خي*انه تحت بند الحب أسمـا السـيد 2
خرجت من المطبخ وأنا سامعة صوت نفسه ورايا بيتقطع، ماكنتش محتاجة أبص له علشان أعرف شكله. كريم كان من النوع اللي يقدر يتحمل إنك تزعقي، تشتمي، تكسري طبق، تعيطي على الأرض، لكن ماكانش يقدر يتحمل إنك تبقي هادية. الهدوء كان بيخلّيه يشوف نفسه من غير مرايا مزيفة. كان بيكرهه لأنه بيكشف له إنه مش محور الكون، وإن الست اللي فضل سنوات يتعامل معاها كأنها ضمان أبدي، عندها باب تقدر تقفله في وشه من غير ما إيدها تترعش. مشيت ناحية مكتبي وسبت المحامي وحسام يكملوا الكلام الرسمي معاه. صوت كريم بدأ يعلى في الصالة، مرة يقول إن فيه سوء تفاهم، ومرة يقول إن ده مال مشترك، ومرة يهدد إنه هيطلع يتكلم عني قدام الناس، وإنه يعرف أسراري، وإنه قادر يهد كل اللي بنيته. ضحكت وأنا واقفة قدام مكتبي. أسراري؟ أنا ماكانش عندي أسرار تخوفني. تعبي كان قدام الناس. فشلي كان قدام نفسي. دموعي كانت على مخدتي، لكن عمرها ما كانت عار. أما هو، فكان كله أسرار مبنية على فلوس غيره. فتحت اللابتوب وراجعت الإيميل اللي مها كانت بعتاهولي قبل عشر دقايق. المرحلة الأخيرة بدأت فعلًا. إيميلات قانونية للبنك، إشعارات رسمية لشركات التأجير، بلاغ مبدئي عن استخدام بطاقات الشركة في مصاريف شخصية، وإخطار لمجلس إدارة الشركة باجتماع طارئ. كل حاجة ماشية زي ساعة سويسرية. يمكن ده السبب اللي خلّى كريم يفتكرني باردة. هو عمره ما فهم إن التنظيم مش برود. التنظيم كان طريقتي الوحيدة ما انهارش. طول شهور وأنا كل يوم أصحى جنبه، أعمل قهوة، أسمع كذبة جديدة، أشوف رسالة طالعة على شاشة موبايله، وأقرر ما أواجهوش. مش لأن المواجهة كانت صعبة، لكن لأن المواجهة من غير دليل بتخلي الخاين ممثل بارع. وكان كريم ممثل ممتاز. لو كنت واجهته بدري، كان هيحضنني ويقول إني مضغوطة. كان هيقلب الترابيزة ويخليني أنا الشكاكة، المتسلطة، الست اللي النجاح خلاها قاسية. لذلك سكت. سكتت وأنا بجمع ورقة فوق ورقة، وصورة بعد صورة، لحد ما بقيت مش محتاجة أرفع صوتي. الحقيقة لما تبقى كاملة، ما بتحتاجش صراخ. بعد نص ساعة دخل المحامي مكتبي وقال إن كريم رفض يوقع على أي محضر استلام أو خروج من البيت، وإنه بيطلب فرصة يتكلم معايا على انفراد. هزيت راسي من غير ما أرفع عيني من الشاشة وقلت له لا. قال بهدوء إن ده المتوقع، وإنه الأفضل نخلي كل التواصل من خلاله. وافقت. بعدها بثواني سمعت صوت باب الصالة بيتقفل بعنف. كريم خرج. لأول مرة من سنين، الفيلا بقت هادية فعلًا. مش هدوء بارد، لكن هدوء بيت أخيرًا خرج منه شخص كان بيسحب الهواء من غير ما أحس. قعدت على الكرسي، ولأول مرة من الصبح إيدي اترعشت. مش من الخوف. من الهبوط. أحيانًا الإنسان يفضل قوي لحد ما الخطر يخرج من الباب، وساعتها بس جسمه يفتكر إنه كان واقف وسط حريق. دخلت مها بعد ساعة تقريبًا، رغم إني ما طلبتش منها تيجي. كانت لابسة بدلة رمادي وشايلة ملفين وكوب قهوة. حطت القهوة قدامي وقالت بهدوء: من غير سكر زي ما بتحبي لما تكوني عايزة تركزي. بصيت لها وابتسمت. مها ماكانتوش مجرد مساعدة. كانت شاهدة على كل نسخة مني. شافتني وأنا ببني الشركة، وأنا بجري بين الاجتماعات والموردين والبنوك، وشافتني وأنا بدي كريم صلاحيات أكتر مما يستحق لأنني كنت مؤمنة إن الجواز شراكة مش منافسة. قالت لي: هو خرج بعربيته؟ قلت: عربيته؟ دي عربية الشركة. ابتسمت وقالت: عارفة. عشان كده السائق مستنيه عند البوابة ياخدها منه. لأول مرة ضحكت من قلبي. مش ضحكة شماتة، ضحكة ست تعبت وشافت حد تاني فاهم تفاصيل المعركة معاها. وبعد دقائق، شفت من الكاميرات كريم واقف عند البوابة، بيزعق في السائق، والسائق واقف مؤدب جدًا يقول له إن التعليمات من الإدارة وإن العربية لازم ترجع الجراج. كان المشهد كاشف لدرجة موجعة. كريم اللي كان من ساعة بيكلمني عن حب عمره الحقيقي، واقف دلوقتي ماسك مفاتيح عربية مش بتاعته، قدام بيت مش بتاعه، وخايف من حياة مش عارف يعيشها من غير فلوس مش فلوسه. أخد تاكسي في الآخر. وفضل دقيقة كاملة قبل ما يركب، يبص للفيلا كأنه بيودع مملكة كان فاكرها باسمه. مها وقفت جنبي وقالت: هيحاول يرجع من باب العيلة. قلت: عارفة. قالت: وحماتك؟ قلت: هتيجي قبل المغرب. مها بصتلي باستغراب. سألتني: إنتِ عارفة؟ قلت: أكيد. أم كريم مش هتسيب ابنها يتبهدل لوحده. وبالفعل، قبل المغرب بساعة، البوابة الخارجية سجلت وصول سيارة سوداء. حماتي، الحاجة عفاف، نزلت منها وهي شايلة شنطة جلد فاخرة، ووشها عامل زي الناس اللي داخلة محكمة وهي مقتنعة إن القاضي ابن عمها. دخلت من غير ما تستأذن، كعادتها، وقعدت في الصالون كأن البيت بيتها. أنا نزلت لها بعد عشر دقائق. ما كنتش عايزة أستعجل. التأخير أحيانًا بيربي الناس أكتر من الكلام. أول ما شافتني قالت بصوت عالي: إيه اللي بتعمليه في ابنك يا ياسمين؟ ابنك؟ الكلمة وقفت في الهوا. ابتسمت وقلت: تقصدي ابنك إنتِ يا حاجة عفاف. قالت: كريم غلط، وكل الرجالة بتغلط. لكن الست العاقلة تستر بيتها. قعدت قدامها بهدوء وقلت: والراجل العاقل ما يسرقش بيت الست اللي سترته. اتنرفزت وقالت إن الفلوس غيرتني، وإنني من يوم ما شركتي كبرت وأنا شايفة نفسي على جوزي، وإن الراجل مهما وقع لازم مراته تفضل في ضهره. سيبتها تتكلم. كانت بتقول كل الجمل المحفوظة اللي الستات اتربوا يسمعوها كأنها قرآن اجتماعي. اصبري. استحملي. الراجل نزوة. البيت أهم. ما تفضحيش نفسك. كل الجمل اللي معناها الحقيقي: موتي بالراحة علشان شكل العيلة يفضل سليم. لما خلصت، فتحت الملف اللي كان جنبي وطلعت صورة واحدة. صورة كريم وفريدة في مطار القاهرة، رايحين دبي، على حساب الشركة. حطيتها قدامها. وشها اتغير، لكنها لم تستسلم. قالت: يمكن رحلة شغل. حطيت الصورة التانية. فندق. الثالثة. عقد شقة. الرابعة. تحويلات. ومع كل ورقة، صوتها كان بينخفض درجة. في الآخر قالت بضعف: برضه ماينفعش تخربي بيته. قلت: هو خربه يا حاجة عفاف. أنا بس فتحت الشبابيك علشان الريحة تطلع. بصتلي بكره واضح وقالت: فاكرة نفسك كسبتي؟ الراجل لما بيقع بيرجع يقوم. لكن الست المطلقة مهما كانت غنية، الناس بتفضل تبص لها إنها ناقصة. الكلمة وجعتني؟ زمان كان ممكن. لكن في اللحظة دي حسيت إن الجملة صغيرة جدًا، أصغر من إنها تجرحني. قلت لها: أنا كنت ناقصة وأنا معاه. ناقصة احترام، ناقصة أمان، ناقصة صدق. الطلاق مش هينقصني أكتر من كده. قامت وهي بتترعش من الغضب وقالت إنني هاندم، وإن كريم هيعرف ياخد حقه. قلت لها وهي عند الباب: خليه يبدأ بحقوق الناس اللي خد فلوسهم الأول. خرجت وهي بتدعي عليا بصوت مسموع. قفلت الباب وراها، وطلعت أوضتي. هناك بس، قدام دولاب هدومي، لقيت الروب الأوف وايت لسه عليّ. لمسته بإيدي. كان كريم جابهولي من دبي في رحلة قال لي وقتها إنها شغل، واكتشفت بعد شهور إن فريدة كانت معاه في نفس الفندق. قلعت الروب ورميته في شنطة التبرعات. في اليوم التالي، الدنيا انفجرت. مش لأنني نشرت حاجة، أنا ماكنتش محتاجة أنشر. لكن الناس اللي حوالي كريم شمّوا ريحة الدم قبل ما القضية تبدأ رسميًا. البنك اتصل به، الشركاء اتصلوا به، فريدة اتصلت بصاحبتها، وصاحبتها اتصلت بواحدة تعرف واحدة تعرف مها، وفي خلال ساعات، النص التاني من القاهرة كان عارف إن كريم اللي كان بيظهر في الحفلات كزوج سيدة الأعمال الناجحة، طلع بيصرف من حساباتها على عشيقته. وأنا؟ أنا رحت الشركة في معادي كأن اليوم عادي. لبست بدلة بيضاء، رفعت شعري، ودخلت اجتماع مجلس الإدارة الساعة عشرة بالضبط. كان في العيون أسئلة كتير. بعضهم كان متعاطف، وبعضهم فضولي، وبعضهم مستني يشوف هل الست اللي اتخانِت هتنهار ولا هتبدأ تقطع رقاب. فتحت الاجتماع وقلت: الأستاذ كريم لم يعد له أي صلاحية إدارية أو مالية داخل المجموعة، وكل التوقيعات المشتركة تم إلغاؤها من صباح اليوم. أي تعامل سابق يراجع قانونيًا. اللي عنده سؤال يوجهه للإدارة القانونية. وبعدها فتحت بند التوسعات الجديدة. نعم، التوسعات. لأن أكبر خطأ كنت ممكن أعمله هو أن أسمح لخيانته تبقى عنوان حياتي. الشركة ماكانتش ذنبها إن جوزي طلع رخيص. والموظفين اللي فاتحين بيوت ماكانوش مسؤولين عن قلبي المكسور. اشتغلت اليوم كله. وقعت عقود، قابلت موردين، راجعت خطة فرع الإسكندرية، وابتسمت في صور صحفية مع فريق التسويق. لكن لما رجعت البيت بالليل، التعب نزل عليّ مرة واحدة. البيت كان كبير قوي. أكبر من اللازم. كل ركن فيه فيه ذكرى أو كذبة. الكنبة اللي قالي عليها إنه بيحب يقعد عليها جنبي، نفس الكنبة اللي اكتشفت إنه كان يراسل فريدة منها وأنا نايمة فوق. السفرة اللي استضفنا عليها أهله، وكانت أمه تمدح طبخي وهي عارفة على الأقل ببعض خيانته. السلم اللي كان ينزل عليه متعطر قبل ما يقول إنه عنده اجتماع. وقفت في النص وقلت لنفسي بصوت مسموع: ده بيتي أنا. كررتها تاني. ده بيتي أنا. مش بيت خيانة. مش متحف جواز فاشل. مش قبر. وفي نفس الليلة اتصلت بمهندسة ديكور وقلت لها: عايزة أغير كل حاجة. استغربت وقالت: كل حاجة؟ قلت: كل حاجة لمسها وهو فاكرها مضمونة. بعد يومين، كريم بعت أول رسالة طويلة. كتب إنه تعبان، وإنه ماكنش يقصد يجرحني، وإنه اتخدع في فريدة، وإنه اكتشف إنها مش بتحبه بجد، وإنه محتاج يقابلني نص ساعة. مسحت الرسالة من غير رد. بعدها بعت: عشر سنين ما يتهدوش برسالة من محامي. ضحكت. عشر سنين؟ الغريب إن الخاين لما يحتاجك يفتكر يحسب السنين، لكن وهو بيخونك يحسب الليالي بس. في اليوم الرابع، وصلني استدعاء من محاميه لجلسة تسوية ودية. وافقت، مش علشان أتصالح، لكن علشان أسمعه وهو يحاول يبيع نسخة جديدة من نفسه. دخلت مكتب المحاماة في الزمالك، لقيته قاعد بلحية نامية وقميص مكوي نص كوي، عامل دور الراجل المظلوم المكسور. لما شافني وقف. كان في عينه لمعة أمل غريبة، كأنه تخيل إنني لما أشوفه متبهدل هأحن. يا لثقة الرجال في حنان النساء حتى بعد ما يذبحوه. قعدت من غير ما أسلم. بدأ المحامي بتاعه كلام عن العِشرة والسمعة وحماية الطرفين. ثم قال إن كريم مستعد يترك الفيلا والسيارات مقابل تسوية مالية عادلة. سألت بهدوء: عادلة لمين؟ كريم بصلي وقال: ياسمين، أنا شاركتك سنين. قلت: شاركتني في إيه؟ في القلق؟ في القروض؟ في أول سنة كنت بدفع مرتبات الموظفين من دهبي؟ في الليالي اللي كنت نايمة فيها على مكتب الشركة؟ أنت شاركتني الصور لما النجاح بقى جاهز. وشه احمر وقال: ماينفعش تمسحي دوري. قلت: دورك محفوظ. في ملف القضية. محاميه تدخل بسرعة وقال إن التصعيد مش في مصلحة حد. ابتسمت وقلت: بالعكس، في مصلحتي جدًا. أنا لا أبحث عن فضيحة. أنا أبحث عن استرداد أموال، وإثبات تزوير، وإغلاق أي باب يرجع منه موكلك يطالب بما لا يملك. كريم ضرب الترابيزة بإيده وقال: أنا كنت جوزك! قلت: ودي كانت أكبر صلاحية خدتها في حياتك وأسأت استخدامها. الصمت وقع على المكتب. بعدها قال بصوت أوطى: أنا حبيتك فعلًا. هنا حسيت بشيء يتحرك جوايا. مش ضعف. حزن. لأن أسوأ ما في العلاقات المؤذية إن فيها لحظات حقيقية. ربما كان يحبني يومًا. ربما ضحكنا بصدق. ربما لم تكن كل ذكرى كذبة. لكن الحقيقة المؤلمة إن الحب الذي لا يحميك من طمع صاحبه يتحول مع الوقت إلى عبء. قلت له: يمكن. وأنا كمان حبيتك. لكنني لن أترك نسخة قديمة من قلبي توقع شيكات لحاضرك الفاسد. انتهت الجلسة بلا اتفاق. وبعد أسبوعين، بدأت الإجراءات الرسمية. كريم حاول يهاجمني بطريقته. سرب للناس إنني كنت متسلطة، إنني منعته من الإنجاب لأنني مشغولة بالشركة، إنني كنت أتعامل معه كموظف. وصلتني التسجيلات من ناس كانوا فاكرين إنهم بيواسوني، لكنهم في الحقيقة كانوا يطعمون النار. لم أرد. كان عندي قاعدة: لا تدخلي معركة كلامية مع رجل لا يملك مستندات. المستندات تكفي. وبعد شهر، ظهرت فريدة. لم تأتِ لتعتذر. جاءت لتساوم. قابلتني في كافيه صغير في التجمع، بناءً على طلبها. كنت عايزة أشوفها مرة واحدة من غير صور ولا فلاتر ولا ظل كريم بيننا. دخلت وهي لابسة نظارة كبيرة ووشها مرهق. قعدت وقالت: أنا ماكنتش أعرف إن الفلوس فلوسك. قلت: لكنك كنت عارفة إنه متجوز. سكتت. ثم قالت: هو قال إنكم منفصلين عاطفيًا. ضحكت بسخرية خفيفة: منفصلين عاطفيًا بس عادي يصرف من حسابي؟ قالت بارتباك: أنا غلطت. بس هو كدب عليا كمان. بصيت لها طويلًا. كانت صغيرة، لكن ليست بريئة بالكامل. الإنسان ممكن يتخدع، لكن الخداع لا يعيش شهورًا إلا لو كان الضمير نايم أو مستفيد. قالت إن كريم يهددها، وإنه يطلب منها تشهد إنني كنت عارفة بكل التحويلات، وإنها لو رفضت هينشر صورها. هنا فقط تغيرت نظرتي. لأن كريم، كالعادة، لما يقع، يستخدم أي ست قريبة منه كدرع. قلت لها: عندك دليل على تهديده؟ أخرجت موبايلها ورسائل صوتية. سمعتها، وكان صوته واضحًا، يهددها ويشتمها ويقول لها إنها لو ما وقفتش جنبه، هيخلي أهلها يعرفوا كل حاجة. أخذت نفسًا طويلًا وقلت لها: ابعتيهم لمحاميكي. قالت: معنديش محامي. قلت: دلوقتي هيبقى عندك. لم أفعل ذلك حبًا فيها. فعلته لأنني رفضت أن أسمح له باستخدام امرأة أخرى كحطب لمعركته. في اليوم الذي شهدت فيه فريدة ضده، انتهى كريم معنويًا قبل أن ينتهي قانونيًا. لم يعد عنده قصة مقنعة. الزوجة التي يتهمها بالقسوة تساعد عشيقته قانونيًا ضده. ماذا سيقول الآن؟ إنني شريرة لدرجة أنني أنقذت البنت التي خانني معها من ابتزازه؟ بعد ستة أشهر، صدر الحكم في الجزء المالي الأول. استرداد مبالغ، تعويض، منع تصرف في بعض الممتلكات التي اشتراها بأموال الشركة، واستمرار التحقيق في شبهة التزوير. الطلاق تم قبلها بأسبوع. خرجت من المحكمة وأنا أحمل ورقة واحدة أنهت زواجًا ظننت يومًا أنه سيحميني من الوحدة. لكنني لم أشعر بالوحدة. شعرت بخفة. مها كانت مستنياني بره، ومعها ورد أبيض. قالت: مبروك الحرية. حضنتها. بكيت لأول مرة براحتي. بكيت ليس على كريم، بل على ياسمين التي تعبت وهي تحاول أن تكون كافية لرجل لا يشبع. بكيت على سنوات كنت فيها أمثل القوة حتى في بيتي. بكيت على كل مرة بلعت فيها شكي حتى لا أبدو صغيرة. ثم مسحت دموعي وقلت: عندنا اجتماع الساعة كام؟ مها ضحكت وقالت: حتى في يوم طلاقك؟ قلت: خصوصًا في يوم طلاقي. بعد سنة، تغير كل شيء. الفيلا أصبحت مختلفة تمامًا. الرخام بقي، لكن الروح اتغيرت. غرفة كريم القديمة تحولت إلى مكتبة واسعة، فيها كرسي مريح ورفوف كتب ونباتات، وعلى الحائط لوحة كبيرة لشجرة ياسمين بيضاء. الشركة كبرت، وفرع الإسكندرية افتتح، وبدأت مشروع تدريب للستات اللي عايزين يدخلوا مجال الإدارة والمشروعات الصغيرة. لم أفعل ذلك لأبدو ملهمة. فعلته لأنني أعرف كم ستًا ذكية تُحبس داخل بيت أو علاقة أو فكرة أن الأمان يأتي من رجل. الأمان لا يأتي من شخص يملك مفتاح بابك. الأمان يأتي من قدرتك تفتحي الباب وتمشي لو تحوّل البيت إلى قفص. أما كريم، فسمعت عنه أخبارًا متفرقة. فريدة سافرت وبدأت حياة جديدة بعيدًا. أمه باعت جزءًا من أرض قديمة لتسدد بعض ديونه. هو حاول يبدأ مشروعًا صغيرًا وفشل لأنه اكتشف متأخرًا أن الواجهة شيء، والإدارة شيء آخر. مرة قابلته صدفة في مناسبة عامة. كنت داخلة قاعة فندق لحفل تكريم سيدات الأعمال، وهو واقف عند الباب مع رجلين يحاول أن يبدو مشغولًا ومهمًا. لما شافني، تجمد. لم يكن يبدو محطمًا تمامًا، ولا قويًا. كان يبدو عاديًا. وهذا كان أقسى عليه من أي انتقام. أن يصبح عاديًا بعد سنوات من التمثيل. اقترب وقال: ياسمين. وقفت بأدب. قال: مبروك التكريم. قلت: شكرًا. ظل ساكتًا لحظة ثم قال: أنا ندمت. نظرت إليه بهدوء. لم أشعر بانتصار ولا حنين. شعرت فقط أن جملة الندم جاءت متأخرة لدرجة أنها فقدت معناها. قلت: كويس. الندم مفيد لو خلاك ما تكررش نفسك مع حد تاني. قال: وإنتِ؟ سامحتيني؟ السؤال كان يريد أن يحرره، لا أن يعرفني. ابتسمت وقلت: أنا حررت نفسي من زمان. مش لازم أحررك معايا. وتركته ومشيت. في القاعة، وأنا أطلع على المسرح لاستلام التكريم، رأيت مها في الصف الأول تصفق، ورأيت فريق الشركة واقفين، ورأيت نساء كثيرات لا أعرفهن ينظرن لي كأنهن يعرفن القصة كلها من وجهي. أخذت الميكروفون ولم أحكِ عن الخيانة. لم أذكر كريم. لم أذكر فريدة. قلت فقط إن النجاح ليس أن لا تسقطي، بل أن لا تسلمي مفاتيح حياتك لمن ينتظر سقوطك. قلت إن بعض النساء يبنين قصورًا ثم ينسين كتابة أسمائهن على الأبواب. وأنا كتبت اسمي متأخرًا، لكنه بقي. بعد الحفل، رجعت الفيلا وحدي. فتحت الباب، وريحة الياسمين من الجنينة دخلت مع الهواء. وقفت في المطبخ نفسه، عند الرخامة نفسها، المكان الذي قال لي فيه كريم إنه وجد حب عمره الحقيقي. لم يعد المشهد يؤلمني. الغريب أن الذاكرة عندما تُشفى لا تختفي، لكنها تفقد أنيابها. عملت لنفسي قهوة، وجلست حافية مثل ذلك الصباح، لكن هذه المرة لم يكن أمامي رجل يطلب الانفصال وهو يظن أنه يكسرني. كان أمامي شباك مفتوح، وسماء صافية، وحياة تخصني بالكامل. رن موبايلي. رسالة من رقم مجهول. فتحتها فوجدت جملة قصيرة: كنتِ أقوى مما توقعت. لم يكن الرقم محفوظًا، لكنني عرفت أنه كريم. مسحت الرسالة بلا غضب. لم أعد أحتاج أن يعرف قوتي. المهم أنني عرفتها. وضعت الموبايل بعيدًا، وشربت القهوة. كانت مرة قليلًا، لكنها هذه المرة لم تترك طعم خيانة في فمي. كانت مجرد قهوة. وهذا وحده كان انتصارًا.
تمت