واعترفت مبدئيًا إنها كانت ناوية تدّعي إن الوسام اللي اتحرق كان لعبة، وإن النسخة دي هي الأصل.”
ساد الصمت.
قال وكيل النيابة:
“يعني كانت بتحاول العبث بالأدلة.”
هز الضابط رأسه.
“بالإضافة لمحاولة السفر قبل استكمال التحقيق.”
…
بعد ساعة…
تم إحضار نجلاء إلى مقر النيابة.
دخلت مكبلة اليدين.
لكن غرورها اختفى.
أول ما شافتني…
خفضت عينيها.
وكيل النيابة بدأ يسألها:
“هل اعترفتِ بإلقاء الوسام في النار؟”
قالت بصوت خافت:
“أيوه.”
“وهل اعترفتِ بالاعتداء على الطفل يوسف؟”
سكتت طويلًا.
ثم قالت:
“كنت غضبانة…”
ضرب وكيل النيابة بيده على المكتب.
“الغضب لا يبرر الاعتداء على طفل.”
بدأت تبكي.
وقالت:
“أنا ماكنتش أقصد يغمى عليه.”
أول مرة…
ما لقيتش في كلامها تحديًا.
لكن الندم جه متأخر.
…
في الخارج…
كان يوسف قاعد على كرسي في الممر.
بيرسم في كشكوله الصغير.
قرب منه والد نجلاء.
جلس أمامه.
وقال بهدوء:
“يا يوسف…”
رفع يوسف عينيه.
الرجل مد له علبة خشب صغيرة.
“دي هدية مني.”
فتحها يوسف.
كان بداخلها شريط جديد صُنع خصيصًا للوسام العسكري المحروق، بعد موافقة الجهة المختصة، حتى يُحفظ الوسام بشكل لائق.
بص يوسف لي.
قلت له:
“خده.”
رفع الطفل رأسه للرجل وقال:
“أنا زعلان منك.”
اغرورقت عينا الرجل بالدموع.
“وأنا زعلان من نفسي أكتر.”
…
بعد انتهاء التحقيق…
خرج وكيل النيابة وأعلن قراره.
إحالة نجلاء إلى المحكمة الجنائية بتهم الاعتداء على طفل، وإتلاف ممتلكات، ومحاولة العبث بالأدلة.
وأثناء خروجها…
وقفت قدامي.
قالت بصوت مكسور:
“أنا خسرت كل حاجة.”
بصيت لها بهدوء.
وقلت:
“إنتِ ما خسرتيش يوم اتحبستي.”
“إنتِ خسرتِ يوم استكترتِ الاحترام على الناس.”
انفجرت في البكاء.
أما أنا…
فمسكت إيد يوسف.
وخرجنا من مبنى النيابة.
كانت الشمس بدأت تميل للغروب.
يوسف بصلي وقال:
“ماما…”
“هو خلاص محدش هيحرق وسامك تاني؟”
ابتسمت، وربتُّ على شعره.
وقلت:
“الوسام الحقيقي يا يوسف…”
“عمره ما كان المعدن.”
“الوسام الحقيقي… إن الإنسان يفضل مرفوع الرأس مهما حصل.”
ومشينا سويًا…
وكل خطوة كنا بنبعد فيها عن مبنى المحكمة…
كنت حاسة إننا بنقرب أكثر من بداية جديدة.
الفصل الثامن
مرّ شهر كامل…
وبدأت أولى جلسات المحاكمة.
قاعة المحكمة كانت مزدحمة.
صحفيين.
محامين.
وأهالي المحافظة.
الكل كان مستني يشوف القضية اللي اتكلم عنها الناس أسابيع.
دخلت أنا ويوسف.
كان ماسك إيدي بقوة.
ولابس بدلة صغيرة زرقا، نفس اللون اللي كان بيحبه أبوه.
أول ما شافني بعض الضباط القدامى…
وقفوا يؤدوا التحية العسكرية.
القاعة كلها بصت ناحيتهم.
واحدة من السيدات همست:
“هي دي الست اللي كانوا بيقولوا عليها خدامة عند أخوها؟”
ردت عليها واحدة تانية:
“طلعت عقيد متقاعد.”
حسيت بغصة.
مش لأنهم عرفوا حقيقتي…
لكن لأنهم ما احترمونيش غير لما عرفوا رتبتي.
كنت أتمنى…
يحترموا الإنسان قبل المنصب.
…
دخلت نجلاء القاعة.
لابسة ملابس الحبس الاحتياطي.
وشها شاحب.
وعينيها ما بقتش فيها نفس نظرة الغرور.
أبوها دخل بعدها بدقائق.
لكن المرة دي…
قعد في آخر القاعة.
مش جنبها.
ولا حتى بص لها.
…
القاضي دخل.
وبدأت الجلسة.
وقف محامي نجلاء وقال:
“موكلتي تعترف بخطئها، لكنها لم تكن تقصد إحداث إصابة خطيرة للطفل.”
القاضي رد بهدوء:
“القصد من عدمه تحدده المحكمة.”
ثم طلب سماع الشهود.
أول شاهد…
كان محمود.
وقف قدام منصة الشهادة.
القاضي سأله:
“ما صلتك بالطرفين؟”
قال:
“أخو المجني عليها… وزوج المتهمة.”
“سابقًا.”
القاضي رفع رأسه.
“طلقتها؟”
رد:
“بعد اللي حصل مباشرة.”
وسرد كل ما حدث.
بدون ما يخبي حاجة.
ولأول مرة…
وقف في صف الحق.
…
بعده…
استدعوني.
وقفت قدام القاضي.
سألني:
“لماذا أخفيتِ عن أسرتك أنك كنتِ عقيدًا في القوات المسلحة؟”
ابتسمت ابتسامة حزينة.
وقلت:
“لأن الرتبة كانت شغل.”
“لكن البيت…”
“كنت فاكرة إنه محتاج أخت وبنت وأم.”
“مش محتاج نجوم على الكتف.”
ساد الصمت.
ثم أكملت:
“بس اكتشفت إن اللي ما يحترمش الإنسان…”
“مش هيحترم رتبته برضه.”
القاضي هز رأسه في هدوء.
…
ثم جاء دور يوسف.
أنا اعترضت.
قلت:
“هو طفل.”
لكن القاضي قال بلطف:
“مش هنستجوبه.”
“أنا بس عايز أسأله سؤال واحد.”
وقف يوسف قدامه.
القاضي ابتسم.
وقال:
“يا يوسف…”
“إنت زعلان من طنط نجلاء؟”
يوسف فكر شوية.
ثم قال:
“أنا مش زعلان.”
الكل استغرب.
كمل:
“أنا زعلان إنها خلت ماما تعيط.”
ساد صمت ثقيل في القاعة.
حتى القاضي نزل نظارته.
وقال:
“اتفضل يا بطل.”
رجع يوسف حضني.
وأنا حسيت إن كل أوسمة الدنيا…
ما تساويش كلمة واحدة خرجت من ابني.
…
قبل رفع الجلسة…
وقف والد نجلاء فجأة.
طلب الإذن بالكلام.
القاضي وافق.
لف ناحيتي.
وقال أمام الجميع:
“أنا خدمت البلد أكتر من ثلاثين سنة.”
“لكن أكبر فشل في حياتي…”
“إني معرفتش أربي بنتي على احترام الناس.”
ثم بص لبنته.
وقال:
“النفوذ بيخلص.”
“أما الأخلاق…”
“فهي اللي بتفضل.”
نجلاء انفجرت في البكاء.
أما أنا…
فاكتفيت بإغماض عيني.
لأنني أدركت أن العدالة…
بدأت تأخذ مجراها.
لكن النهاية…
لم تكن قد جاءت بعد…الفصل التاسع والأخير
اتأجل النطق بالحكم أسبوعين.
أسبوعين كانوا من أطول الأيام اللي عدوا عليا.
كنت كل يوم أوصل يوسف المدرسة، وأرجع شقتنا الصغيرة، وأقعد أبص للوسام المحروق وهو جوه العلبة الخشب.
مش لأنه غالي.
لكن لأنه كان بيفكرني إن الإنسان ممكن يخسر كل حاجة…
إلا تاريخه.
في يوم الحكم…
كانت المحكمة مليانة أكتر من أول جلسة.
دخلت أنا ويوسف.
وكان والد نجلاء واقف بره القاعة.
أول ما شافني، أدى لي التحية العسكرية.
رديت التحية.
وقال بصوت هادئ:
“مهما حكم المحكمة… أنا مدين لحضرتك باعتذار طول عمري.”
قلت له:
“أنا مسامحاك على اللي يخصك.”
“لكن حق ابني… المحكمة هي اللي هترده.”
هز رأسه في صمت.
…
دخل القاضي.
وقف الجميع.
وبدأ يقرأ منطوق الحكم.
أثبتت المحكمة بما لا يدع مجالًا للشك قيام المتهمة بالاعتداء على الطفل يوسف، وإتلاف الوسام العسكري المملوك للمجني عليها، والتعدي عليها أمام الشهود.
وقضت المحكمة بإدانة نجلاء، ومعاقبتها وفق القانون، وإلزامها بتعويض مدني عن الأضرار التي لحقت بسلمى وابنها.
ساد الصمت.
نجلاء أغلقت عينيها.
وأول مرة…
ما حاولتش تعترض.
ولا تصرخ.
ولا تتهم حد.
عرفت إن النهاية وصلت.
…
خرجت من المحكمة.
لقيت الصحفيين مستنيين.
واحد منهم سألني:
“حضرتك شايفة إن الحكم أنصفك؟”
ابتسمت.
وقلت:
“اللي أنصفني بجد…”
“إن ابني عرف إن السكوت على الظلم مش شجاعة.”
“وإن احترام الإنسان أهم من أي منصب.”
تاني صحفي سأل:
“إيه أول حاجة هتعمليها بعد القضية؟”
بصيت ليوسف.
وقلت:
“هعيش.”
“من غير خوف.”
…
بعد ثلاثة أشهر…
كنت واقفة في ساحة مدرسة يوسف.
المديرة نادت اسمه.
وصعد على المسرح.
كان فيه احتفال عن القدوة.
وكل طفل مطلوب يتكلم عن الشخص اللي بيعتبره بطله.
طلعت أطفال كتير.
واحد قال أبوه.
واحدة قالت دكتورتها.
لحد ما طلع يوسف.
وقف قدام الميكروفون.
إيده كانت بترتعش شوية.
لكن صوته كان ثابت.
قال:
“بطلي هي أمي.”
“الناس كلها كانت فاكرة إنها ضعيفة.”
“لكن هي علمتني إن القوة مش إنك تضرب حد.”
“القوة إنك تعرف تدافع عن الحق.”
“وعلمتني إن البطل الحقيقي…”
“…هو اللي يحمي غيره.”
القاعة كلها صفقت.
وأنا…
ماكنتش قادرة أمنع دموعي.
…
بعد الحفل…
خرجت أنا ويوسف.
لقيت عربية وقفت جنبنا.
نزل منها محمود.
كان شكله مختلف.
أهدى.
وأهدى بكتير.
قال:
“أنا جاي أودعكم.”
استغربت.
قال:
“اتنقلت شغلي لمحافظة تانية.”
ثم مد إيده ليوسف.
“هتسامح خالك؟”
يوسف بصلي.
ابتسمت له.
مد إيده وسلم عليه.
وقال:
“بس متسكتش على الغلط تاني.”
محمود بكى.
وقال:
“وعد.”
ركب عربيته ومشي.
وأنا حسيت إنه أخيرًا…
اتعلم الدرس.
…
بعد سنة كاملة…
وصلني خطاب من القوات المسلحة.
دعوة لحضور احتفال تكريم لقدامى المقاتلين.
دخلت القاعة.
وفوجئت إن اسمي اتنادى.
طلعت على المسرح.
القائد سلمني صندوقًا خشبيًا.
وقال:
“العقيد سلمى…”
“الأوسمة ممكن تتحرق.”
“لكن الشجاعة…”
“مستحيل.”
فتح الصندوق.
كان جواه وسام جديد.
وبجانبه الوسام القديم المحروق…
بعد ما تم حفظه داخل إطار زجاجي.
اتنين جنب بعض.
الماضي…
والحاضر.
نزلت من على المسرح.
يوسف جري عليّ.
وقال وهو بيحضني:
“ماما…”
“أنا فخور بيكي.”
حضنته بقوة.
وهمست في ودنه:
“وأنا فخورة إن ربنا رزقني بابن عرف قيمة الكرامة وهو لسه طفل.”
خرجنا من القاعة.
الشمس كانت مشرقة.
والهواء هادئ.
بصيت للسماء…
وافتكرت كل لحظة وجع عدت بيها.
واكتشفت إن أصعب المعارك…
مش اللي بتكون في ميادين القتال.
أصعب معركة…
هي إن الإنسان يحافظ على كرامته…
حتى لو وقف لوحده.
تمت.
