غادر زوجي حكـايـات أسمـا ×1

غادر زوجي جناح العرسان في الساعة 10:16 مساءً، وما زالت آثار أحمر شفاهي مرسومة على شفتيه، بينما كان اسم امرأة أخرى يضيء شاشة هاتفه.

بقيت جالسة على حافة السرير الملكي داخل الجناح الرئاسي في أحد أفخم فنادق الساحل الشمالي، وما زلت أرتدي فستان زفافي العاجي الذي استغرقت خمس خياطات أكثر من ثلاثة أشهر في تطريزه يدويًا.

كانت الورود البيضاء تزين كل زاوية في الغرفة.

وزجاجة الشمبانيا الفاخرة لا تزال مغلقة داخل الدلو الفضي.

وخلف النوافذ الزجاجية، كانت أمواج البحر تنعكس عليها أضواء القمر، وكأنها تعلم أن شيئًا انكسر في تلك الليلة.

أمامي وقف كريم الشاذلي يعدل ربطة عنقه الحريرية السوداء التي اشتريتها له خلال رحلتنا إلى إيطاليا.

اهتز هاتفه مرة أخرى.

ياسمين.

ذلك الاسم أضاء وجهه بطريقة لم يفعلها وجهي يومًا.

ارتسمت على شفتيه ابتسامة حنونة تمنيتها لنفسي سنوات، لكنها كانت دائمًا من نصيب امرأة أخرى.

قرأ الرسالة، ثم قال ببرود:

— ياسمين تعبانة نفسيًا… لازم أروح لها.

نظرت إليه غير مصدقة.

— رايح فين؟

أجاب بلا اكتراث، وكأنه يخبرني أن الجو هيبقى أبرد الليلة:

— على شقتها.

قالها ببساطة…

وكأن ترك زوجته في ليلة زفافهما أمر عادي.

كانت ياسمين منصور صديقة عمره.

أو هكذا كان يصفها دائمًا.

الفتاة التي تحتاج إليه في كل مناسبة.

في أعياد ميلادها.

في الأعياد.

أثناء سفره.

إذا مرضت.

والآن…

في ليلة زفافنا.

نظرت إلى خاتم الزواج في إصبعي، وشعرت وكأنه أصبح أثقل من أن أستطيع حمله.

قلت له بهدوء:

— إحنا متجوزين من ست ساعات بس.

تنهد بضيق.

لم يبدُ نادمًا.

بدا فقط منزعجًا لأنني أعطل خروجه.

قال:

— بلاش تبدأي يا سارة.

لم ينادني باسم الدلع الذي كان يستخدمه كلما احتاج إلى تحويل مالي، أو توصية لرجل أعمال، أو حل مشكلة في شركته.

ناداني باسمي الكامل.

سارة.

ذلك الاسم الذي كان يستخدمه كلما أراد أن يضع بيننا حاجزًا.

قال إن ياسمين ليس لها أحد.

وأن المناسبات الكبيرة تزيد حالتها النفسية سوءًا.

وأن هذه الليلة صعبة عليها أيضًا.

وكأن ليلة زفافنا كانت مأساة تخصها هي.

في الخارج، كان آخر الضيوف يغادرون بسياراتهم الفاخرة.

حضر زفافنا كبار رجال الأعمال والمشاهير.

الجميع كان يصفنا بالثنائي المثالي.

لكن أحدًا لم يكن يعلم أن كريم استخدم اسمي العائلي سلّمًا صعد به إلى القمة.

ولم يعلموا أنه كان يتصرف في أموال شركتي وكأنها ملكه.

ولا أن بدلته الأنيقة، وسيارته، ومكانته الاجتماعية… كلها دفعت ثمنها أنا.

اسمي سارة الشاذلي.

أبلغ من العمر أربعًا وعشرين عامًا.

أنتمي إلى واحدة من أكبر العائلات الاستثمارية في مصر.

شعري بني داكن، وعيناي خضراوان، وأعشق البدلات السوداء، وقلادات اللؤلؤ، والأناقة الهادئة التي تهزم الجميع دون ضجيج.

التقيت بكريم عندما كان مجرد موظف صغير في شركة مقاولات كانت على وشك الإفلاس.

أنا من قدمته لكبار المستثمرين.

وأنا من فتحت له كل الأبواب.

وأدخلته اجتماعات لم يكن يحلم بحضورها.

ثم شاهدته ينسى من صنعه.

نظر إليّ بحدة وقال:

— مش هتقولي حاجة؟

كان يعرفني جيدًا.

كان يتوقع أن أبكي.

أن أتشبث به.

أن أرجوه ألا يرحل.

سارة القديمة كانت ستفعل ذلك.

المرأة التي كانت تنتظره حتى الثالثة فجرًا.

وتراقب حسابات ياسمين على مواقع التواصل بحثًا عن إجابة.

وتسامح كل إهانة على أمل سماع كلمة حب.

لكن تلك المرأة ماتت…

في مكان ما بين عقد زواجنا، وأول اهتزاز لهاتفه.

نزعت خاتم الزواج ببطء.

لاحظ ذلك فورًا.

تصلب وجهه.

وضعت الخاتم بجوار كأس الشمبانيا الذي لم يُلمس.

ثم قلت كلمة واحدة:

— امشِ.

نظر إليّ بدهشة.

كان ينتظر الدموع.

أو الصراخ.

أو مشهدًا هستيريًا يستخدمه فيما بعد ليقنع الجميع أنني زوجة غيورة ومسيطرة.

لكنه لم يكن مستعدًا للصمت.

قال باستهزاء:

— إيه اللعبة دي؟

أجبته بهدوء:

— دي مش لعبة.

ثم ابتسم بثقة وقال:

— أنا جوزك، ومن النهارده هتبقي باسم عيلتي. وما تنسيش حاجة يا سارة… الست اللي بحبها هي ياسمين.

كان يظن أن تلك الجملة ستحطم قلبي.

لكنها أنهت كل شيء بداخلي.

وقفت.

رفعت طرف فستاني قليلًا.

ثم قلت:

— يبقى روح للست اللي بتحبها.

نظر إليّ باحتقار وقال:

— بكرة هتندمي على اللي بتعمليه.

تأملته لثوانٍ.

كان يرتدي بدلة ثمنها نصف مليون جنيه، اشتريتها أنا.

وشركة والده لم تكن لتستمر يومًا واحدًا لولا العقود التي حصل عليها بواسطتي.

كان مجرد رجل صدق أن التاج الذي يرتديه ملكٌ له.

قلت بهدوء:

— لا يا كريم… بكرة هو أول يوم في ندمك.

أغلق الباب بعنف.

اهتزت الورود البيضاء.

وبعد دقيقة، شاهدت أضواء سيارة أستون مارتن التي أهديتها له تختفي خارج الفندق.

لأول مرة منذ بداية الليلة…

تنفست بعمق.

ثم خلعت فستان زفافي بنفسي.

سقط الحجاب أولًا.

ثم الأقراط الماسية.

ثم القفازات الحريرية.

وتحت الفستان…

كنت أرتدي بدلة سوداء مفصلة بإتقان.

كان يظن أنني ارتديتها من أجل حفل الزفاف.

لكنه لم يكن يعلم أنني ارتديتها أيضًا من أجل الحرب.

في الساعة 10:30 مساءً دخلت المكتب الخاص الموجود في نهاية الجناح.

مكان لم يدخله كريم يومًا.

كان يعتقد أنه غرفة أحتفظ فيها بذكريات أمي الراحلة.

لكن خلف مكتبة خشبية مخفية، كانت توجد خزنة بيومترية، وأجهزة حاسوب مشفرة، ومركز التحكم الرئيسي لمجموعة الشاذلي القابضة.

التقطت هاتفي واتصلت بـ محمود العزازي.

الرجل الوحيد الذي كان يعرف الحقيقة كاملة.

رد من أول رنة.

قلت:

— ابدأوا عملية الزجاج.

لم يُبدِ أي دهشة.

وقال فقط:

— تحت أمرك يا فندم.

لم يقل: يا مدام كريم.

ولا: يا زوجة الأستاذ كريم.

قال:

— يا رئيسة.

اللقب الذي لم يكن زوجي يعلم أنه يخصني.

أمرت بتجميد جميع البطاقات البنكية المرتبطة بثروتي.

وأمرت بإخلاء قصر العائلة قبل الفجر.

الخدم.

السيارات.

اللوحات.

الخزائن.

كل شيء اشتُري بأموال عائلة الشاذلي.

ثم أصدرت قرارًا بإلغاء جميع العقود مع شركة الشاذلي للمقاولات قبل ظهر اليوم التالي.

والبدء فورًا في إجراءات الاستحواذ عليها.

سأل محمود:

— ونعمل إيه مع كريم؟

نظرت إلى خاتم الزواج الملقى فوق المكتب.

ثم ابتسمت وقلت:

— سيبوه يستمتع بليلة زفافه.

في الخارج…

ظل البحر هادئًا.

أما داخل الجناح…

فكانت الشموع لا تزال مشتعلة لزواج انتهى قبل أن يبدأ.

وفي تلك اللحظة…

كان كريم يعتقد أنني أبكي وحدي بين الورود البيضاء.

ولم يكن يعلم أنه مع شروق الشمس…

لن يتبقى له شيء.
الفصل الثاني: أول صباح في الجحيم

في الساعة السادسة وخمس دقائق صباحًا…

استيقظ كريم الشاذلي على صوت رنين هاتفه.

فتح عينيه ببطء داخل شقة ياسمين، وابتسم وهو يتذكر أنه ترك زوجته الجديدة وحدها في ليلة زفافها.

مد يده إلى الهاتف وهو يتوقع رسالة اعتذار من سارة.

لكن الشاشة أظهرت اسم مديره المالي.

رد بضيق:

– خير يا عماد؟

جاءه الصوت مرتبكًا:

– يا فندم… في مشكلة كبيرة.

اعتدل في جلسته.

– مشكلة إيه؟

– كل الحسابات البنكية الخاصة بالشركة اتجمدت.

قطب حاجبيه.

– مستحيل.

– دي الحقيقة… حتى حسابك الشخصي عليه إيقاف.

جلس كريم بالكامل.

– أكيد عطل في البنك.

– كلمنا ثلاثة بنوك… كله متجمد.

أنهى المكالمة وهو يحاول إقناع نفسه أن الأمر مجرد خطأ.

لكن هاتفه رن مرة أخرى.

مدير الموارد البشرية.

– أيوة؟

– يا باشمهندس… عقود مجموعة الشاذلي اتلغت بالكامل.

سكت للحظة.

– إيه؟

– وصلنا إشعار رسمي من كل الشركات التابعة للمجموعة… كل التعاقدات انتهت.

بدأ قلبه يدق بسرعة.

خرج من غرفة النوم وهو يبحث عن مفاتيح سيارته.

ياسمين خرجت من المطبخ وهي ترتدي قميصًا أبيض واسعًا.

ابتسمت وقالت:

– صباح الخير.

لكنه لم يرد.

سألته:

– مالك؟

قال بعصبية:

– لازم أمشي.

وصل إلى موقف السيارات أسفل العمارة.

ضغط زر فتح الأستون مارتن.

لم تستجب.

كرر المحاولة.

ولا شيء.

اقترب حارس الجراج وقال باحترام:

– آسف يا فندم… العربية اتسحبت من الفجر.

استدار نحوه بغضب.

– مين يجرؤ يعمل كده؟

أخرج الحارس ورقة رسمية.

– أمر استرداد ملكية.

قرأ الاسم أسفل الورقة.

مجموعة الشاذلي القابضة.

لأول مرة…

شعر بانقباض حقيقي في صدره.

استقل سيارة أجرة واتجه إلى الفيلا التي كان يعيش فيها.

لكن عندما وصل…

تجمد مكانه.

البوابة مفتوحة.

شاحنات نقل ضخمة تقف بالخارج.

الخدم يخرجون الأثاث.

اللوحات اختفت.

السيارات اختفت.

حتى الأشجار النادرة التي كانت تزين المدخل كانت تُنقل بعناية.

ركض نحو الباب.

– إنتوا بتعملوا إيه؟

اقترب منه رجل يرتدي بدلة رمادية.

– صباح الخير يا أستاذ كريم.

– مين حضرتك؟

– المستشار القانوني لمجموعة الشاذلي.

ناولَه ظرفًا أبيض.

فتح الظرف بعصبية.

وجاء في السطر الأول:

“نظرًا لأن جميع الممتلكات مسجلة باسم مجموعة الشاذلي القابضة، فقد تقرر استردادها اعتبارًا من الساعة الخامسة صباحًا.”

بدأت يداه ترتجفان.

دخل إلى الفيلا.

كانت شبه فارغة.

صدى خطواته وحده يملأ المكان.

حتى المكتب الذي كان يجلس عليه اختفى.

صرخ:

– فين حاجتي؟

رد أحد العمال بهدوء:

– كل حاجة اتشرت بأموال المجموعة يا فندم.

جلس على الأرض لأول مرة منذ سنوات.

كان يحاول استيعاب ما يحدث.

رن هاتفه مرة أخرى.

هذه المرة…

والده.

– كريم… أنت عملت إيه؟

– في إيه يا بابا؟

– البنك رفض يمول الشركة… والموردين وقفوا الشغل… والعمال بيهددوا بالإضراب.

أغلق الهاتف دون رد.

وفي نفس اللحظة…

كانت سارة الشاذلي تدخل مقر مجموعة الشاذلي القابضة.

لم تكن ترتدي فستان زفاف.

بل بدلة سوداء أنيقة.

ورفعت شعرها في كعكة بسيطة.

دخلت قاعة الاجتماعات.

وقف أكثر من ثلاثين مديرًا تنفيذيًا فور دخولها.

قالت بهدوء:

– صباح الخير.

أجاب الجميع بصوت واحد:

– صباح الخير يا فندم.

وضعت ملفًا أمامها.

ثم قالت:

– نبدأ أول بند.

فتح محمود العزازي الملف.

– الاستحواذ على شركة الشاذلي للمقاولات.

سأل أحد المديرين:

– نسبة النجاح؟

ابتسم محمود.

– مية في المية.

قالت سارة بثبات:

– النهارده هنسترد حقنا… بالقانون.

وفي تلك اللحظة…

كان كريم يقف وسط الفيلا الفارغة، يدرك للمرة الأولى أنه لم يكن يملك شيئًا.

كل ما كان يظنه ثروة…

كان مجرد امتياز سمحت له به المرأة التي خانها.

ولم يكن يعلم…

أن الضربة التالية ستكون أقسى بكثير…

الفصل الثالث: الضربة التي لم يتوقعها

في تمام التاسعة صباحًا…

دخل كريم الشاذلي مقر شركته بخطوات سريعة، يحاول أن يبدو واثقًا رغم الليلة التي قلبت حياته رأسًا على عقب.

لكن شيئًا كان مختلفًا.

لا أحد من الموظفين وقف لتحيته.

ولا أحد ابتسم.

حتى موظف الاستقبال الذي كان يناديه كل صباح:

“صباح الخير يا باشمهندس.”

اكتفى هذه المرة بإيماءة صغيرة ثم خفض عينيه.

تجاهل كريم الأمر وصعد إلى الطابق الأخير.

ضغط زر مكتبه التنفيذي.

ظهرت رسالة على الشاشة:

“تم إلغاء صلاحية الدخول.”

ضرب الزر مرة أخرى بعصبية.

نفس الرسالة.

في تلك اللحظة اقترب منه رجل أمن لم يره من قبل.

قال بأدب:

— حضرتك الأستاذ كريم؟

أجابه بضيق:

— أيوه.

— آسف يا فندم… صدر قرار بمنع حضرتك من دخول أي مكتب تابع للشركة.

انفجر غاضبًا.

— شركة إيه دي؟ دي شركتي!

وقبل أن يكمل…

انفتح باب قاعة الاجتماعات الكبرى.

وخرج منها أعضاء مجلس الإدارة واحدًا تلو الآخر.

كانوا ينظرون إليه بصمت.

ثم ظهرت سارة.

بدلتها السوداء الأنيقة جعلتها تبدو كرئيسة تنفيذية لا كعروس لم يمض على زفافها سوى ساعات.

توقفت أمامه.

لا دموع.

لا انكسار.

ولا حتى غضب.

مجرد هدوء أربكه أكثر من أي صراخ.

قال ساخرًا:

— خلصتي المسرحية؟

ابتسمت ابتسامة صغيرة.

— لسه بدأت.

رفع صوته:

— إنتِ فاكرة إنك تقدري تطلعيني من شركتي؟

فتحت محمود العزازي الملف الذي يحمله، ثم سلمه ورقة.

— اتفضل… اقرا.

أخذها بعصبية.

وبدأت ملامحه تتغير مع كل سطر.

جميع الأسهم التي كان يظن أنها باسمه…

كانت مملوكة لصندوق استثماري تابع لمجموعة الشاذلي.

هو لم يكن سوى المدير التنفيذي بعقد قابل للإلغاء.

قال بصوت متقطع:

— مستحيل…

قالت سارة بهدوء:

— كنت بتوقع قبل ما تقرأ.

رفعت ملفًا آخر.

— وده عقد الفيلا.

ثم آخر.

— وده عقد العربية.

ثم آخر.

— وده حسابات الشركة.

ثم نظرت في عينيه وقالت:

— كنت فاكر إن كل ده ملكك… مع إنه كان مجرد أمانة.

اقترب خطوة منها وقال بغضب:

— إنتِ عملتي ده عشان روحت أطمن على ياسمين؟

أجابته دون أن تهتز نبرة صوتها:

— لا.

سكتت لحظة.

ثم أكملت:

— عملته لأنك أثبت إنك ما تستحقش أي حاجة اديتهالك.

ساد الصمت.

وفجأة دوّى صوت تصفيق من آخر القاعة.

استدار كريم.

كان والده.

الحاج فؤاد الشاذلي.

اقترب ببطء وهو ينظر إلى ابنه بخيبة أمل.

ثم قال:

— أنا اللي غلطت… لما خليتك تصدق إن الفضل ليك.

نظر كريم إليه مذهولًا.

— بابا…

قاطعه والده.

— الحقيقة إننا كنا هنفلس من خمس سنين… ولولا سارة وعيلتها، ما كانش لينا اسم في السوق.

شعر كريم بأن الأرض تميد تحت قدميه.

كل الصورة التي رسمها لنفسه انهارت في دقائق.

لكن الصدمة الحقيقية لم تكن قد جاءت بعد.

دخلت سكرتيرة سارة مسرعة.

— يا فندم… الخبر نزل.

سألتها سارة:

— كل القنوات الاقتصادية نشرته؟

— أيوه.

فتحت السكرتيرة شاشة كبيرة داخل القاعة.

ظهر عنوان عاجل:

“مجموعة الشاذلي القابضة تعلن إنهاء جميع الشراكات مع شركة الشاذلي للمقاولات بسبب إعادة الهيكلة الإدارية.”

خلال دقائق…

بدأ هاتف كريم يرن بلا توقف.

شريك ينسحب.

مورد يطالب بمستحقاته.

عميل يلغي مشروعًا.

وبنك يرفض تجديد التسهيلات الائتمانية.

وقف عاجزًا وهو يشاهد إمبراطوريته الصغيرة تتهاوى أمام عينيه.

ثم رفع رأسه نحو سارة وقال لأول مرة بنبرة لم تعرفها منه:

— سارة… نتكلم.

نظرت إليه للحظة.

ثم قالت ببرود:

— الكلام كان امبارح بالليل.

لما سيبت عروستك ومشيت.

أما النهارده…

فبقى دور القانون يتكلم.

استدارت وغادرت القاعة.

وبقي كريم واقفًا وحده…

يحمل في يده أوراقًا تثبت أنه لم يكن يومًا صاحب السلطة التي تباهى بها.

وفي الخارج…

كان الصحفيون يتجمعون أمام المبنى.

ولم يكن أي منهم يعلم…

أن خلال ساعة واحدة فقط…

ستخرج إلى العلن صورة واحدة، كفيلة بإنهاء ما تبقى من سمعة كريم الشاذلي.
الفصل الرابع: الصورة التي أسقطت القناع

في الساعة العاشرة وثماني دقائق صباحًا…

توقفت عشرات سيارات القنوات الإخبارية أمام مقر مجموعة الشاذلي القابضة.

الكاميرات في كل مكان.

والصحفيون يتسابقون لمعرفة سبب الانهيار المفاجئ لشركة الشاذلي للمقاولات.

داخل القاعة…

كان كريم يمسك هاتفه بيدين مرتجفتين.

ظهرت أول رسالة.

“هل صحيح إن مجموعة الشاذلي أنهت شراكتها معاكم؟”

ثم الثانية.

“فيه كلام إنك اتعزلت من منصبك.”

ثم الثالثة.

“نرجو الرد قبل النشر.”

وخلال دقائق…

بدأت المواقع الاقتصادية تنشر الخبر.

لكن الخبر الذي حطمه لم يكن عن الشركة.

بل عن صورة.

صورة التقطتها كاميرات الفندق ليلة الزفاف.

ظهر فيها كريم وهو يغادر الجناح في العاشرة وست عشرة دقيقة مساءً.

وبجواره حقيبة صغيرة.

ثم صورة ثانية…

وهو يدخل العمارة التي تسكن فيها ياسمين بعد أقل من نصف ساعة.

لم تكن هناك أي تعليقات من سارة.

ولا أي تصريح.

مجرد توقيتات موثقة.

والناس تكفلت بالباقي.

امتلأت مواقع التواصل بالتعليقات.

“ساب عروسته ليلة الفرح!”

“إزاي يعمل كده؟”

“واضح إن كل الكلام عن الخيانة كان حقيقي.”

جلس كريم على أقرب كرسي وهو يشعر بأن الهواء يختفي من حوله.

رن هاتفه.

كانت ياسمين.

رد بعصبية:

– إنتِ شايفة اللي بيحصل؟

قالت بصوت مرتجف:

– الصحفيين تحت البيت… وأنا مش عارفة أخرج.

صرخ فيها:

– بسببك ضاع كل حاجة!

سكتت لحظة.

ثم قالت ببرود لم يسمعه منها من قبل:

– بسببي؟

أنا طلبت منك تيجي ليلة فرحك؟

إنت اللي اخترت.

وأغلقت الخط.

نظر إلى الهاتف غير مصدق.

حتى هي…

بدأت تتخلى عنه.

في نفس الوقت…

كانت سارة تقف داخل مكتبها الواسع.

دخل محمود العزازي ووضع ملفًا جديدًا أمامها.

قال:

– باقي خطوة واحدة.

فتحت الملف.

كان يحتوي على كل التحويلات المالية التي خرجت من شركاتها إلى شركات كريم خلال السنوات الماضية.

مبالغ بمئات الملايين.

كلها موثقة.

قال محمود:

– نرفع الدعوى النهارده؟

أغلقت الملف بهدوء.

– لا.

تعجب.

– ليه؟

ابتسمت ابتسامة خفيفة.

– لأنه لسه فاكر إن اللي خسره فلوس.

رفع حاجبه.

فأكملت:

– وأنا لسه ما بدأتش أخليه يحس بقيمة اللي ضيعه.

في تلك اللحظة…

دخلت سكرتيرتها.

– يا فندم… والد الأستاذ كريم برة، وعايز يقابل حضرتك.

صمتت سارة لثوانٍ.

ثم قالت:

– دخليه.

دخل الحاج فؤاد بخطوات بطيئة.

كان يبدو أكبر من عمره بعشر سنوات.

وقف أمامها وقال بصوت مكسور:

– أنا جاي أعتذر.

نظرت إليه باحترام.

– حضرتك مالكش ذنب.

هز رأسه.

– بالعكس… أنا اللي ربيت ابني على إنه يستحق كل حاجة… ونسيته يقول شكرًا للي وقفوا جنبه.

تنهد ثم أخرج ظرفًا صغيرًا.

– ده مفتاح المكتب القديم بتاعه… وكل الأوراق اللي كانت معاه.

حط الظرف على المكتب وقال:

– لو في يوم قدرتي… سامحي راجل عجوز غلط في تربية ابنه.

خرج بهدوء.

وبقيت سارة تنظر إلى الظرف.

لم تفتحه.

ولم تشعر بالشماتة.

فهي لم تكن تحارب والده…

بل كانت تسترد حقها ممن خانها.

وفي الجهة الأخرى…

كان كريم يجلس وحده داخل سيارته الأجرة.

بطاقاته البنكية لا تعمل.

شركته تنهار.

وياسمين أغلقت هاتفها.

وفجأة…

وصلته رسالة قصيرة من رقم مجهول.

“الساعة السادسة مساءً… هتوصلك آخر مفاجأة. استعد.”

قرأ الرسالة أكثر من مرة.

ولأول مرة…

شعر بالخوف الحقيقي.

لأنه أدرك أن سارة الشاذلي لم تكن تنتقم بانفعال…

بل كانت تنفذ خطة أعدتها بدقة.

وأن أسوأ ما في الأمر…

أنها لم تنتهِ بعد.
يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *