مقعد طائره حكـايـات أسمـا ×4

الفصل الخامس

 

ارتطم الهاتف بالأرض بقوة.

 

لكن أحدًا لم ينحنِ لالتقاطه.

 

الجميع كانوا ينظرون إلى بعضهم البعض في صدمة.

 

أما أنا…

 

فشعرت وكأن الهواء اختفى من حولي.

 

“إيه؟”

 

خرجت الكلمة مني بالكاد.

 

لكن عمر كان لا يزال على الخط.

 

سمعنا صوته من الهاتف الملقى على الأرض.

 

“أنا عارف إن الموضوع صعب يتصدق.”

 

انحنى سيف والتقط الهاتف بيد مرتجفة.

 

ثم قال:

 

“كرر اللي قلته.”

 

تنهد عمر.

 

“مروان كان بيحب ليلى.”

 

ساد الصمت.

 

ثم أضاف:

 

“ومن قبل فرحكم كمان.”

 

شعرت بصدمة جديدة تضربني.

 

كنت أعرف أن مروان كان لطيفًا معي دائمًا.

 

وأنه كان يحترمني.

 

لكن الحب؟

 

لم يخطر ببالي ذلك أبدًا.

 

قال عمر:

 

“في الأول حاول يقنع نفسه إنه مجرد إعجاب.”

 

“وبعدين بقي هوس.”

 

“ولما اتجوزتها أنت… ما قدرش يتقبل الموضوع.”

 

نظر سيف بعيدًا.

 

وكأن عقله عاد سنوات إلى الوراء.

 

إلى عشرات المواقف الصغيرة التي لم ينتبه لها وقتها.

 

نظرات.

 

تعليقات.

 

اهتمام زائد.

 

دعوات متكررة.

 

وجود دائم في كل مكان.

 

أشياء بدت طبيعية وقتها.

 

لكنها لم تعد كذلك الآن.

 

قال سيف:

 

“وعشان كده دمر حياتنا؟”

 

ضحك عمر بمرارة.

 

“في ناس لما ما تعرفش تكسب… بتختار تدمر.”

 

أغلق سيف عينيه.

 

أما أنا فكنت أحاول استيعاب كل ما يحدث.

 

خمس سنوات.

 

خمس سنوات كاملة من الألم.

 

والشك.

 

والفراق.

 

والسبب لم يكن خيانة.

 

ولا كذبًا.

 

ولا أسرارًا.

 

بل مؤامرة كاملة.

 

لكن المفاجأة الحقيقية جاءت بعد ذلك.

 

قال عمر:

 

“لسه ما قلتش أهم حاجة.”

 

رفع سيف رأسه فورًا.

 

“إيه تاني؟”

 

ساد صمت قصير.

 

ثم قال عمر:

 

“الملف اللي عندي فيه دليل إن مروان ما اكتفاش بتدمير جوازك.”

 

بدأ القلق يتسلل إلى داخلي.

 

“تقصد إيه؟”

 

قال عمر ببطء:

 

“بعد الطلاق حاول يوصل لليلى أكتر من مرة.”

 

تجمدت مكاني.

 

ثم بدأت أتذكر.

 

رسائل مجهولة.

 

أرقام غريبة.

 

هدايا كانت تصل دون اسم.

 

دعوات عمل غير مفهومة.

 

كنت أرفضها دائمًا وأتجاهلها.

 

لم أربط بينها أبدًا.

 

قال عمر:

 

“لما فشل… بدأ يراقب أخبارها.”

 

“ولما عرف إنها حامل…”

 

انقطع صوته للحظة.

 

ثم أكمل:

 

“هنا بدأ الخطر الحقيقي.”

 

شعرت بقبضة باردة تعتصر قلبي.

 

أما سيف فصاح فجأة:

 

“قول اللي عندك كله.”

 

تنهد عمر.

 

ثم قال:

 

“في الملف تسجيلات.”

 

“تسجيلات لمروان وهو بيتكلم عن الأطفال.”

 

توقف الزمن.

 

الأطفال؟

 

نظر سيف نحوي بسرعة.

 

أما أنا فشعرت بالخوف لأول مرة منذ سنوات.

 

قال عمر:

 

“أنا خبيت الملف طول السنين دي عشان أحمي نفسي.”

 

“لكن النهارده قررت أسلمه.”

 

سأل سيف:

 

“فين؟”

 

أجاب عمر:

 

“في خزنة بأحد البنوك.”

 

ثم أضاف:

 

“ولو وصلتله… هتعرف إن اللي حصل لكم كان مجرد بداية.”

 

تجمد سيف.

 

“يعني إيه؟”

 

وجاء الرد الذي جعل الدم يتجمد في عروقنا جميعًا.

 

“يعني في شخص كان يعرف بوجود الأطفال من يوم ولادتهم.”

 

اتسعت عيناي.

 

“مستحيل.”

 

لكن عمر أكمل:

 

“وكان بيتابع أخبارهم.”

 

“وصورهم.”

 

“وتحركاتهم.”

 

“من غير ما تعرفوا.”

 

أصبح صوت أنفاسي مسموعًا.

 

أما سيف فقبض على الهاتف بقوة حتى ابيضت مفاصله.

 

وقال:

 

“مين؟”

 

ساد صمت طويل.

 

طويل جدًا.

 

ثم قال عمر أخيرًا:

 

“افتحوا الملف… وهتعرفوا.”

 

وفجأة…

 

انقطع الاتصال.

 

نظرنا جميعًا إلى الهاتف.

 

ثم إلى بعضنا.

 

وفي اللحظة نفسها تقريبًا…

 

ركض أحد الحراس من جهة السيارات وهو يلهث.

 

كان وجهه شاحبًا.

 

وعيناه ممتلئتين بالذعر.

 

صرخ بأعلى صوته:

 

“مدام ليلى!”

 

التفتُّ نحوه بسرعة.

 

فقال الجملة التي أوقفت قلبي:

 

“ياسمين مش موجودة!”

 

يتبع…

الفصل السادس

 

“إيه؟!”

 

خرجت الصرخة مني قبل أن أستوعب الكلمات.

 

شعرت وكأن الأرض اختفت من تحت قدمي.

 

وتركت حقيبتي تسقط على الرصيف.

 

“تقصد إيه مش موجودة؟!”

 

كان الحارس يلهث بشدة.

 

“كانت مع إخواتها من دقيقة… وبعدين اختفت.”

 

لم أكمل سماع باقي كلامه.

 

ركضت مباشرة نحو السيارة.

 

وجدت يوسف وآدم واقفين بجوار الباب الخلفي.

 

ملامحهما مليئة بالخوف.

 

وعندما رأوني اندفعا نحوي.

 

“ماما!”

 

جثوت أمامهما بسرعة.

 

“فين ياسمين؟”

 

بدأ آدم بالبكاء.

 

أما يوسف فحاول التماسك.

 

وقال:

 

“كانت واقفة هنا.”

 

وأشار إلى الرصيف.

 

“وبعدين قالت إنها شافت قطة صغيرة.”

 

شعرت ببرودة تسري في جسدي.

 

“وبعدين؟”

 

“وبعدين مشينا ندور عليها… وما لقينهاش.”

 

بدأت الدنيا تدور من حولي.

 

لا.

 

لا يمكن.

 

ليس بعد كل ما حدث.

 

ليس ابنتي.

 

ليس ياسمين.

 

فجأة تحرك سيف.

 

وللمرة الأولى منذ لقائنا رأيته يتصرف دون تردد.

 

أخرج هاتفه فورًا.

 

ثم اتصل بأحد الأشخاص.

 

“أغلقوا كل مخارج المطار.”

 

صمت لحظة.

 

“دلوقتي.”

 

ثم أغلق الخط واتصل بآخر.

 

“عايز فرق أمن في كل الاتجاهات خلال خمس دقائق.”

 

نظر إليه جدي بدهشة.

 

أما أنا فلم أكن أرى شيئًا سوى وجه ياسمين.

 

ضحكتها.

 

صوتها.

 

يديها الصغيرتين.

 

بدأ الذعر يلتهمني.

 

وفجأة أمسك سيف كتفي.

 

“هنلاقيها.”

 

أبعدت يده بعنف.

 

“متلمسنيش.”

 

ظهر الألم في عينيه للحظة.

 

لكنه لم يرد.

 

لأن الوقت لم يكن وقت مشاعر.

 

كان وقت البحث.

 

بعد عشر دقائق فقط كانت المنطقة كلها تعج برجال الأمن.

 

كاميرات المطار.

 

مخارج السيارات.

 

المواقف.

 

كل شيء.

 

لكن ياسمين لم تظهر.

 

أبدًا.

 

ثم جاء أحد الحراس راكضًا.

 

كان يحمل شيئًا صغيرًا بيده.

 

وعندما رأيته شعرت بأن قلبي توقف.

 

كانت دمية ياسمين المفضلة.

 

الأرنب الأبيض الصغير.

 

الذي لا تنام بدونه.

 

أخذته من يده بسرعة.

 

وكان هناك شيء ملفوف حول عنقه.

 

ورقة صغيرة.

 

بدأت يداي ترتجفان.

 

أما سيف فأخذ الورقة وفتحها.

 

ثم شحب وجهه بالكامل.

 

“إيه المكتوب؟!”

 

صرخت فيه.

 

لكنه لم يجب.

 

انتزعت الورقة من يده.

 

وقرأت.

 

وكانت الكلمات قصيرة جدًا.

 

لكنها كانت كافية لتحويل العالم إلى جحيم.

 

“الملف مقابل الطفلة.”

 

ساد الصمت.

 

شعرت بأن الدم انسحب من وجهي.

 

أما جدي فأغلق عينيه.

 

وسيف بقي يحدق في الورقة.

 

كأنه يعرف بالضبط ماذا تعني.

 

قلت بصوت مرتجف:

 

“تقصد إيه؟”

 

رفع رأسه ببطء.

 

ولأول مرة رأيت الرعب الحقيقي في عينيه.

 

ثم قال:

 

“الشخص اللي خطفها… يعرف عن الملف.”

 

“ويعرف إننا عرفنا بوجوده.”

 

بلعت ريقي بصعوبة.

 

“مين؟”

 

هز رأسه.

 

“مش عارف.”

 

لكن في الحقيقة…

 

كان هناك اسم واحد فقط يدور في رأس كل شخص موجود.

 

مروان.

 

وفي اللحظة نفسها رن هاتف سيف.

 

رقم مجهول.

 

تجمد الجميع.

 

فتح سيف الخط.

 

ووضعه على مكبر الصوت.

 

ثم جاء صوت رجل هادئ بشكل مخيف.

 

“مساء الخير يا سيف.”

 

عرفه سيف فورًا.

 

وأنا أيضًا.

 

لأنني سمعته عشرات المرات في الماضي.

 

كان صوت مروان عزت.

 

شريك سيف السابق.

 

وصديقه الذي خانه.

 

قال سيف من بين أسنانه:

 

“فين بنتي؟”

 

ساد صمت قصير.

 

ثم ضحك مروان.

 

ضحكة باردة جعلت الدم يتجمد في العروق.

 

وقال:

 

“أخيرًا سميتها بنتك.”

 

ثم أغلق الخط.

 

يتبع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *