عيون رائف حكـايـات أسمـا ×4
الجزء الحادي عشر
فضلت واقفة قدام باب العناية المركزة وأنا حاسة إن رجلي مش شايلاني.
الأطباء دخلوا يجروا.
والممرضات قفلوا الباب.
والجهاز اللي كان بيطلع الصوت المتواصل كان بيشق قلبي مع كل ثانية.
مسكت الصورة بإيدي بقوة.
كنت ببص للراجل الرابع.
وشه كان مألوف.
مش مألوف علشان أعرفه…
لكن مألوف كأني شفته قبل كده.
رائف وقف جنبي.
وبص للصورة.
ملامحه اتغيرت فجأة.
قلت بسرعة:
“إنت تعرفه؟”
ما ردش.
فضل ساكت ثواني طويلة.
وبعدين قال:
“شوفت الصورة دي قبل كده.”
لفيت ناحيته بسرعة.
“فين؟”
قال:
“في مكتب أبويا.”
الكلمة وقعت عليا بغرابة.
“يعني إيه؟”
رائف أخد نفس عميق.
“أبويا كان بيحتفظ بصورة قديمة في خزنته.”
“نفس الصورة دي.”
“لكن كان قاطع الجزء اللي فيه الراجل الرابع.”
بصيتله بعدم استيعاب.
“ليه؟”
هز رأسه.
“معرفش.”
“ولما سألته زمان… قالي إن في ناس لازم تفضل منسية.”
إبراهيم كان لسه واقف بعيد.
لكن أول ما سمع كلام رائف…
ابتسم.
وقال:
“أبوك كان أذكى منكم كلكم.”
رائف بصله بغضب.
“تقصد إيه؟”
رد إبراهيم بمنتهى الهدوء:
“لأنه عرف الحقيقة.”
“وعرف إن الراجل اللي في الصورة…”
سكت لحظة وهو بيبصلي.
“…ما ماتش.”
حسيت إن أنفاسي وقفت.
قلت:
“إزاي؟”
إبراهيم ضحك ضحكة قصيرة.
“إنتوا عايشين خمسة وعشرين سنة على كذبة.”
“كل البلد فاكرة إنه مات.”
“وهو كان بيتفرج عليكم من بعيد.”
رائف قرب منه خطوة.
“اسمه.”
إبراهيم هز رأسه.
“لأ.”
“الاسم تمنه غالي.”
في اللحظة دي خرج الدكتور من أوضة العناية.
جريت عليه.
قلت بلهفة:
“بابا عامل إيه؟”
الدكتور خلع الكمامة.
وقال:
“الحمد لله… قدرنا نرجع النبض.”
دموعي نزلت من الفرحة.
لكن الدكتور كمل:
“للأسف دخل في غيبوبة.”
“ومش هنقدر نعرف إمتى هيفوق.”
رجعت أبص لباب الأوضة.
كنت حاسة إن الحقيقة كانت على بعد كلمة واحدة.
وضاعت.
وأنا واقفة، افتكرت الورقة اللي كانت جوه الظرف.
لحد اللحظة دي…
أنا ما قريتهاش.
فتحتها بسرعة.
كانت مكتوبة بخط إيد بابا.
لكن بدل ما ألاقي عقود أو أرقام حسابات…
لقيت عنوانًا واحدًا فقط.
“فيلا الياسمين… الكيلو 47 طريق مصر – الإسكندرية الصحراوي.”
وتحت العنوان جملة قصيرة.
“الحقيقة كلها مدفونة تحت شجرة الزيتون.”
أنا ورائف بصينا لبعض في نفس اللحظة.
إبراهيم أول ما شاف الورقة في إيدي…
اتغير لون وشه لأول مرة.
واتحرك ناحيتي بسرعة وهو بيصرخ:
“إوعي تروحي هناك!”
عرفت وقتها…
إن المكان ده هو السر الحقيقي…
وإن كل اللي حصل من أول ما أحمد دخل حياتي…
كان مجرد طريق يوصلهم إليه.
الجزء الثاني عشر
أول ما إبراهيم صرخ: “إوعي تروحي هناك!”… عرفت إن الورقة اللي في إيدي أغلى من أي ثروة كانوا بيدوروا عليها.
رائف خطف الورقة من إيدي بسرعة، وطواها وحطها في الجيب الداخلي لبدلته، وفي نفس اللحظة رجال الأمن أحاطوا بإبراهيم بعد ما حاول يندفع ناحيتنا.
إبراهيم كان بيقاوم بعنف، لكنه ما كانش بيبص غير عليا.
وقال بصوت عالي:
“لو وصلتي للفيلا… هتموتي.”
رائف رد عليه ببرود:
“ولو ما وصلناش؟”
ابتسم إبراهيم.
“يبقى هتفضلوا عايشين في الكذبة.”
سكت لحظة.
وأضاف:
“وفي الحالتين… اللعبة انتهت.”
اقتادوه بعيدًا، لكنه فضل يضحك وهو ماشي.
الضحكة دي فضلت ترن في ودني حتى بعد ما اختفى من آخر الممر.
بصيت لرائف.
قلت:
“إحنا هنروح.”
هز رأسه.
“هنروح.”
“لكن مش دلوقتي.”
استغربت.
“ليه؟”
قال:
“لأن لو العنوان وصل لإبراهيم، يبقى أكيد وصل لناس تانية.”
“ولو روحنا من غير استعداد… هنمشي بنفسنا للفخ.”
وافقت وأنا مضطرة.
خرجنا من المستشفى قبل الفجر بساعة.
ركبنا العربية، لكن بدل ما نتجه للفيلا، رائف طلب من السواق يروح على مقره الخاص.
كان مبنى قديم من بره.
لكن أول ما دخلناه…
اكتشفت إنه أشبه بمركز عمليات.
شاشات مراقبة.
خرائط.
ملفات.
ورجال بيتحركوا في هدوء.
أحد الرجال قرب من رائف.
وقال:
“جمعنا كل المعلومات عن الفيلا.”
رائف طلب الملف.
بدأ يقلب الصفحات بسرعة.
وأنا قاعدة قدامه مستنية أي إجابة.
بعد دقائق، رفع عينه وقال:
“الفيلا دي مقفولة من واحد وعشرين سنة.”
“ومحدش دخلها رسميًا من وقتها.”
قلت:
“أمال بابا كتب عنوانها ليه؟”
رد:
“لأن حد كان بيدخلها.”
فتح صورة جوية للفيلا.
وأشار على نقطة في آخر الجنينة.
“شايفة المكان ده؟”
هزيت رأسي.
قال:
“الأرض هناك متقلبة حديثًا.”
“يعني في حد حفر من فترة قريبة.”
قلبي انقبض.
يعني حد سبقنا.
لكن رائف كمل:
“الحفر وقف قبل ما يوصل للي تحت.”
سألته:
“إنت عرفت منين؟”
ابتسم لأول مرة من ساعات.
“لأن اللي كان بيحفر… استعجل.”
“ولو كان وصل… ما كانوش فضلوا يدوروا ورا والدك.”
في الصباح خرجنا في موكب صغير.
ثلاث عربيات فقط.
رائف رفض ياخد عدد كبير من الحراسة.
وقال:
“كل ما العدد يزيد… كل ما نلفت النظر.”
بعد حوالي ساعة ونصف، وصلنا لطريق جانبي مليان أشجار.
وفي آخره ظهرت الفيلا.
كانت مهجورة.
السور مغطى باللبلاب.
والبوابة الحديد فيها صدأ.
لكن الغريب…
إن القفل كان مكسور.
بص رائف للقفل.
وقال بهدوء:
“في حد دخل قبلنا.”
دخلنا بحذر.
الفيلا من جوه كانت مليانة تراب.
الأثاث مغطى بالأقمشة.
وساعة الحائط واقفة على نفس التوقيت من سنين.
مشيت ورا رائف لحد ما خرجنا للجنينة الخلفية.
كانت واسعة جدًا.
وفي آخرها…
شجرة زيتون ضخمة.
نفس اللي كتب عنها بابا.
وقف رائف تحتها.
وقال:
“ابدأوا الحفر.”
بدأ الرجال يحفروا.
دقيقة.
اتنين.
عشرة.
وفجأة…
المعول خبط في حاجة صلبة.
نزل أحد الرجال بإيده.
وبعد لحظات…
طلع صندوق خشبي قديم.
كلنا قربنا.
كان عليه قفل نحاس.
ورغم مرور السنين…
كان لسه سليم.
مد رائف إيده يفتحه.
لكن قبل ما يلمسه…
سمعنا صوت تصفيق جاي من ورا.
لفينا كلنا في نفس اللحظة.
وكان في راجل واقف عند باب الجنينة.
لابس بدلة رمادي.
وشعره كله أبيض.
وبيبتسم بهدوء.
وقال:
“خمسة وعشرين سنة… وأنا مستني اللحظة دي.”
ثم بصلي مباشرة…
وقال:
“أخيرًا يا بنت شريكي… اتقابلنا.”
الجزء الثالث عشر
اتجمدت مكاني.
الرجل كان بيتكلم بثقة شخص داخل بيته، مش شخص متسلل لفيلا مهجورة.
كان في أواخر السبعينات، لكن وقفته مستقيمة، ونظرة عينيه ثابتة بشكل غريب.
ولا واحد من رجال الأمن اتحرك.
كلهم بصوا لرائف مستنيين أمره.
رائف قرب خطوة قدام.
وقال ببرود:
“عرفت إنك هتظهر.”
الرجل ابتسم.
“وأنا عرفت إنك هتوصل.”
بصيت لرائف بسرعة.
“إنت تعرفه؟”
قال من غير ما يبصلي:
“لأ.”
“لكن كنت متأكد إنه لسه عايش.”
الرجل ضحك ضحكة هادية.
“واضح إن أبوك كان أذكى منك يا رائف.”
وبعدين بصلي.
“إنتِ شبه أبوكي جدًا.”
الكلمة دي خلت قلبي يدق بعنف.
قلت:
“إنت مين؟”
فضل ساكت لحظة.
وبعدين قال:
“أنا اسمي فؤاد السيوفي.”
“وأنا الراجل اللي الناس كلها قالت إنه مات.”
اتسعت عيني.
ده نفس الاسم اللي بابا كان بيحاول يقوله قبل ما يدخل الغيبوبة.
نفس الشخص اللي في الصورة القديمة.
رائف قال بهدوء:
“ليه خبيت إنك عايش؟”
فؤاد حط إيده في جيبه، وطلع ساعة قديمة.
بص فيها ثواني.
وقال:
“لأن اللي مات…”
“كان اسمي.”
“مش أنا.”
ما فهمتش.
لكن رائف فهم.
سأله مباشرة:
“زورتوا شهادة الوفاة.”
ابتسم فؤاد.
“اضطرينا.”
“لو كنت فضلت عايش باسمي الحقيقي…”
“كانوا قت*لوني.”
أنا كنت حاسة إن كل إجابة بتفتح عشر أسئلة جديدة.
قلت:
“مين كانوا؟”
فؤاد بصلي طويلًا.
“الناس اللي بنت إمبراطوريتها على دم غيرها.”
ثم أشار للصندوق اللي خارج من تحت الأرض.
وقال:
“افتحوه.”
رائف ما اتحركش.
قال:
“قبل ما نفتحه… جاوب.”
“أحمد عامر كان شغال مع مين؟”
فؤاد رد من غير تردد:
“مع نفسه.”
“الولد كان طماع.”
“لكن الطمع خلاه لعبة في إيد ناس أكبر.”
سكت لحظة.
ثم كمل:
“أما إبراهيم…”
“فكان فاكر إنه بيلعب الشطرنج.”
“وماكانش يعرف إن في حد بيحرك الرقعة كلها.”
رجال الأمن فتحوا الصندوق بعد إشارة من رائف.
كلنا قربنا.
كنت متوقعة ألاقي سبائك دهب.
أو ملايين.
لكن اللي كان جواه…
كان مجموعة دفاتر جلد قديمة.
وملفات.
وشريط كاسيت.
ومظروف أبيض.
فؤاد ابتسم أول ما شافهم.
وقال:
“الحمد لله.”
“لسه مكانهم.”
رائف فتح أول دفتر.
كان مليان حسابات وأسماء وتوقيعات.
وفجأة…
وشه اتغير.
قلب بسرعة في باقي الصفحات.
وبعدين رفع عينه لفؤاد.
وقال:
“الدفاتر دي…”
فؤاد كمل عنه.
“بتثبت إن أكبر عشر شركات في البلد…”
“اتأسست بأموال مسروقة.”
الصمت نزل على المكان.
حتى الهوا وقف.
أنا كنت ببص للدفاتر ومش مستوعبة.
يعني السر اللي ناس ماتت عشانه…
ماكانش كنز.
كان الحقيقة.
وفؤاد بصلي بهدوء.
وقال:
“أبوك حافظ على الأمانة خمسة وعشرين سنة.”
“ودلوقتي…”
“الدور جه عليكي.”
وفي اللحظة دي…
رن موبايل رائف.
بص في الشاشة.
ولأول مرة من بداية معرفتي بيه…
ملامحه فقدت هدوءها.
رد بسرعة.
وسكت يسمع.
ثم قال بصوت منخفض:
“إزاي خرج؟”
قلبي انقبض.
أول ما قفل المكالمة…
بصلي.
وقال:
“أحمد عامر هرب من الحجز.”
ثم رفع عينه ناحية باب الفيلا.
وأضاف بهدوء أخطر من الصراخ:
“وهو جاي على هنا.”
يتبع