الفلاح الوسيم حكايات اسما السيد 5

لفصل الأخير — يارا… البنت اللي لعبت اللعبة من غير ما حد يشوفها فضل رياض واقف في المستودع، والموبايل في إيده، والرسالة قدام عينيه: “سامحني يا بابا… بس كان لازم أعملها قبل شريف.” قراها مرة. واتنين. وتلاتة. وبعدين رفع راسه ببطء. سارة كانت لسه حاضنة أختها وبتعيط. شريف واقف بعيد، وشه متغير. وفؤاد ساكت. قال شريف: — يارا عملت إيه؟ رياض ما ردش. مد له الموبايل. شريف قرأ الرسالة. وشه اتقلب.
— هي كمان؟ رياض أخد الموبايل منه. — واضح. شريف قال بعصبية: — يعني كانت بتضحك علينا كلنا؟ رياض رد: — ما نستعجلش. فؤاد ضحك بمرارة. — بعد اللي حصل كله، لسه بتقول ما نستعجلش؟ رياض بص له. — أكتر درس اتعلمته النهارده إني ما أحكمش من أول منظر. وسكت. — بدأت القصة بموظفة استقبال حكمت عليا من هدومي. وبص لشريف. — وأنا حكمت على ابني إنه مجرد طماع. ثم بص لفؤاد.
— وحكمت عليك إنك راجع تنتقم. وأخيرًا بص للموبايل. — يمكن يارا عندها سبب. شريف قال: — وهي بتشتري 18% من أرض الفندق من وراك؟ رياض رد: — هنسمع منها الأول. رجعوا الفندق. أول حاجة عملها رياض إنه طلع للدور الأخير. باب جناح يارا كان مفتوح. دخل. الأوضة فاضية. شنطتها مش موجودة. اللابتوب اختفى. لكن على الترابيزة كان فيه ظرف. مكتوب عليه: بابا. فتح. جواه مفتاح. وورقة. بدأ يقرأ. “لو بتقرا الرسالة دي، يبقى كل حاجة خرجت للنور أسرع مما كنت متوقعة.
أنا عارفة إن أول حاجة هتيجي في بالك إني خنتك. بس الحقيقة إني كنت بحاول أمنع شريف والمحامي من إنهم ياخدوا الأرض.” رياض وقف. شريف قرب. — كمّل. رياض كمل: “المحامي كان بيجهز عقد شراء مزيف يخلي الأرض تنتقل لشركة هو المتحكم الحقيقي فيها. اكتشفت ده من حوالي شهرين. ما قلتلكش لأن وقتها ما كنتش عارفة مين أثق فيه. شريف كان بيتحرك من وراك. المدير كان بيخبي ملفات. والمحامي كان ماسك كل أوراقك.
فاشتريت 18% من الأرض بنفسي عن طريق شركة جديدة علشان أي نقل كامل للملكية يبقى مستحيل من غير موافقتي.” شريف سكت. فؤاد قال: — يعني كانت بتحصن الأرض. رياض كمل: “أنا ما خدتش منك الأرض. أنا قفلت الباب قدامهم. ولو كنت قلتلك، كنت هتروح تواجه المحامي فورًا. وأنا كنت محتاجة أخليه يكمل للآخر.” رياض قعد. لأول مرة من ساعات، حس إن صدره وسع شوية. شريف قال: — هي كانت عارفة كل حاجة؟
رياض رد: — أكتر مننا. فتح باقي الرسالة. “عارفة إنك زعلان مني. وأنا أستحق زعلك لأني خبيت عنك. لكن لو كنت اخترت بين إنك تزعل مني وإنك تخسر تعب عمرك، كنت هختار زعلك كل مرة. المفتاح اللي في الظرف بيفتح درج خاص في مكتبي. جواه النسخ الأصلية للعقود اللي تثبت إن الشركة اللي اشترت الـ18% مملوكة ليا بالكامل، ومثبت فيها إن الحصة ترجع لك أو للمجموعة بمجرد انتهاء النزاع. يعني أنا ما أخدتش حاجة.
أنا بس شلتها بعيد عن النار.” رياض قفل عينيه. شريف قال بصوت واطي: — هي أذكى مننا. رياض فتح عينه. — بكتير. بعد ساعة، رجعت يارا بنفسها. دخلت المكتب. وقفت قدام أبوها. ما قربتش. قالت: — قرأت الرسالة؟ — أيوه. — زعلان؟ — جدًا. وطت عينها. — حقك. رياض سكت شوية. وبعدين قال: — ليه ما قولتيليش؟ — لأنك لو عرفت، كنت هتتصرف كأب. — وده غلط؟ — في الوقت ده؟ أيوه.
بص لها. قالت: — كنت هتروح لشريف. وتواجهه. وبعدين لفؤاد. وبعدين للمحامي. وكل واحد فيهم كان هيقفل الطريق اللي قدامه. رياض ما قدرش ينكر. قال: — كنتي لوحدك في ده كله؟ — لا. — مين كان معاكي؟ — أخت سارة. الكل بص لها. سارة قالت: — أختي؟ يارا هزت راسها. — هي اللي اكتشفت أول تحويل. أخت سارة قربت. قالت: — وأنا اللي دورت بعدها. يارا كملت: — لما فهمنا إن المحامي بيستخدم شريف وفؤاد، بدأنا نجمع الأدلة.
شريف قال: — وفضلتي ساكتة وأنا بغرق؟ يارا بصت له. — إنت كنت عايز تغرقنا كلنا علشان تثبت إنك تعرف تشتغل من غير بابا. شريف سكت. هي كملت: — أنا حاولت أكلمك مرة. — إمتى؟ — لما قلتلك ما توقعش أي ورق جديد. — وافتكرتك بتحاولي تسيطري. — لأنك طول الوقت شايفني منافسة. شريف وطى راسه. رياض قال: — كفاية. الكل سكت. قال: — كل واحد فيكم كان فاكر إنه أذكى واحد في الأوضة.
وسكت. — المحامي لعب بينا كلنا بسبب حاجة واحدة. شريف رفع عينه. — إيه؟ رياض رد: — إن محدش فينا كان بيكلم التاني بصراحة. خلال الأسابيع اللي بعدها، اتفتحت الملفات كلها. اتراجع نقل ملكية الفندق. واتجمدت العقود المشكوك فيها. واتكشفت التحويلات اللي كانت بتطلع من الحجوزات المخفية. والمدير اعترف إنه كان بياخد نسبة مقابل تنفيذ التعليمات. أما مدير الحسابات، فسلّم سجلات كاملة مقابل إنه يتعاون في التحقيق. والمحامي القديم… اتكشف إنه على مدار سنين كان بيستغل خلافات الشركاء، ويجمع توقيعات وصلاحيات تخليه يمسك بخيوط أكتر من شركة.
أما فؤاد… فاكتشف إن رياض فعلًا ما سرقوش. وإن الجزء اللي كان بيظنه ضاع، اتاخد منهما هما الاتنين. وفي يوم، قعد قدام رياض. قال: — عندي حق عندك. رياض رد: — عندك. فؤاد اتفاجئ. — بتقولها بسهولة؟ — لأن حقيقتنا القديمة وضحت. — وعايز تعمل إيه؟ رياض قال: — اللي كان المفروض أعمله من تلاتين سنة. طلع عقد. — نص قيمة الأرض القديمة بحساب عادل، بالإضافة لتعويض متفق عليه. فؤاد بص للعقد.
— أنا ما جيتش علشان فلوس بس. رياض رد: — عارف. مد إيده. — جيت علشان تعرف هل صاحبك سرقك ولا لأ. فؤاد بص له. وبعد لحظة، مد إيده. — طلع لأ. رياض ابتسم. — الحمد لله. أما شريف… فكان أصعب ملف. دخل على أبوه بعد شهر. من غير بدلة. من غير غرور. قال: — أنا عايز أمشي. رياض رفع عينه من الورق. — تمشي فين؟ — أبدأ من الصفر.
رياض سكت. شريف كمل: — إنت قلتلي لو أنا راجل أعمال بجد، أبني حاجة لوحدي. — وافتكرت. — أيوه. — وهتسيب كل حاجة؟ — هسيب منصبي. — وفلوسك؟ — دي حقي. رياض ابتسم. — أهو كده بدأت تتعلم. شريف ضحك لأول مرة. وقال: — ما تطمنش، أنا لسه طماع. رياض رد: — الطموح مش عيب. وسكت. — العيب تسرق الطريق بدل ما تمشيه. شريف هز راسه. ثم قال: — آسف.
رياض ما ردش فورًا. قال بعد لحظة: — خلي اعتذارك يبقى في اللي هتعمله بعد كده. يارا فضلت في الإدارة. لكن المرة دي رياض عمل حاجة ما كانش بيعملها. سيب لها القرار. فعلاً. مش شكليًا. وفي أول اجتماع بعد الأزمة، قال قدام مجلس الإدارة: — من النهارده، أي قرار تشغيلي يخص الفندق تحت مسؤولية يارا بالكامل. الناس سكتت. يارا بصت له. — متأكد؟ رياض رد: — لو مش متأكد، ما كنتش قلت.
ابتسمت. قال: — بس لو بوظتي الدنيا… ضحكت. — هرجعك البلد؟ رياض قال: — لأ. ابتسم. — هسيبك تصلحيها بنفسك. أما سارة… فضلت في الفندق. لكن اتغيرت. في أول يوم رجعت فيه على الاستقبال، دخل راجل بسيط بملابس متواضعة. وقف قدامها وقال: — لو سمحتي، عندكم أوضة؟ سارة بصت له. لثانية واحدة افتكرت رياض. ابتسمت. — طبعًا يا فندم. الراجل قال: — بس أنا عايز أعرف السعر الأول. ردت: — حاضر، وهقول لحضرتك كل الاختيارات المتاحة.
رياض كان واقف بعيد، بيراقب. يارا قالت له: — مبسوط؟ قال: — أيوه. — عشان اتعلمت؟ — لأ. — أمال؟ بص لسارة. — عشان أنا كمان اتعلمت. بعد شهور، رياض رجع الفندق بنفس الجلابية تقريبًا. من غير عربية فخمة. ومن غير موكب. دخل. سارة شافته. ابتسمت. قالت: — أهلًا يا فندم. رياض رفع حاجبه. — فندم؟ ضحكت. — ما ينفعش أقول يا فلاح دلوقتي. ضحك. — ليه؟ أنا فلاح فعلًا.
قالت: — بس مش أي فلاح. رد: — ولا أي حد بسيط يبقى أقل من حد. سكتت. قال: — دي أهم حاجة اتعلمتيها؟ هزت راسها. — أيوه. رياض قال: — كويس. ثم قرب من الرخام. — عندك أوضة؟ ضحكت. — حضرتك بتختبرني؟ — يمكن. فتحت النظام. — عندنا جناح ملكي. رياض قال: — غالي. — عندنا أوضة عادية. — أحسن. — حضرتك هتدفع؟ بص لها. — لا، خليها على حساب صاحب الفندق.
سارة ضحكت. — مين صاحب الفندق؟ رياض لف ناحية يارا اللي نازلة من السلم. قال: — اسأليها. يارا وصلت. — بتعمل إيه يا بابا؟ رياض قال: — بحجز أوضة. — في فندقك؟ ابتسم. — مش لوحدي. بص لشريف اللي دخل من الباب شايل شنطة صغيرة. يارا اتفاجئت. — إنت رجعت؟ شريف قال: — زيارة بس. فؤاد دخل وراه. قال: — وأنا كمان. سارة بصت للمشهد وضحكت. رياض قال: — أول مرة دخلت هنا كنت فاكر إني جاي أشوف أوضة.
وسكت. — طلع أنا جاي أشوف عيلتي كلها على حقيقتها. يارا قالت: — وندمت؟ رياض بص حواليه. بص لابنه. لبنته. لفؤاد. لسارة. وبعدين قال: — على حاجات كتير. وسكت لحظة. — لكن على دخولي الفندق بالجلابية؟ ابتسم. — ولا يوم. لأن الجلابية هي اللي خلت كل واحد يوريني هو شايف الناس إزاي. موظفة شافت فلاح. مدير شاف خطر. ابن شاف أب عجوز ينفع يتضحك عليه. بنت شافت أب لازم تحميه حتى من نفسه.
وصاحب قديم شاف خصم قبل ما يكتشف إنه صاحبه لسه. رياض رفع عينه للفندق. وقال: — الناس ما بتبانش لما تعرف إنت مين. سكت. — الناس بتبان لما تفتكرك ولا حاجة. تمت. الحكاية بدأت بجملة: “إنت يا فلاح… مكانك مش هنا.” وانتهت بأن الفندق كله عرف إن قيمة الإنسان عمرها ما كانت في هدومه، ولا عربيته، ولا حسابه في البنك… لكن في أصله، وأمانته، وطريقته مع اللي فاكره أضعف منه.
الحكاية الكاملة ✍️ الكاتبة أسما السيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *