قصتلي هدومي حكايات اسما ×1

حماتي قطعت هدومي كلها بالمقص وأنا في الشغل… ولما رجعت البيت قالتلي: “دلوقتي هتبطلي شغل وتعرفي مكانك”

 

“إيه ده؟!”

 

دي كانت أول كلمة خرجت مني وأنا واقفة في نص أوضتي أبص على الأرض.

 

هدومي كلها كانت مرمية حواليا.

 

فساتيني.

 

بدل الشغل.

 

الجاكيتات.

 

حتى عباية أمي الله يرحمها اللي كنت محتفظة بيها للذكرى.

 

كل حاجة.

 

متقطعة بالمقص.

 

وقفت مصدومة ومش قادرة أستوعب اللي شايفاه.

 

أنا اسمي سارة.

 

وعمري ما تخيلت إن اليوم اللي أخد فيه ترقية كبيرة في شغلي هيكون نفس اليوم اللي أرجع فيه ألاقي حياتي متدمرة.

 

كنت راجعة من الشركة فرحانة.

 

بعد خمس سنين تعب وسهر، أخيرًا بقيت مديرة قسم.

 

اشتريت تورتة صغيرة في طريقي للبيت عشان أحتفل مع جوزي.

 

لكن أول ما دخلت الشقة…

 

حسيت إن فيه حاجة غلط.

 

الأرض مليانة قصاصات قماش.

 

وأوضة النوم بابها مفتوح.

 

دخلت أجري.

 

واتجمدت مكاني.

 

كل هدومي كانت متقطعة.

 

بعضها متقطع نصين.

 

وبعضها متحول لخرق صغيرة.

 

وفي نص السرير كان فيه مقص كبير.

 

وقاعدة جنبه حماتي.

 

بتشرب شاي.

 

وكأنها مستنية وصولي.

 

بصتلي وقالت بمنتهى الهدوء:

 

“أخيرًا رجعتي.”

 

صرخت:

 

“مين اللي عمل كده؟!”

 

ابتسمت وهي تحط فنجان الشاي على الترابيزة.

 

وقالت:

 

“أنا.”

 

حسيت إن رجليا مش شايلاني.

 

“إنتِ مجنونة؟!”

 

هزت كتفها بلا مبالاة.

 

“لا… أنا ربيت ابني كويس.”

 

ثم أشارت على بقايا هدومي وقالت:

 

“الهدوم دي كانت سبب المصيبة.”

 

في اللحظة دي دخل جوزي من الصالة.

 

بصيتله وأنا مستنية منه يغضب.

 

أو حتى يتصدم.

 

لكنه ما اتصدمش.

 

قال بهدوء:

 

“ماما كانت متضايقة بس.”

 

بصيتله بعدم تصديق.

 

“متضايقة؟!”

 

رد:

 

“بقالك فترة كل اهتمامك بالشغل.”

 

أما حماتي فابتسمت بانتصار وقالت:

 

“دلوقتي مفيش هدوم تروحي بيها الشغل.”

 

ثم أضافت وهي ترفع حاجبها:

 

“بكرة تقدمي استقالتك وتقعدي في بيتك زي أي ست محترمة.”

 

في اللحظة دي…

 

بطلت عياط.

 

وبطلت صريخ.

 

وبصيت للاتنين.

 

ولأول مرة فهمت إنهم ما كانوش خايفين على البيت.

 

ولا على ابنهم.

 

كانوا خايفين من حاجة واحدة بس…

 

إن الست اللي بيحاولوا يكسروها هي نفسها اللي بتدفع كل فواتير البيت من أول يوم جواز.

 

فابتسمت.

 

ابتسامة خلت حماتي تسكت فجأة.

 

وسألت بهدوء:

 

“متأكدين إن ده القرار النهائي؟”

 

ما كانوش يعرفوا إن بعد أقل من 24 ساعة…

 

هيبقوا هم اللي بيدوروا على مكان يعيشوا فيه.

لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد

@أبرز المعجبين

الفصل الثاني: أول خيط اتقطع

 

ابتسامتي كانت أهدى من اللازم.

 

هدوء غريب.

 

النوع اللي يخلي اللي قدامك يقلق بدل ما يطمن.

 

حماتي، اللي كانت من ثواني واقفة شامخة وسط بقايا هدومي كأنها انتصرت في معركة، بصتلي باستغراب.

 

أما جوزي، هشام، فوقف عند باب الأوضة، حاطط إيده في جيب بنطلونه، ووشه عليه نفس التعبير اللي حفظته منه خلال سنين جوازنا.

 

تعبير الراجل اللي عايز يعدّي المصيبة من غير ما يتحمل مسؤولية.

 

قال بصوت واطي:

 

“سارة… بلاش تكبري الموضوع.”

 

بصيتله.

 

مش بعصبية.

 

ولا بدموع.

 

بصيتله كأني بشوفه لأول مرة.

 

“أكبر الموضوع؟”

 

ضحك ضحكة قصيرة متوترة.

 

“يعني هدوم وتتعوض.”

 

رفعت فستاني الأسود من على الأرض.

 

كان الفستان ده اشتريته من أول مرتب كبير أخدته بعد ما بقيت مسؤولة مبيعات.

 

كان يومها هشام قالي:

 

“حلو… بس متغليش في نفسك أوي.”

 

افتكرت الجملة وأنا شايفة الفستان متقطع من النص.

 

قلت بهدوء:

 

“ده فستان كنت لابساه يوم ما وقفت جنبك في فرح أختك، لما كنت مكسوف تقول للناس إنك لسه بتدور على شغل ثابت.”

 

تغير وشه.

 

أما حماتي فدخلت في الكلام بسرعة:

 

“وإيه يعني؟ يعني كل ما تعملي حاجة هتفضلي تفكرينا بيها؟”

 

حطيت الفستان على السرير جنب المقص.

 

“لا يا طنط. أنا مش بفكركم بحاجة. أنا بس براجع الحساب.”

 

ضحكت بسخرية.

 

“حساب إيه يا حبيبتي؟ هو البيت بقى شركة؟”

 

بصيت حواليّ.

 

على قصاصات القماش.

 

على الدولاب المفتوح.

 

على العباية الرمادي اللي كانت لأمي، متقطعة عند الكم.

 

وهنا قلبي وجعني بجد.

 

مش علشان هدوم.

 

ولا علشان فلوس.

 

لكن علشان هي مدت إيدها على ذكرى مالهاش تمن.

 

مشيت ناحية العباية.

 

قعدت على الأرض.

 

لمّيتها بحرص كأني بلم جسم حد غالي.

 

وحضنتها.

 

في اللحظة دي الدمعة نزلت غصب عني.

 

حماتي شافت الدمعة فابتسمت.

 

افتكرت إنها كسبت.

 

قالت بنبرة شماتة:

 

“أهو ده اللي كنت عايزاه. تحسي إنك غلطتي. الشغل خلاكي ناشفة وقاسية، ولازم تتكسري شوية عشان تفوقي.”

 

رفعت عيني لها ببطء.

 

“تتكسري؟”

 

قالت بثقة:

 

“أيوه. الست اللي تعلى على جوزها لازم تتكسر.”

 

وقفت.

 

ببطء.

 

العباية في إيدي.

 

ونظرتي ثابتة عليها.

 

“طيب.”

 

هشام قرب خطوة.

 

“سارة، خلاص بقى. ماما قالت اللي عندها. وإنتِ اهدى. بكرة نروح نجيبلك كام لبس جديد وخلاص.”

 

ضحكت.

 

مش ضحكة فرح.

 

ضَحكة قصيرة طلعت مني كأنها وجع.

 

“تجيبلي؟”

 

بصلي باستغراب.

 

“أيوه يعني… لما الدنيا تهدى.”

 

سألته:

 

“بفلوس مين يا هشام؟”

 

سكت.

 

السؤال وقع في الأوضة زي حجر في بير.

 

حماتي ردت بدل منه:

 

“بفلوس بيتكم. هو جوزك يعني.”

 

قلت:

 

“بيتنا؟”

 

مشيت ناحية الكومود.

 

فتحت الدرج.

 

طلعت دفتر شيكات قديم، وبعض إيصالات التحويل، وعقود قسط العربية، وفواتير الكهرباء والغاز والنت.

 

رميتهم على السرير.

 

ورقة ورا ورقة.

 

“دي قسط الشقة.”

 

ورقة.

 

“دي قسط العربية اللي هو راكبها.”

 

ورقة.

 

“دي مصاريف علاج حضرتك الشهر اللي فات.”

 

ورقة.

 

“دي فلوس مدرسة ابن أختك اللي دفعتها عشان هشام قاللي عيب نسيب العيلة.”

 

ورقة.

 

“ودي تحويلات شهرية لحسابك يا طنط من أول جوازنا.”

 

وشها اتبدل.

 

لأول مرة في الليلة دي، شوفت الخوف يلمع في عينيها.

 

لكنها بسرعة حاولت تخفيه.

 

“إيه قلة الأدب دي؟ هتعايرينا؟”

 

قلت:

 

“لا. أنا بقول الحقيقة بس.”

 

هشام قرب مني وحاول ياخد الورق.

 

“سارة، بطلي استفزاز.”

 

بعدت إيدي.

 

“ما تلمسش حاجة.”

 

وقف مكانه.

 

غضبان.

 

بس مش قادر ينفجر.

 

لأنه عارف إني لو قررت أتكلم، هافضح أكتر مما هو مستعد يسمع.

 

حماتي اتكلمت بنبرة عالية:

 

“يعني إيه؟ هتعملي علينا راجل؟”

 

بصيتلها.

 

“لا يا طنط. أنا هعمل ست عاقلة لأول مرة.”

 

ثم التفت لهشام.

 

“أنت موافق على اللي حصل؟”

 

اتلعثم.

 

“أنا قلت ماما غلطت شوية.”

 

“شوية؟”

 

“يعني… هي ما قصدتش.”

 

ضحكت بمرارة.

 

“قطعت هدومي كلها بالمقص، وقطعت عباية أمي الله يرحمها، وقعدت تشرب شاي مستنياني عشان تشوفني وأنا بتكسر… وبتقول ما قصدتش؟”

 

سكت.

 

قلت:

 

“جاوبني إجابة واضحة. أنت شايف إن اللي حصل يتعدى؟”

 

بص لأمه.

 

ثم بصلي.

 

ثم قال الجملة اللي أنهت آخر حاجة في قلبي ناحيته:

 

“لو كنتِ سمعتي الكلام من الأول، ما كانش ده حصل.”

 

في اللحظة دي…

 

ما صرختش.

 

ما عيطتش.

 

ما رميتش حاجة.

 

بس حسيت إن باب كبير اتقفل جوايا.

 

باب كنت فاتحاه له سنين.

 

قلت بهدوء:

 

“تمام.”

 

مشيت ناحية الدولاب، وطلعت شنطة صغيرة من فوق.

 

حماتي ضحكت.

 

“رايحة فين؟”

 

قلت:

 

“مش رايحة. إنتو اللي هتمشوا.”

 

هشام عقد حواجبه.

 

“إيه؟”

 

حطيت الشنطة على السرير وبدأت ألم الحاجات اللي فضلت سليمة.

 

موبايل.

 

لابتوب.

 

ملف أوراق.

 

علبة دهب صغيرة.

 

وباسبورتي.

 

قال هشام:

 

“سارة، إنتِ بتتريقي؟”

 

قلت وأنا بقفل الشنطة:

 

“لا.”

 

حماتي قامت من مكانها.

 

“هو البيت بيتك لوحدك؟”

 

وقفت قدامها.

 

“أيوه.”

 

اتسعت عينيها.

 

“نعم؟”

 

قلت:

 

“الشقة باسمي. العقد باسمي. القسط بينزل من حسابي. وأنتو الاتنين ضيوف.”

 

هشام اتنفض.

 

“إنتِ بتقولي إيه؟”

 

بصيتله.

 

“بقول الحقيقة اللي كنت بحاول ما أذلّكش بيها.”

 

وشه احمر.

 

“إنتِ عايزة تهدمي البيت؟”

 

رديت:

 

“لا. البيت اتهدم أول ما أنت وقفت تتفرج على أمك وهي مدمرة حاجتي، وبدل ما تقولها عيب، قلتلي بلاش دراما.”

 

حماتي بدأت تصوت:

 

“شايف يا هشام؟ شايف مراتك؟ دي عايزة تطرد أمك!”

 

قلت:

 

“لا تصوتي. الجيران لو طلعوا، هاقولهم يشوفوا الهدوم المتقطعة، والمقص، والكاميرات.”

 

تجمدت.

 

“كاميرات؟”

 

ابتسمت.

 

“أيوه. كاميرا الأوضة مش شغالة طبعًا، لكن كاميرا الممر شغالة. وسجلت حضرتك وإنتِ داخلة بشنطة، وخرجة من الأوضة بعد ساعة ومعاكي المقص في إيدك.”

 

وشها اصفر.

 

هشام بصلي بحدة.

 

“إنتِ مركبة كاميرات في البيت من ورايا؟”

 

قلت:

 

“من وراك؟ لأ. إنت وقّعت على فاتورة تركيبها من سنة لما قلتلك إني بخاف أسيب البيت لوحده. بس واضح إنك ما بتقرأش غير رسائل البنك لما الفلوس تنزل.”

 

سكت.

 

حماتي قالت بسرعة:

 

“كاميرا ولا مش كاميرا، أنا أم جوزك وليا حق أربيكي.”

 

قلت:

 

“تربي مين؟ أنا مش بنتك. وأنا مش صغيرة. وأنا مش خدامة. وأنا مش ماكينة فلوس.”

 

ثم رفعت التليفون.

 

بدأت أطلب رقم.

 

هشام قرب مني بسرعة.

 

“بتتصلي بمين؟”

 

قلت:

 

“بالمحامي.”

 

حماتي اتفزعت.

 

“محامي؟”

 

“أيوه. أستاذ مروان. هو ماسك شغلي وعقودي، وهيعرف يتصرف.”

 

هشام حاول يلين صوته.

 

“سارة، خلاص. إحنا انفعالنا. اقفلي. نتكلم.”

 

نظرت له باستغراب.

 

“دلوقتي نتكلم؟ بعد ما هدومي اتقطعت؟ بعد ما أمي الله يرحمها اتشتمت في ذكراها؟ بعد ما قلتلي لو كنت سمعتي الكلام ما كانش ده حصل؟”

 

مد إيده يمسك دراعي.

 

رجعت خطوة.

 

“إوعى.”

 

وقف.

 

وفي عينيه غضب.

 

الغضب اللي كان بيظهر كل مرة يحس إنه فقد السيطرة.

 

رن التليفون.

 

رد المحامي.

 

“أستاذة سارة؟”

 

قلت:

 

“أستاذ مروان، محتاجاك دلوقتي.”

 

سألني بقلق:

 

“في مشكلة؟”

 

بصيت لهشام وحماتي.

 

“تخريب ممتلكات داخل شقتي. وتهديد بإجباري على ترك عملي. وعايزة أعرف الإجراءات القانونية لإخراج شخصين مقيمين عندي بدون حق.”

 

سكتت الأوضة.

 

حتى حماتي بطل نفسها يطلع.

 

صوت المحامي جه جاد:

 

“أنتِ في أمان؟”

 

قلت:

 

“حاليًا أيوه.”

 

“اقفلي باب أوضتك عليكِ، ومتدخليش في أي نقاش. صوري كل حاجة. وأنا في الطريق.”

 

قفلت.

 

هشام كان بيبصلي كأنه مش مصدق.

 

“إنتِ وصلتيها للمحامي؟”

 

قلت:

 

“إنتو وصلتوها للمقص.”

 

حماتي صرخت:

 

“أنا مش هسيب البيت ده!”

 

ابتسمت.

 

“هنشوف.”

 

دخلت الحمام وغسلت وشي.

 

كنت محتاجة دقيقة واحدة بعيد عنهم.

 

بصيت لنفسي في المراية.

 

عيوني حمرا.

 

شعري منكوش.

 

إيدي عليها بقايا خيوط وقماش.

 

لكن ملامحي مختلفة.

 

مش ملامح واحدة مكسورة.

 

ملامح واحدة صحيت.

 

فتحت الموبايل.

 

دخلت تطبيق البنك.

 

أول حاجة عملتها إني وقفت التحويل الشهري اللي كان بيروح لحساب هشام.

 

ثاني حاجة: ألغيت الكارت الإضافي اللي معاه.

 

ثالث حاجة: أوقفت الكارت الإضافي اللي مع حماتي.

 

رابع حاجة: غيرت كلمة السر لكل الحسابات.

 

خامس حاجة: دخلت على تطبيق شركة الكهرباء والغاز والنت، ووقفت التفويض التلقائي للدفع من حسابي.

 

ولأول مرة من سنين…

 

حسيت إني بتنفس.

 

خرجت من الحمام.

 

لقيت هشام ماسك موبايله ووشه متوتر.

 

واضح إن أول رسالة وصلتله.

 

“ليه الكارت اترفض؟”

 

قلت بهدوء:

 

“علشان اتلغى.”

 

“إنتِ اتجننتي؟ أنا كنت بطلب عشاء!”

 

“اعمل لنفسك.”

 

حماتي قامت من مكانها.

 

“إنتِ بتجوعي جوزك؟”

 

قلت:

 

“لا. بفكره إن عنده إيدين ورجلين.”

 

هشام صاح:

 

“سارة!”

 

قلت:

 

“ما تعليش صوتك.”

 

حماتي قالت:

 

“دي قلة أصل. بعد كل اللي عملناه فيها.”

 

ضحكت.

 

“كل اللي عملتوه فيا؟”

 

قربت منها خطوة.

 

“أنتِ عارفة أنا لو جمعت اللي دفعته عليكِ إنتِ وابنك في تلات سنين، أقدر أجيب شقة أصغر من دي كاش؟”

 

وشها اتشنج.

 

“فلوسك دي ملهاش بركة.”

 

قلت:

 

“غريبة. كنتوا مبسوطين بيها وهي بتدفع فواتيركم.”

 

رن جرس الباب.

 

المحامي وصل.

 

فتحتله.

 

دخل أستاذ مروان، راجل في أوائل الأربعينات، هادي، لابس بدلة رمادي وماسك شنطة جلد.

 

أول ما شاف الأرض، سكت.

 

ثم قال:

 

“ده كله حصل النهارده؟”

 

قلت:

 

“من ساعة ما كنت في الشغل.”

 

بص ناحية حماتي.

 

“مين عمل كده؟”

 

حماتي حاولت تمثل الثبات.

 

“أنا. وأهو تأديب.”

 

رفع حاجبه.

 

“تأديب؟”

 

قالت:

 

“آه. مرات ابني ولازم تتربى.”

 

أستاذ مروان أخرج موبايله.

 

“ممتاز. ممكن تعيدي الجملة دي؟”

 

تجمدت.

 

هشام تدخل بسرعة:

 

“لا لا، أستاذ مروان، الموضوع عائلي.”

 

المحامي قال ببرود:

 

“تخريب ممتلكات شخصية واعتراف صريح مش موضوع عائلي.”

 

ثم التفت لي.

 

“حضرتك عايزة تعملي محضر؟”

 

قبل ما أرد، هشام قال:

 

“سارة مش هتعمل كده.”

 

بصيتله.

 

“وهتمنعني؟”

 

سكت.

 

أستاذ مروان قال:

 

“خليني أوضحلكم. الشقة باسم الأستاذة سارة. الإقامة هنا بموافقتها. وهي من حقها تطلب مغادرتكم فورًا، ولو رفضتوا بنعمل إثبات حالة ونتخذ إجراء قانوني.”

 

حماتي قعدت على الكرسي فجأة.

 

كأن رجلها خانتها.

 

“يعني إيه؟ هتطردوني؟”

 

لم أرد.

 

لأن الرد كان واضح.

 

هشام حاول يتماسك.

 

“طيب وأنا؟ أنا جوزها.”

 

قال المحامي:

 

“كونك زوجها لا يعطيك الحق في تخريب ممتلكاتها أو إجبارها على ترك عملها أو إسكان والدتك ضد رغبتها.”

 

هشام بصلي.

 

ولأول مرة…

 

كان خايف.

 

مش ندمان.

 

خايف.

 

والفرق كبير.

 

قال بصوت منخفض:

 

“سارة، خلينا نتكلم لوحدنا.”

 

قلت:

 

“اتكلم هنا.”

 

“مش قدام حد.”

 

قلت:

 

“كنت محتاج الخصوصية دي قبل ما تسمح لأمك تقطع هدومي.”

 

نزل عينه.

 

حماتي بدأت تبكي.

 

لكن بكاءها كان غريب.

 

مش بكاء ندم.

 

بكاء واحدة اكتشفت إنها ممكن تخسر الراحة اللي كانت عايشة فيها.

 

قالت:

 

“أنا ست كبيرة… هتسيبيني أروح فين؟”

 

بصيتلها.

 

وجعني السؤال رغم كل حاجة.

 

لأن قلبي مش حجر.

 

بس افتكرت العباية.

 

افتكرت كوب الشاي.

 

افتكرت ابتسامتها وهي بتقولي “أهو كده تتكسري.”

 

قلت:

 

“عندك بيتك القديم.”

 

قالت:

 

“ده مؤجر.”

 

قلت:

 

“يبقى عندك ابنك يدبرلك.”

 

هشام بصلي بحدة.

 

“يعني إيه؟”

 

قلت:

 

“يعني أنت راجل البيت، صح؟ اتفضل بقى كون راجل البيت.”

 

سكت.

 

أستاذ مروان قال:

 

“الأفضل تلموا حاجتكم الليلة بهدوء. وأنا هفضل موجود لحد ما الموضوع يخلص.”

 

حماتي صرخت:

 

“أنا مش همشي!”

 

قلت بهدوء:

 

“يبقى المحضر.”

 

هنا هشام مسك إيد أمه.

 

“تعالي يا ماما.”

 

بصتله بصدمة.

 

“إنت كمان هتسيبها تعمل فينا كده؟”

 

قال بصوت مكسور:

 

“مش وقته.”

 

“مش وقته؟ دي بتطرد أمك!”

 

لم أتكلم.

 

وقفت أتابعهم وهم بيلموا حاجتهم.

 

حاجة قليلة.

 

لأن أغلب اللي في البيت كان من مالي.

 

حتى شنطة السفر اللي حطوا فيها هدومهم، أنا اللي اشتريتها لهشام في عيد ميلاده.

 

بعد ساعة، كانوا واقفين عند الباب.

 

هشام بصلي.

 

“إنتِ هتندمي.”

 

قلت:

 

“ممكن.”

 

ثم أضفت:

 

“بس مش قد ما ندمت إني سبتك سنين تاخدني كأني مضمونة.”

 

حماتي بصقت الكلام من بين أسنانها:

 

“ربنا ينتقم منك.”

 

ابتسمت.

 

“قولي آمين.”

 

خرجوا.

 

واتقفل الباب.

 

لأول مرة من سنين…

 

الشقة سكتت.

 

سكتة غريبة.

 

مش مريحة.

 

لكن حقيقية.

 

وقفت في وسط الصالة.

 

الهدوم المتقطعة جوه.

 

البيت فاضي.

 

والليل طويل.

 

وفجأة رجلي ما شالتنيش.

 

قعدت على الأرض.

 

وبكيت.

 

بكيت على نفسي.

 

على سنين كنت فاكرة فيها إن الحب معناه أتحمل.

 

إن الست الشاطرة هي اللي تسند وتستر وتعدّي.

 

إن عيب أقول أنا تعبت.

 

بكيت على أمي، وعلى عبايتها، وعلى كل مرة احتجت فيها حد يقف جنبي وملقتش.

 

المحامي وقف بعيد باحترام.

 

ثم قال بهدوء:

 

“أستاذة سارة… أنتِ عملتي الصح.”

 

مسحت دموعي.

 

“مش حاسة.”

 

قال:

 

“طبيعي. القرارات الصح ساعات بتوجع في الأول.”

 

في الليلة دي…

 

ما نمتش.

 

لمّيت كل هدومي المتقطعة في أكياس.

 

صورت كل حاجة.

 

بعت صور العباية لخالتي.

 

وبعت لها رسالة واحدة:

 

“سامحيني. ما عرفتش أحافظ على حاجة أمي.”

 

بعد دقيقتين ردت.

 

“حافظتي على نفسك. وده أهم.”

 

فضلت أبص للرسالة كتير.

 

كتير جدًا.

 

وفي الصبح، قبل ما الشمس تطلع…

 

وصلتني رسالة من البنك.

 

حساب هشام حاول يستخدم الكارت الموقوف تلات مرات.

 

مطعم.

 

بنزينة.

 

فندق رخيص على الطريق.

 

ابتسمت بوجع.

 

ما قدرش يعدي ليلة واحدة من غير فلوسي.

 

لكن اللي ما كنتش أعرفه…

 

إن هشام ما كانش ناوي يستسلم.

 

ولا حماتي.

 

وفي نفس الصباح، كانت هي بتعمل مكالمة واحدة هتقلب الدنيا كلها.

 

مكالمة لحد كنت فاكرة إنه خرج من حياتي من زمان.

 

حد عنده مصلحة قديمة في إنه يشوفني مكسورة.

 

وحد هيظهر بعد ساعات على باب شركتي…

 

ويمد إيده بورقة كانت كفيلة تهز كل اللي بنيته.

 

يتبع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *