اتحجزت في المستشفي حكـايـات أسمـا ×1
اتحجزت في المستشفى بعد حادثة مروعة… وفجأة الممرضة بصتلي وقالت: “إنت فاكرني؟”
الدنيا كلها سكتت في اللحظة اللي النقل التقيل دخل في الحارة المقابلة وسحق حياة أحمد الشاذلي عند ملف خطر على طريق القاهرة – الإسماعيلية.
قبلها بثانية واحدة كان أحمد سايق عربيته تحت شمس الظهر الدافية، فاتح الشباك سنة، بيدندن أغنية قديمة لعبد الحليم وبيفكر هيتغدى كشري ولا مشويات لما يوصل القاهرة.
وبعدها بثانية…
بقى فيه حديد متكسر وزجاج متناثر وصريخ مالي المكان.
صوت الخبطة كان كأنه السما نفسها اتشقّت نصين.
عربية أحمد لفت على الأسفلت أكتر من مرة قبل ما تخبط في الحاجز الجانبي وتتحول لكومة خردة جنب الطريق.
أما النقل التقيل فوقف على بعد أمتار والدخان طالع من الموتور.
حد صرخ يطلب إسعاف.
وحد تاني طلع موبايله وصوّر.
وطفل صغير في عربية قريبة انفجر في العياط.
لكن أحمد ما سمعش أي حاجة.
شاف نور أبيض.
بعده ضل.
وبعدين ظلام كامل.
ولما فتح عينيه تاني…
كان فات خمس أيام.
أول حاجة شافها كانت سقف أبيض.
تاني حاجة لمبة مستشفى.
أما تالت حاجة فكانت وش ست لابسة يونيفورم تمريض أزرق وعينيها مليانة دموع مستخبية وسوار فضة قديم في إيديها.
كانت واقفة جنب سريره كأنها مستنية اللحظة دي من سنين.
همست بصوت واطي:
“فاكرني؟”
أحمد حاول يتكلم لكن حلقه كان مولع نار.
راسه كلها شاش.
جسمه تقيل.
رجله اليمين متجبسة.
والوجع كان خارج من أعماق عظمه.
بصلها كام ثانية.
ملامحها مألوفة بشكل غريب.
كأنه شافها قبل كده.
لكن ذاكرته كانت متكسرة.
قطع متناثرة.
صور مشوشة.
أصوات بعيدة.
من غير أي حاجة كاملة.
قال بصعوبة:
“مفروض أكون فاكرك؟”
رمشت بعينيها.
وللحظة قصيرة جدًا ظهر وجع قديم على وشها.
لكنها ابتسمت بسرعة.
الابتسامة اللي الممرضات بيتعلموا يخفوا بيها وجعهم الشخصي.
وقالت:
“ولا يهمك… أنا سارة عبدالرحمن. وهكون المسؤولة عن متابعتك.”
قفل أحمد عينيه من التعب.
هو ما كانش عارف هي مين.
والأسوأ إنه ساعات ما كانش متأكد حتى هو مين.
بعدها الدكاترة شرحوله إنه عاش بمعجزة.
كسر في عظمة الفخذ.
ضلوع مكسورة.
نزيف داخلي.
ارتجاج شديد في المخ.
وإصابات كانت ممكن تنهي حياته على الطريق.
كلهم كانوا بيقولوا نفس الكلمة:
“إنت محظوظ.”
لكن أحمد كان شايفها كلمة قاسية.
لأنه ما كانش حاسس إنه محظوظ.
كان حاسس إنه محبوس جوه جسم مش بتاعه.
قبل الحادثة كان ميكانيكي معروف في مدينة نصر.
صاحب ورشة صغيرة.
عنده 34 سنة.
إيده شاطرة.
وحياته بسيطة.
ومتعود يحل كل مشاكله بنفسه.
كان بيصلح العربيات.
يساعد جيرانه.
يشيل قطع الغيار الثقيلة لوحده.
عمره ما كان غني.
ولا مشهور.
بس كان دايمًا حاسس إنه شخص ليه قيمة.
دلوقتي بقى محتاج حد يساعده يقعد.
ويشرب مية.
ويحرك رجله.
وده كان بيوجعه أكتر من أي كسر.
أخته ندى كانت عايشة في الإسكندرية.
وأول ما عرفت سافرتله.
عيطت لما شافته.
مضت أوراق.
واتكلمت مع الدكاترة.
لكن عندها بيت وشغل وطفلين ومقدرتش تفضل معاه طول الوقت.
أصحابه في الورشة بعتوا ورد ورسايل.
ووعدوا يزوروه.
لكن أغلبهم ما جاش.
الشخص الوحيد اللي كان موجود كل يوم…
كانت سارة.
كانت تيجي بدري قبل ما الشمس تدخل من شباك المستشفى.
تقيس الضغط.
تظبط المخدة.
تقربله المية قبل ما يطلبها.
وتعرف إنه بيتوجع حتى لو ما اشتكاش.
كان فيه حاجة غريبة في نظراتها.
ما كانتش شفقة.
كانت ذكريات.
وفي يوم وهي بتغير المحلول.
أحمد شاور على السوار الفضة اللي في إيديها.
كان قديم.
مستهلك.
واضح إنه بقاله سنين معاها.
وقال:
“الإسوارة دي شكلها مهمة عندك.”
بصتلها.
وقالت بهدوء:
“جداً.”
“حد جابهالك؟”
رفعت عينيها ناحيته.
وكان في نظرتها حزن هادي.
وقالت:
“إنت.”
أحمد حس إن الأوضة كلها بتلف.
“أنا؟”
“أيوه… من زمان.”
“مش فاكر.”
ابتسمت بحزن.
“عارفة.”
نزل بعينيه للأرض وهو حاسس بإحراج شديد.
“آسف.”
هزت راسها.
“ما تعتذرش على إصابة في دماغك.”
لكن الليلة دي أحمد ما عرفش ينام.
السؤال فضل يلف في دماغه بين المسكنات والوجع.
إزاي يكون جابلها إسوارة وهو مش فاكرها؟
وليه بتعتني بيه بالشكل ده؟
وليه عينيها كل ما تبصله تبان كأنها شايلة عمر كامل من الحكايات؟
وأهم من كل ده…
إيه الجزء من حياته اللي ضاع على الطريق يوم الحادثة؟
الفصل الثاني
في الليلة دي أحمد ما نامش.
كل ما يغمض عينه يشوف لمحات سريعة.
شارع قديم.
مطر.
محل إكسسوارات صغير.
بنت واقفة بتضحك.
ثم الصورة تختفي قبل ما يقدر يمسكها.
كان يحاول يجمع الذكريات كأنها قطع زجاج مكسور.
لكن كل ما يقرب من حاجة.
تتبخر.
…
الصبح.
دخلت سارة الأوضة كعادتها.
شايلة ملف العلاج وكوب مية.
لكن أول ما شافته صاحي.
عرفت إنه ما نامش.
الهالات تحت عينيه كانت واضحة.
…
قال لها مباشرة:
“إحنا كنا نعرف بعض منين؟”
سارة توقفت مكانها.
واضح إنها كانت متوقعة السؤال.
لكنها ما كانتش مستعدة له.
…
قالت بهدوء:
“ارتاح دلوقتي.”
…
ابتسم بمرارة.
“بقالك أسبوع بتقولي ارتاح.”
“وأنا كل يوم بصحى بأسئلة أكتر.”
…
سكتت.
ثم قربت من السرير.
وعدلت المحلول.
وقالت:
“فيه حاجات أحسن تتفتكر لوحدها.”
…
قال:
“وفيه حاجات لازم حد يقولها.”
…
لأول مرة.
رفعت عينيها وبصت له مباشرة.
…
وفي اللحظة دي.
شاف نفس النظرة تاني.
نفس الوجع القديم.
…
لكن قبل ما تتكلم.
دخل الدكتور.
وانتهى الكلام.
…
بعد الظهر.
أخته ندى وصلت.
وجابت له هدوم جديدة وعصير.
وقعدت جنبه شوية.
…
وفجأة سألها:
“تعرفي ممرضة اسمها سارة عبدالرحمن؟”
…
ندى استغربت.
وقالت:
“لا.”
“أول مرة أسمع الاسم.”
…
سكت شوية.
ثم قال:
“هي تعرفني.”
…
ندى ضحكت.
“أنت مشهور يا أحمد.”
“يمكن كانت عميلة عندك.”
…
لكن أحمد كان حاسس إن الموضوع أكبر.
بكتير.
…
في نفس الليلة.
صحى على صوت خافت.
…
الساعة كانت قرب اتنين الفجر.
…
فتح عينيه ببطء.
ولقى سارة قاعدة على الكرسي جنب الشباك.
…
مش بتشتغل.
مش بتكتب حاجة.
…
بس قاعدة.
ساكتة.
…
أحمد اتفاجئ.
وقال:
“إنتِ لسه هنا؟”
…
سارة انتبهت فجأة.
واضح إنها ما كانتش حاسة إنه صاحي.
…
وقفت بسرعة.
وقالت:
“كنت براجع الملفات.”
…
كذبة سيئة جدًا.
حتى هي نفسها عرفت إنها كذبة.
…
قال أحمد:
“قاعده تبصيلي من ساعة كام؟”
…
سكتت.
…
ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة.
وقالت:
“من زمان.”
…
الجملة خرجت منها قبل ما تفكر.
…
ولما سمعتها.
اتوترت فورًا.
…
لكن أحمد ثبت عينيه عليها.
…
وقال:
“من زمان يعني إيه؟”
…
وفي اللحظة دي.
رن جهاز الاستدعاء الخاص بالممرضات.
…
وكأن القدر أنقذها.
…
استدارت بسرعة.
وقالت:
“هكلمك بعدين.”
…
وخرجت.
…
لكن وهي خارجة.
وقع شيء صغير من جيبها على الأرض.
…
أحمد انتظر لحد ما الباب اتقفل.
ثم مد إيده بصعوبة.
…
وسحب الشيء ناحية السرير.
…
كان صورة قديمة.
…
الصورة مهترئة من كثرة الاستعمال.
واضح إنها بقالها سنين في محفظة أو جيب.
…
ولما قلبها.
شعر أن قلبه توقف.
…
لأن الصورة كانت له.
…
هو.
…
لكن الأصغر سنًا.
يمكن من عشر سنين.
…
واقف جنب بنت.
…
بنت تضحك.
وشعرها طويل.
وعينيها مليانة حياة.
…
وكانت سارة.
…
وعلى ظهر الصورة.
مكتوب بخط يد واضح:
“أجمل يوم في حياتي.”
…
وتحت الجملة.
تاريخ قديم.
…
وتوقيع صغير.
…
“سارة.”
…
أحمد ظل يحدق في الصورة دقائق طويلة.
…
وعقله يحاول يربط أي شيء.
أي ذكرى.
أي مشهد.
…
ثم فجأة.
ضربه صداع عنيف.
…
وصورة واحدة ظهرت في دماغه.
…
نفس البنت.
…
تبكي.
…
وهو واقف قدامها.
…
ويقول لها جملة واحدة.
…
جملة جعلت قلبه ينقبض رغم أنه لا يتذكر باقي المشهد.
…
“سامحيني يا سارة… بس لازم أمشي.”
…
ثم اختفت الذكرى.
وعاد الظلام من جديد.
يتبع…