ساره حكايات أسما ×3

قبل ما سامح يلحق ينزل يلم الورق…
كنت انحنيت بالفعل.
مسكت العقد.
وبصيت في أول سطر.
العنوان كان عنوان بيت أهلي.
نفس البيت اللي اتربينا فيه.
البيت اللي أمي كانت تقول عمره ما هيتباع.
رفعت عيني لسامح.
وقلت بهدوء:
“إيه ده؟”
اتوتر.
ومد إيده بسرعة.
“دي أوراق قديمة.”
لكن المحامي كان أسرع.
خد العقد من إيده.
وبدأ يقرأ.
كل ثانية كانت بتعدي…
لون وش سامح بيتغير.
وفجأة المحامي رفع رأسه.
وقال:
“العقد ده معمول من أسبوع.”
سكت لحظة.
ثم كمل:
“ومكتوب فيه إن البائع هو الأستاذ محمود.”
أمي قامت من مكانها.
وقالت بذهول:
“إزاي؟”
“أبوكم من شهرين ماخرجش من البيت إلا للمستشفى.”
المحامي قلب الصفحة.
ثم عقد حاجبيه.
“والتوقيع…”
بص للعقد مرة تانية.
“غريب.”
سامح قال بسرعة:
“الأستاذ محمود هو اللي وقع.”
لكن في اللحظة دي…
باب أوضة العناية اتفتح.
وأبويا كان سامع آخر الجملة.
قال بصوت متعب:
“أنا…”
وسكت وهو بياخد نفسه.
ثم قال بوضوح:
“عمري ما شفت العقد ده.”
الصمت نزل على الممر كله.
داليا صرخت:
“بابا… إنت تعبان ومش فاكر.”
لكن أبويا هز رأسه.
“أنا فاكر كويس.”
وأشار ناحية العقد.
“ودي مش إمضتي.”
المحامي قرب من السرير.
وحط العقد قدامه.
أبويا بص له ثواني.
ثم قال:
“دي إمضاء متقلدة.”
أمي حطت إيدها على بقها.
“يا ساتر.”
أما سامح…
فبدأ العرق ينزل من جبينه.
قال وهو بيتلعثم:
“أكيد حصل سوء تفاهم.”
لكن المحامي طلع من الملف ورقة تانية.
كانت فيها نماذج من توقيعات أبويا الرسمية.
حطها جنب العقد.
وقال بهدوء:
“في اختلاف واضح.”
ثم بص لسامح.
“مين اللي عمل العقد ده؟”
سامح ما ردش.
داليا اتدخلت بسرعة.
“أكيد موظف غلط.”
لكن المحامي قال:
“دي مش غلطة موظف.”
“دي محاولة نقل ملكية.”
ثم أضاف وهو ينظر إلى سامح مباشرة:
“ودي جري..مة.”
سامح رجع خطوة لورا.
وقال:
“أنا ماليش دعوة.”
“أنا مجرد نفذت تعليمات.”
الممر كله سكت.
أنا حسيت إن قلبي هيقف.
المحامي سأله:
“تعليمات مين؟”
سامح بلع ريقه.
وبص ناحية داليا.
ثانية واحدة…
لكنها كانت كفاية.
داليا صرخت فيه:
“بتبصلي ليه؟”
سامح نزل عينه في الأرض.
وقال بصوت مكسور:
“أنا… أنا كنت باخد أوامري من الأستاذة داليا.”
الجملة وقعت على المكان كأنها انفجار.
أمي رجعت لورا وهي مش مصدقة.
وقالت:
“داليا… الكلام ده صح؟”
داليا هزت رأسها بعنف.
“كداب.”
لكن سامح كان خلاص انهار.
قعد على أول كرسي قابله.
وقال:
“قالتلي إن الأستاذ محمود موافق… وإنها هتبقى المالكة الوحيدة للبيت… وإن الورق لازم يخلص قبل ما يغير رأيه.”
أبويا قفل عينيه من شدة الصدمة.
ولما فتحهم…
كان فيهم دموع لأول مرة أشوفها.
وقال بصوت مخنوق:
“أنا ما ظلمتش سارة بس…”
وسكت لحظة.
“…أنا ربيت واحدة كانت مستعدة تبيع بيت أبوها وهو لسه عايش.”
الكلمات خرجت من فم أبويا كأنها كسرت آخر حاجة كانت واقفة جواه.

أما داليا…

فضلت واقفة مكانها.

وشها شاحب.

لكنها ما انهارتش.

بالعكس…

رفعت راسها وقالت ببرود:

“أيوه… كنت هبيع البيت.”

بصتلها أمي كأنها أول مرة تشوفها.

وقالت:

“إنتِ اتجننتي؟”

ردت من غير تردد:

“وأستفيد إيه لما أفضل مستنية؟”

“البيت قديم… والأرض تمنها دلوقتي ملايين.”

“وأصلًا كله هيبقى بتاعي.”

أبويا قاطعها بصوت ضعيف لكنه حاسم:

“مين قال كده؟”

قالت وهي بتنفخ بضيق:

“إنت طول عمرك بتقول إن كل حاجة ليا.”

سكت لحظة.

ثم كملت:

“أنا عملت اللي اتعودت عليه.”

الجملة دي وقعت على أبويا كأنها صفعة.

لأنه لأول مرة…

فهم إن اللي حصل ماكانش بسبب طمع داليا وحدها.

كان نتيجة سنين كاملة من التفرقة.

هو اللي زرع.

والنهارده…

بيحصد.

المحامي قفل الملف وقال:

“أنا مضطر أبلغ حضرتك إن المستندات دي لازم تتحفظ.”

سامح رفع راسه فجأة.

وقال بسرعة:

“أنا معايا كل النسخ.”

كلنا بصيناله.

قال وهو بيحاول يخفف عن نفسه:

“وفيه تسجيلات… ورسائل… وكل التعليمات كانت محفوظة.”

داليا جريت ناحيته.

وقالت وهي بتصرخ:

“اسكت!”

لكنه كان خلاص فقد أعصابه.

“أنا مش هشيل الليلة لوحدي.”

“كل مرة كنت أقولك ده غلط… تقولي متخفش.”

ثم أخرج موبايله من جيبه.

وفتحه.

وقال للمحامي:

“كل المحادثات موجودة.”

مداله الموبايل.

بدأ المحامي يقلب فيه.

وفجأة…

وقف عند رسالة صوتية.

شغلها.

وانتشر صوت داليا في الممر كله.

“خلص الورق بسرعة… قبل ما أبويا يغير رأيه أو يكتب حاجة لسارة.”

أمي حطت إيديها على ودانها.

وصرخت:

“كفاية…”

أما أنا…

ماكنتش مصدقة إن دي أختي.

أختي اللي كنت أفتكر إن أقصى حاجة ممكن تعملها إنها تجرحني بكلمة.

طلعت مستعدة تاخد بيت أبوها…

وتحرم أختها وولادها من أي حق.

أبويا طلب من المحامي يقرب.

وقال بصوت متعب:

“اكتب.”

المحامي فتح دفتره.

“أنا محمود عبدالحميد… ألغي أي توكيل صادر لسامح اعتبارًا من اللحظة دي.”

“وأمنع أي تصرف في أي مال أو عقار إلا بحضور بنتي سارة والمحامي.”

سامح هز رأسه وقال:

“حاضر.”

ثم أكمل أبويا:

“وداليا…”

رفع عينه ناحيتها.

كانت واقفة تبكي لأول مرة.

لكن دموعها ماحركتش فيه حاجة.

قال:

“من النهارده… هتتحملي نتيجة كل قرار خدتيه.”

وفجأة…

ملك دخلت الممر وهي ماسكة إيد آدم.

كانت خارجة تدور عليّ.

وقفت قدام سرير جدها.

وقالت ببراءة:

“جدو… إنت هترجع البيت؟”

أبويا بص لها.

ثم فتح دراعه بصعوبة.

قربت منه.

حضنها وهو بيبكي.

وقال:

“لو رجعت…”

“…أول سفرة هتكون ليكم.”

ملك ابتسمت.

وقالت بعفوية:

“بس إحنا مش عايزين ناكل قبل حد.”

“إحنا عايزين ناكل كلنا سوا.”

الجملة الصغيرة دي…

خلت كل اللي في الممر ينزلوا راسهم.

لأن الطفلة اللي اتقال لها قبل ساعة إنها تعيش على البواقي…

كانت هي الوحيدة اللي لسه قلبها يعرف معنى العيلة.
قبل ما حد يتكلم…
فضلت ملك واقفة جنب سرير جدها، وإيديها الصغيرة ماسكة في طرف الغطا.
أبويا كان بيبصلها ودموعه بتنزل في صمت.
قال لها بصوت مبحوح:
“تسامحيني يا حبيبتي؟”
ملك بصتلي الأول.
كأنها بتستأذنني.
وبعدين بصت له وقالت:
“أنا زعلت… بس ماما قالت اللي بيفهم غلط ممكن يتعلم.”
الكلمة هزته.
رفع إيده وربت على شعرها.
أما آدم…
فقرب هو كمان.
وقال بهدوء أكبر من سنه:
“أنا مش زعلان علشان الأكل.”
كلنا بصينا له.
كمل:
“أنا زعلان إنكم كنتوا فاكرين إن إحنا أقل.”
الممر كله سكت.
حتى الدكاترة اللي كانوا معديين وقفوا لحظة.
أبويا دفن وشه في إيده.
وأول مرة في حياتي أشوفه بيبكي بالشكل ده.
بعد ساعة…
الدكتور خرج وقال إن حالته استقرت، لكن لازم يقعد كام يوم تحت الملاحظة.
رجعنا البيت.
بيتي الصغير.
شقتي اللي كنت دايمًا أسمع إنها “ما تليقش” ببنتهم.
أول ما دخلنا…
آدم حط شنطته على الكنبة.
وقال:
“ماما… أنا جعان.”
ابتسمت.
ودخلت المطبخ.
طلعت الفراخ اللي كنت جايباها لأهلي.
والرز.
والمحشي.
وسخنتهم.
قعدنا حوالين السفرة التلاتة.
قبل ما ناكل…
ملك قالت:
“هو ينفع ندعي لجدو؟”
قلت:
“أكيد.”
رفعنا إيدينا.
ودعينا له بالشفا.
وفي اللحظة دي…
حسيت إن السفرة الصغيرة دي فيها راحة أكتر من أي عزومة كبيرة دخلتها في حياتي.
تاني يوم الصبح…
صحيت على خبط شديد على الباب.
فتحت.
لقيت جارنا.
واقف وهو بيقول:
“في عربية نقل كبيرة واقفة تحت.”
استغربت.
نزلت.
لقيت العربية محملة بأثاث.
وتلاجة.
وغسالة.
وسفرة خشب.
وسواق واقف ماسك ورقة.
أول ما شافني سأل:
“حضرتك الأستاذة سارة؟”
قلت:
“أيوه.”
اداني الظرف.
فتحته.
كان فيه جواب بخط أبويا.
“يا سارة…
أنا عارف إن الحاجات دي عمرها ما هتعوضك عن سنين الوجع.
لكن دي حاجات كنت شاريها لداليا من شهور، ولسه ما استلمتهاش.
دلوقتي… أنا شايف إن أول بيت محتاجها هو بيتك.
يمكن أكون اتأخرت.
بس نفسي ألحق أصلح حاجة قبل ما أمشي.”
وقفت مكاني.
والدموع نزلت من غير ما أحس.
في نفس اللحظة…
وقفت عربية داليا قدام العمارة.
نزلت منها بسرعة.
وأول ما شافت العمال بينزلوا الأثاث…
صرخت:
“الحاجات دي بتاعتي!”
العمال بصوا لبعض.
ثم بصوا للورقة اللي معاهم.
وقال كبيرهم بهدوء:
“إحنا بننفذ تعليمات صاحب الفاتورة.”
داليا جريت ناحيتي.
وقالت بانفعال:
“رجعيهم.”
طيّت الجواب بهدوء.
وبصيت في عينيها لأول مرة من غير خوف.
وقلت:
“زمان… كنت هرجعهم.”
سكت لحظة.
ثم كملت:
“لكن المرة دي… أنا هاخد حقي.”
ولأول مرة…
لفت داليا حواليها.
ولقت كل جيران العمارة واقفين في البلكونات.
وكلهم شافوا المشهد…
وشافوا مين اللي كان بياخد كل حاجة…
ومين اللي عاش عمره كله مستني البواقي.
يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *