افعي ضخمه حكـايـات أسمـا ×3
الفحيح كان يخرج من قلب النيران نفسها.
ساره كانت جالسة على الأرض، غير قادرة حتى على البكاء، بينما انعكاس اللهب يرقص داخل عينيها المرتجفتين.
ثم…
خرج شيء من القصر المحترق.
في البداية ظنّته طفلًا.
جسد صغير يتحرك وسط النار دون أن يحترق.
لكن حين اقترب أكثر…
شهقت ساره بعنف.
كان كائنًا مشوهًا.
جسد رضيع… لكن جلده مغطى بحراشف سوداء لامعة، وعيناه حمراوان بالكامل.
أما فمه…
فكان ممتدًا حتى أذنيه بابتسامة حادة مليئة بأسنان صغيرة.
همس الدكتور سامي: ــ يا ساتر يا رب…
الكائن رفع رأسه ببطء نحو ساره.
ثم نطق.
بصوت طفل مختنق:
ــ ماما…
صرخت ساره حتى اختنق نفسها.
أما الدكتور فأخرج مسدسه وأطلق النار فورًا.
لكن الرصاصة مرت داخل جسد الكائن كأنه دخان.
ثم اختفى.
فجأة.
بلا أثر.
ساد الصمت.
حتى النار نفسها بدأت تخمد ببطء غريب، وكأن شيئًا سحب الحياة منها.
بعد تلك الليلة اختفت ساره تمامًا.
الدكتور سامي نقلها إلى بيت قديم يملكه صديق له في قرية نائية قرب الفيوم.
مكان بعيد عن البشر.
بعيد عن المستشفيات. عن الكاميرات. وعن أي شخص قد يعرف ما حدث.
كان البيت صغيرًا ومحاطًا بالصحراء من كل اتجاه.
لكن رغم ذلك…
لم يتوقف الزحف.
كل ليلة.
صوت احتكاك تحت الأرض.
وفحيح بعيد يأتي من العتمة.
وفي الأسبوع الأول بدأت ساره تتغير.
حرارتها انخفضت بشكل مخيف.
جلدها أصبح باردًا.
وعيناها أحيانًا تلمعان بلون ذهبي للحظات.
أما الطعام…
فلم تعد تحتمله.
كانت تتقيأ أي شيء تأكله.
إلا شيئًا واحدًا.
اللحم النيء.
وفي إحدى الليالي استيقظ الدكتور سامي على صوت مضغ.
خرج مذعورًا إلى المطبخ…
فتجمد مكانه.
ساره كانت واقفة في الظلام.
تأكل دجاجة نيئة كاملة بأسنانها.
والدم يسيل فوق ذقنها.
رفعت رأسها نحوه ببطء.
ثم بدأت تبكي فورًا عندما أدركت ما تفعله.
وقعت الدجاجة من يدها وهي تصرخ: ــ أنا مالي؟! بيحصلي إيه؟!
لكن الدكتور سامي لم يجد إجابة.
لأنه بدأ يقتنع بحقيقة مرعبة…
شيء من سليم ما زال حيًا داخلها.
في اليوم التالي ذهب الدكتور إلى القاهرة سرًا.
كان يبحث عن أي شخص قد يفهم ما يحدث.
وأخيرًا وصل إلى رجل عجوز يُدعى الشيخ مراد.
رجل يعيش في حارة قديمة قرب مسجد مهجور.
حين أخبره الدكتور باسم سليم…
شحب وجه الشيخ فورًا.
وقال: ــ إنت جبت الاسم ده منين؟
حكى له كل شيء.
وعندما انتهى…
ظل الشيخ صامتًا لدقائق طويلة.
ثم قال: ــ زمان… قبل مئات السنين… كان فيه طائفة بتعبد “الحية الأم”.
طائفة تؤمن إن البشر مجرد أوعية.
وإن نسل الحية لازم يرجع يحكم الأرض.
ابتلع الدكتور ريقه: ــ وسليم؟
ــ واحد منهم.
ثم أكمل: ــ لكنهم مش بشر كاملين… بيحتاجوا أجساد البشر علشان يعيشوا وسطنا.
أخرج الشيخ صندوقًا خشبيًا قديمًا.
فتحه ببطء.
وفي الداخل…
خنجر أسود غريب منقوش عليه رموز تشبه الأفاعي.
قال الشيخ: ــ ده السلاح الوحيد اللي قُتل بيه واحد منهم قبل كده.
ــ يعني ينفع نقتل اللي جوه ساره؟
نظر إليه الشيخ طويلًا.
ثم همس: ــ لو اتأخرتم… البنت نفسها هتبقى هي الحية.
في تلك الليلة…
كانت ساره وحدها داخل البيت.
والريح تضرب النوافذ بقوة.
جلست تبكي فوق السرير وهي تتحسس بطنها.
الحركة بالداخل أصبحت أقوى.
كأن عشرات الأشياء الصغيرة تزحف تحت جلدها.
ثم فجأة…
سمعت صوت سليم.
واضح جدًا.
ــ ساره…
تجمد الدم في عروقها.
الصوت جاء من خلفها مباشرة.
استدارت ببطء…
ولم تجد أحدًا.
لكن المرآة أمامها…
أظهرت شيئًا آخر.
سليم كان واقفًا داخل انعكاس المرآة.
بابتسامته الباردة المعتادة.
قال بهدوء: ــ وحشتيني.
صرخت ساره وحطمت المرآة بكرسي خشبي.
تناثر الزجاج بكل مكان.
لكن صوته لم يختفِ.
بل صار أقرب.
ــ هما كذابين يا ساره… أنا كنت بحبك.
وضعت يديها فوق أذنيها وهي تبكي: ــ اخرس!
ــ اللي جواكي ابننا.
ثم تحول صوته إلى فحيح عميق: ــ وهيرجعني.
فجأة…
شعرت بشيء يتحرك داخل حلقها.
اختنقت.
وقعت على الأرض تسعل بعنف.
ثم خرج من فمها شيء صغير أسود يتحرك فوق البلاط.
أفعى صغيرة.
صرخت ساره بجنون وسحقتها بقدمها.
لكن حين رفعت قدمها…
لم تجد دمًا.
فقط جلدًا فارغًا.
أما الأفعى…
فاختفت.
عاد الدكتور سامي قبل الفجر مع الشيخ مراد.
وبمجرد دخول الشيخ البيت توقف فجأة.
ثم قال بصوت مرتجف: ــ هما هنا.
ــ مين؟!
لكن قبل أن يجيب…
انطفأت الأنوار.
وجاء صوت الزحف من كل الاتجاهات.
الجدران نفسها بدأت تتحرك.
ثم…
خرجت الأفاعي.
مئات منها.
سوداء طويلة تنساب من فتحات البيت كالسيل.
صرخت ساره.
أما الشيخ مراد فبدأ يقرأ القرآن بصوت مرتفع وهو يرفع الخنجر الأسود.
الأفاعي بدأت تصرخ وتتلوى.
لكن شيئًا أكبر كان يقترب.
صوت ثقيل… كأن جسدًا هائلًا يزحف فوق الرمل خارج البيت.
ثم ظهر.
سليم.
أو ما تبقى منه.
نصف وجهه بشري.
والنصف الآخر…
جلد متشقق تتحرك تحته أفاعٍ صغيرة.
عيناه صفراوان متوهجتان.
وكان أطول من السابق بشكل غير طبيعي.
قال بصوت مزدوج مرعب: ــ هاتوها.
الأفاعي اندفعت نحو ساره.
لكن الشيخ مراد غرز الخنجر في الأرض وهو يصرخ بآياتٍ عالية.
اشتعلت دائرة نار سوداء حولهم.
تراجعت الأفاعي وهي تصرخ.
أما سليم فابتسم.
ــ فاكرين النار هتمنعنا؟
ثم ضرب الأرض بقدمه.
فاهتز البيت بالكامل.
سقط السقف جزئيًا.
والنوافذ انفجرت.
صرخت ساره وهي تشعر بألم يمزق بطنها من الداخل.
ثم شهقت.
بطنها…
بدأ يتحرك بشكل مرعب.
نتوءات طويلة تزحف تحت الجلد.
وفجأة…
انشق جلد ذراعها.
خرجت منه حراشف سوداء صغيرة.
بدأت تبكي بانهيار: ــ لا… لااا…
اقترب سليم منها ببطء.
ــ خلاص يا ساره… سيبي نفسك.
ثم مد يده نحو وجهها.
لكن الشيخ مراد قفز فجأة وغرس الخنجر الأسود في صدر سليم.
دوّى صراخ غير بشري هز البيت كله.
تراجع سليم بعنف.
الدخان الأسود خرج من جسده.
والأفاعي حوله بدأت تموت وتتلوى.
صرخ الشيخ: ــ اهربوا!
أمسك الدكتور ساره وركض بها نحو الباب الخلفي.
لكن قبل أن يخرجوا…
سمعوا ضحكة سليم.
وحين التفتوا…
وجدوه واقفًا مجددًا.
الخنجر ما زال في صدره.
لكنه يبتسم.
ثم أمسك الشيخ مراد من رأسه.
وفي ثانية واحدة…
لفّ رقبته بالكامل.
صوت تكسير العظام ملأ المكان.
سقط الشيخ ميتًا.
وسليم ينظر لساره بعينين مشتعلتين.
ــ مفيش حد هيمنع الولادة.
هربت ساره والدكتور إلى الصحراء.
خلفهما البيت يحترق.
والأفاعي تخرج منه كالدخان.
ركبوا السيارة بسرعة.
لكن أثناء الطريق…
بدأت ساره تصرخ.
ألم جديد.
أقوى من كل شيء سبق.
صرخت وهي تضرب بطنها: ــ طلعوه مني!
ثم…
شعرت بشيء يصعد داخل صدرها.
فمها انفتح رغماً عنها.
وخرج صوت فحيح طويل من حنجرتها.
تجمّد الدكتور سامي.
لأن الصوت…
لم يكن صوتها.
ثم استدارت إليه ببطء.
وعيناها أصبحتا صفراوين بالكامل.
وقالت بصوت سليم: ــ وصلت.
وفجأة…
اصطدمت السيارة بشيء ضخم.
انقلبت عدة مرات وسط الصحراء.
حين استيقظ الدكتور سامي…
كان ينزف بشدة.
السيارة مقلوبة.
والصحراء مظلمة تمامًا.
بحث عن ساره.
ثم رآها.
كانت واقفة بعيدًا فوق تل رملي.
ظهرها له.
وشعرها يتحرك مع الريح.
لكن حولها…
كانت عشرات الأفاعي ملتفة على الأرض كأنها تحرسها.
حاول الوقوف وهو يتألم: ــ ساره!
استدارت ببطء.
وعندها فقط…
أدرك أنها لم تعد ساره بالكامل.
عيناها ذهبيتان.
وعروق سوداء تنتشر فوق رقبتها.
أما بطنها…
فكان يتحرك بعنف، كأن شيئًا ضخمًا يحاول الخروج.
ثم ابتسمت.
لكن الابتسامة لم تكن ابتسامتها.
قالت بصوت مزدوج: ــ قرب الوقت.
وفجأة…
شقّ صراخ مرعب السماء.
سقطت ساره على الرمال تتلوى.
والأفاعي حولها بدأت تدور بسرعة جنونية.
الرمال نفسها أخذت تهتز.
ثم…
انشق بطنها.
خرجت يد سوداء صغيرة.
ثم أخرى.
ثم رأس مغطى بالحراشف.
لكن الوجه…
كان يشبه سليم.
صرخ الدكتور سامي برعب: ــ يا نهار أسود…
الكائن خرج ببطء من جسدها وسط الدم.
طفل بحجم رضيع.
لكن عيناه حمراوان.
وفمه مليء بالأسنان.
ثم رفع رأسه نحو القمر…
وأطلق فحيحًا هائلًا.
وفي اللحظة نفسها…
بدأت الأفاعي في كل الصحراء تزحف نحوهم من كل اتجاه.الفحيح الذي خرج من فم الكائن الصغير لم يكن مجرد صوت…
كان نداء.
نداءً جعل الرمال نفسها تتحرك.
الدكتور سامي وقف متجمدًا وسط الصحراء، ينظر حوله بعينين مذعورتين بينما بدأت الأرض السوداء تمتلئ بخطوط متعرجة لا تنتهي.
أفاعٍ.
آلاف الأفاعي.
تخرج من تحت الرمال كأن الصحراء كانت حيّة طوال الوقت.
أما ساره…
فكانت ممددة فوق الأرض، تنزف بلا توقف، وعيناها نصف مفتوحتين.
لكنها ما زالت حية.
همست بصعوبة: ــ اقتله…
الكائن الصغير التفت إليها ببطء.
ثم ابتسم.
ابتسامة سليم نفسها.
وقال بصوت طفل: ــ ماما…
ارتجف قلبها رغم الرعب.
شيء داخلها… شيء أمومي غريزي… حاول أن يتحرك نحو ذلك المخلوق.
لكنها تذكرت كل شيء.
النساء الميتات. القبو. العظام. والوحش الذي دمّر حياتها.
صرخت وهي تبكي: ــ إنت مش ابني!
فجأة…
ارتفعت الأفاعي حول الطفل كأنها جدار حي يحميه.
ثم بدأ جسده يتغير.
ينمو.
العظام تطقطق.
الجلد يتمدد.
وخلال ثوانٍ…
أصبح بحجم طفل في الخامسة.
ثم العاشرة.
ثم توقف.
واقفًا وسط الرمال بثوب أسود طويل تشكّل فوق جسده كالدخان.
وجهه ما زال يشبه سليم.
لكن عينيه أقدم من البشر أنفسهم.
همس الدكتور سامي برعب: ــ مستحيل…
ابتسم الكائن: ــ تأخرتم جدًا.
ثم نظر إلى السماء.
وفجأة…
اختفى القمر.
غطته غيوم سوداء كثيفة ظهرت من العدم.
وهبط الظلام على الصحراء.
ركض الدكتور سامي نحو ساره بسرعة.
رفعها بصعوبة بينما الأفاعي تقترب.
قال وهو يلهث: ــ لازم نهرب حالًا!
لكن الكائن رفع يده فقط.
فتوقفت الأفاعي.
ثم قال بهدوء: ــ سيبها يا دكتور.
تجمّد سامي مكانه.
لأن الصوت لم يكن لطفل.
كان مئات الأصوات تتحدث معًا.
أصوات رجال ونساء وأطفال.
ثم أكمل: ــ هي بوابتي.
صرخت ساره: ــ سامي… اهرب!
لكن الدكتور رفض.
أخرج المسدس الفارغ وصوّبه بغريزة يائسة.
فضحك الكائن.
ثم…
تحرك.
في لحظة واحدة أصبح أمام الدكتور مباشرة.
أسرع من الرؤية نفسها.
أمسك رأسه بيد صغيرة نحيلة.
وقال: ــ البشر دايمًا يفتكروا إنهم أبطال.
ثم ضغط ببطء.
صرخ الدكتور من الألم.
بدأت عروقه تنتفخ تحت جلده.
وساره تصرخ باسمه.
لكن فجأة…
دوّى صوت إطلاق نار.
رصاصة اخترقت كتف الكائن.
قفز للخلف بغضب.
والتفت الجميع نحو مصدر الصوت.
رجل عجوز يقف فوق التل الرملي.
يمسك بندقية قديمة.
وخلفه…
ثلاثة رجال يرتدون جلابيب سوداء.
أحدهم صرخ: ــ ابعدوا عنها!
الكائن ابتسم ببطء: ــ أخيرًا وصلتوا.
كان الرجل العجوز يُدعى الحاج يونس.
عيناه حادتان رغم عمره، وعلى رقبته قلادة فضية تحمل رمزًا غريبًا يشبه عينًا داخل دائرة.
اقترب بسرعة من ساره بينما رجاله يحيطون بهم.
قال للدكتور سامي: ــ خدها للعربية حالًا!
صرخ الدكتور: ــ مين دول؟!
رد يونس وهو يعيد تعبئة بندقيته: ــ الناس اللي فضلوا يحاربوا نسل الحية من مئات السنين.
ثم أطلق النار مجددًا.
لكن الرصاص هذه المرة جعل الكائن يصرخ فعلًا.
تراجع عدة خطوات.
لاحظ سامي بدهشة أن الرصاصات لم تكن عادية.
كانت فضية.
والأفاعي التي تلمسها تحترق فورًا.
صرخ الكائن بغضب: ــ خونة!
ثم رفعت الصحراء نفسها.
نعم.
الرمال بدأت ترتفع كأمواج ضخمة.
وخرجت منها أفاعٍ عملاقة لم يرَ البشر مثلها من قبل.
إحداها بطول حافلة كاملة.
عيونها حمراء، وفمها مفتوح كجحيم أسود.
صرخ أحد الرجال: ــ يا ساتر!
لكن الحاج يونس لم يتحرك.
أخرج خنجرًا فضيًا طويلًا وقال: ــ الليلة دي لازم تنتهي.
هرب الدكتور سامي بساره نحو سيارة قديمة كانت خلف التل.
لكن ساره أمسكت ذراعه فجأة.
ــ استنى…
كانت تنظر نحو الكائن.
ثم همست: ــ أنا السبب.
ــ إيه؟!
بدأت تبكي: ــ طول الوقت كان عايزني أنا… لو هربت هيفضل يطاردنا للأبد.
ثم وضعت يدها فوق بطنها الممزق.
الجرح كان يتحرك.
كأن شيئًا آخر ما زال بالداخل.
شهق سامي: ــ لا…
همست: ــ فيه أكتر من واحد.
وفي اللحظة نفسها…
بدأت تسمع الأصوات مجددًا.
أصوات داخل رأسها.
همسات نسائية كثيرة.
“انضمي لنا…”
“افتحي البوابة…”
“كوني الملكة…”
صرخت ساره وهي تضرب رأسها.
ثم رأت شيئًا.
رؤية خاطفة.
مدينة كاملة تحت الأرض.
ممرات حجرية لا نهاية لها.
ومخلوقات ضخمة تتحرك في الظلام.
أفاعٍ بأوجه بشرية.
وأعين تراقبها من العتمة.
ثم صوت سليم:
ــ إحنا مش نهاية العالم يا ساره… إحنا بدايته الحقيقية.
فاقت على صوت انفجار.
إحدى الأفاعي العملاقة ابتلعت رجلًا من رجال يونس بالكامل.
الصحراء تحولت إلى جحيم.
الحاج يونس واجه الكائن وحده.
قال بصوت عال: ــ باسم الله… الليلة ينتهي نسلكم.
ضحك الكائن: ــ أنتم آخر الباقيين… والعالم نسيكم.
ثم اندفع نحوه بسرعة مرعبة.
تقابل الخنجر والمخالب في شرر أسود.
كان القتال أشبه بكابوس.
الكائن يتحرك كالدخان.
كل ضربة منه تشق الرمال.
لكن يونس كان يقاتل وكأنه يعرفه منذ قرون.
صرخ فجأة: ــ سامي! دلوقتي!
التفت الدكتور مذهولًا.
ثم فهم.
أخرج الحقيبة التي أعطاها له الشيخ مراد قبل موته.
فتحها بسرعة.
وفي الداخل…
قارورة زجاجية صغيرة مملوءة بسائل أزرق مضيء.
وتذكّر كلمات الشيخ:
“لو وُلد الملك… النار وحدها لا تكفي.”
ركض نحو ساره.
قال بسرعة: ــ ده ممكن يقتلك.
ابتسمت وسط دموعها: ــ وأنا أصلًا بموت.
ثم أخذت القارورة.
ونظرت للكائن.
لأول مرة…
رأت داخله شيئًا آخر.
رأت سليم.
بعيدًا جدًا داخل تلك العيون الحمراء.
كأنه محبوس.
كأنه يتعذب.
همست: ــ ليه عملت فينا كده؟
توقّف الكائن للحظة.
ثم خرج صوت سليم فعلًا هذه المرة.
ضعيفًا… متقطعًا: ــ كنت… بحاول… أهرب…
تجمّد الجميع.
حتى الحاج يونس.
أكمل الصوت: ــ هما… دخلوا جوايا وأنا طفل…
بدأ الكائن يصرخ وهو يمسك رأسه بعنف.
صوتان يتصارعان داخله.
صوت سليم. وصوت الشيء الآخر.
ــ اقتليني يا ساره!
صرخت الحية داخله: ــ اخرس!
ثم انفجر الظلام حوله كعاصفة سوداء.
الأفاعي كلها بدأت تتحرك بجنون.
والسماء نفسها تشققت بالبرق.
صرخ الحاج يونس: ــ دلوقتي يا بنتي!
كانت تلك لحظتها الأخيرة.
إما أن تنهي كل شيء…
أو تفتح البوابة للأبد.
ساره نهضت بصعوبة.
جسدها كله ينزف.
لكنها مشت نحو الكائن.
وهو يصرخ ويتلوى.
اقتربت أكثر.
حتى أصبحت أمامه مباشرة.
نظر إليها بعيني سليم للحظة.
وقال: ــ سامحيني…
ثم عادت العيون الحمراء.
فتحت القارورة.
السائل الأزرق بدأ يضيء بقوة مرعبة.
والأفاعي كلها صرخت دفعة واحدة.
ثم…
غرست القارورة داخل صدر الكائن.
انفجر الضوء.
ضوء أزرق هائل ابتلع الصحراء كلها.
صرخ الكائن بصوت هز السماء.
والأفاعي بدأت تحترق.
واحدة تلو الأخرى.
الرمال نفسها اشتعلت بلون أزرق غريب.
أما ساره…
فشعرت بشيء يخرج من داخلها.
عشرات الظلال السوداء تنسحب من جسدها كالدخان.
صرخت حتى انقطع صوتها.
ثم رأتهم.
نساء كثيرات.
شفافات كالأرواح.
وجوه شاحبة حزينة.
ضحايا نسل الحية.
كنّ يخرجن من جسد الكائن ويفنين في الضوء.
ومن بينهم…
ظهرت امرأة تحمل طفلًا.
نظرت لساره وابتسمت بحنان.
ثم اختفت.
أما الكائن…
فبدأ يتفكك.
جلده يسقط.
الحراشف تحترق.
وفي الداخل…
ظهر سليم الحقيقي.
بجسده البشري.
واقفًا وسط الضوء.
نظر لساره بعينين دامعتين.
ولأول مرة…
بدا إنسانًا.
همس: ــ شكرًا…
ثم تحول إلى رماد.
واختفى.
حين انطفأ الضوء…
ساد الصمت.
لا أفاعي.
لا فحيح.
لا ظلام.
فقط الصحراء.
والفجر يبدأ في الظهور بعيدًا.
سقطت ساره على ركبتيها منهارة.
والدكتور سامي ركض نحوها بسرعة.
ــ ساره!
رفعت رأسها ببطء.
وعيناها عادتا طبيعيتين أخيرًا.
ثم سألت بصوت مكسور: ــ خلص؟
نظر الحاج يونس إلى السماء طويلًا.
ثم قال: ــ انتهى.
بعد شهور…
عادت ساره إلى الإسكندرية.
لكنها لم تعد كما كانت.
النحافة اختفت تدريجيًا. الكوابيس أصبحت أقل. والألم اختفى أخيرًا.
استأجرت شقة صغيرة قرب البحر.
وبدأت حياة جديدة.
أما الدكتور سامي فترك الطب تمامًا.
واختفى الحاج يونس ورجاله كأنهم لم يوجدوا أصلًا.
وفي بعض الليالي…
كانت ساره تقف أمام البحر الطويل.
تراقب الأمواج بصمت.
وتحاول تصديق أن كل شيء انتهى.
حتى جاء ذلك اليوم.
كانت ترتب أغراضها القديمة…
حين وجدت شيئًا داخل حقيبة لم ترها منذ شهور.
زجاجة صغيرة.
مملوءة بزيت أحمر.
تجمّد الدم في عروقها.
كانت نفس الزجاجة.
التي كان سليم يستخدمها.
ارتجفت يداها.
ثم سمعت الصوت خلفها مباشرة.
فحيح خافت.
التفتت ببطء…
ولم تجد أحدًا.
لكن على زجاج النافذة…
ظهر بخار بارد.
كأن شيئًا يتنفس هناك.
ثم بدأت الكلمات تُكتب وحدها فوق الزجاج:
“الملكات لا يمتن…”
