الحوت حكايات اسما ×2
دخلت نغم الشركة بعدها بأيام عشان تبدأ شغلها الجديد.
ورغم إنها كانت بتحاول تبان طبيعية، كنت شايف التوتر في عينيها.
أي حد مكانها كان هيبقى متوتر.
واحدة كانت بتشتغل وظيفتين عشان تقدر تدفع إيجار الشقة وعلاج أخوها، وفجأة بقت مديرة في شركة من أكبر شركات التكنولوجيا في البلد.
لكن اللي شد انتباهي أكتر إنها أول ما دخلت الشركة ما سألتش عن مكتبها.
ولا عن المرتب.
ولا عن المميزات.
أول سؤال سألته كان:
“التأمين الطبي بيشمل أفراد الأسرة؟”
بصيتلها وابتسمت.
وقلت:
“أيوة.”
تنهدت براحة واضحة.
وقالت:
“الحمد لله.”
ساعتها بس عرفت قد إيه كانت شايلة هم أخوها.
مرت أسابيع.
ونغم أثبتت إنها تستحق المكان اللي وصلتله.
الكل كان بيحب يشتغل معاها.
الكل كان بيحترمها.
وكان واضح إنها عندها قدرة غريبة إنها تخلي أي حد حواليها يحس إنه مهم.
زي ما عملت معايا زمان.
لكن كان في حاجة مخلية قلبي مش مرتاح.
كل يوم الساعة خمسة بالظبط كانت تقوم فجأة.
تقفل اللابتوب.
وتجري.
ولا عمرها اتأخرت دقيقة واحدة.
وفي يوم سألتها:
“مستعجلة على إيه كل يوم؟”
ابتسمت.
وقالت:
“عندي حد مستنيني.”
كنت عارف طبعًا إنها تقصد أخوها.
لكن كنت عايز أشوفه.
كنت عايز أقابل الشخص اللي خلت حياته أهم من حياتها كلها.
بعد أسبوع.
كنت خارج من اجتماع متأخر.
ولقيت نغم واقفة قدام الشركة.
شكلها متوتر جدًا.
قربت منها.
قلت:
“خير؟”
بصتلي.
وقالت:
“العربية عطلت.”
“طيب؟”
“وأخويا لوحده في البيت.”
طلعت مفاتيحي فورًا.
وقلت:
“اركبي.”
“لا لا مش عايزة أتعبك.”
“نغم.”
سكتت.
قلت:
“إركبي.”
بعد دقائق كنا ماشيين.
ولأول مرة من عشرين سنة بقينا لوحدنا فعلًا.
مش مجرد ذكريات.
مش مجرد قصة قديمة.
لكن شخصين قاعدين جنب بعض.
وكل واحد فيهم شايل عمر كامل جواه.
بعد شوية سألتها:
“عمرك ندمتي على حاجة؟”
بصت للشباك.
وقالت:
“كتير.”
“زي إيه؟”
ابتسمت بحزن.
“إني ما لحقتش أعيش.”
الجملة دي وجعتني.
قالتها ببساطة.
لكن كان وراها سنين كاملة.
سنين ضاعت.
أحلام اتأجلت.
حب ما بدأش.
وحياة ما اتعاشتش.
وصلنا العمارة اللي ساكنة فيها.
عمارة قديمة جدًا.
من النوع اللي الزمن نسيه.
طلعت معاها عشان أتأكد إنها وصلت.
وقفت قدام باب الشقة.
فتحت بالمفتاح.
وأول ما الباب اتفتح…
سمعت صوت رجالي مليان فرحة.
“نغوووم!”
وبعد ثواني ظهر شاب في أواخر الثلاثينات.
وجهه مليان براءة.
وعيونه كلها حب.
أول ما شافها حضنها كأنه طفل صغير.
“اتأخرتي.”
ضحكت.
وقالت:
“العربية عطلت.”
بعدين بصتلي.
وقالت:
“ده أخويا كريم.”
مديت إيدي.
لكن كريم سبقني.
وحضني.
حضن كامل.
من غير أي مقدمات.
وقال:
“شكرًا إنك رجعت نغم.”
اتجمدت.
لأن الجملة خرجت من قلبه مباشرة.
ومن غير أي تكلف.
بصيت لنغم.
لقيت دموعها قربت تنزل.
واضح إنها كانت متعودة تحارب لوحدها.
ومتعودة الناس تبص لأخوها بشكل مختلف.
لكن كريم كان إنسان جميل بشكل يصعب وصفه.
جلسنا قليلًا.
وبدأت أتكلم معاه.
اكتشفت إنه حافظ أفلام كاملة.
ويعرف تواريخ وأسماء أكتر مني.
وبيضحك على النكت قبل ما تخلص.
وكانت روحه نقية بشكل مؤلم.
وأنا راجع وقتها.
كنت مقتنع أكتر من أي وقت إن نغم كانت أعظم إنسانة قابلتها في حياتي.
بعد شهرين.
حصل شيء ما كنتش متوقعه.
كريم دخل المستشفى.
فجأة.
في نص الليل.
نغم اتصلت بيا.
ولأول مرة سمعتها بتعيط.
بجد.
مش بتحاول تبان قوية.
مش بتحاول تبان ثابتة.
لكن منهارة.
“أحمد… أنا خايفة.”
جريت على المستشفى فورًا.
ولما وصلت لقيتها قاعدة قدام العناية المركزة.
وحدها.
زي كل مرة.
حطيت إيدي على كتفها.
وقالت بصوت مكسور:
“لو حصله حاجة… هبقى لوحدي.”
سكت.
لأنها كانت أول مرة تعترف بالحقيقة.
هي ما كانتش خايفة عليه بس.
كانت خايفة من الوحدة.
خايفة من اليوم اللي تصحى فيه وما تلاقيهوش.
خايفة من الفراغ.
بعد عمر كامل عاشته عشانه.
العملية استمرت ساعات.
وأخيرًا خرج الدكتور.
وقال إن الحالة مستقرة.
في اللحظة دي نغم انهارت.
مش من الخوف.
لكن من الراحة.
فضلت تعيط.
وأول مرة من عشرين سنة.
سمحت لحد يشيل عنها جزء من الحمل.
حضنتني.
وهي بتبكي.
وقالت:
“أنا تعبت يا أحمد.”
وأنا حضنتها.
وقلت:
“خلاص… كفاية.”
بعد خروج كريم من المستشفى بدأت حياتنا تتغير.
ببطء.
لكن بثبات.
بقينا نتغدى سوا.
نتكلم أكتر.
نضحك أكتر.
وكريم نفسه بقى يكلمني كل يوم تقريبًا.
وفي مرة كنا قاعدين سوا.
فجأة كريم قال:
“إنت بتحب نغم.”
كتمت نفسي.
ونغم شهقت.
“كريم!”
لكن كريم كمل بمنتهى البراءة:
“وهي كمان بتحبك.”
الصمت نزل على المكان كله.
أما أنا فبصيت لنغم.
ولأول مرة ما بصتش بعيد.
ولأول مرة ما هربتش.
ولأول مرة شفت نفس النظرة اللي كانت في عينيها ليلة حفلة التخرج.
بعدها بأسابيع.
أخدتها للمكان اللي بدأ منه كل شيء.
قاعة المدرسة القديمة.
كان فيها احتفال للخريجين القدامى.
وقفنا قدام نفس المسرح.
نفس المكان.
نفس الذكريات.
وسألتها:
“فاكرة الليلة دي؟”
ابتسمت.
وقالت:
“مستحيل أنساها.”
“ليه؟”
ضحكت.
وقالت:
“عشان كنت مع أجمل ولد في القاعة.”
ضحكت.
“كذابة.”
هزت رأسها.
وقالت:
“لا.”
ثم سكتت.
وأضافت بهدوء:
“الناس كلها كانت شايفة وزنك.”
“وأنا كنت شايفة قلبك.”
في اللحظة دي حسيت إن عشرين سنة من الألم اختفوا.
كأنهم ما كانوش موجودين أصلًا.
طلعت خاتم من جيبي.
ركعت قدامها.
وسط القاعة الفاضية.
ونفس المكان اللي وقفت فيه جنبي زمان.
وقلت:
“زمان أنقذتي ولد مكسور.”
“دلوقتي عايز أقضي عمري كله مع الست اللي أنقذته.”
نغم بدأت تبكي.
وضحت في نفس الوقت.
وقالت:
“استني.”
قلبي وقع.
لكنها لفت ناحية كريم.
اللي كان مستخبي ورا الباب مع مجموعة من موظفي الشركة.
وبيصوروا كل حاجة.
صرخت:
“كريم! إنت كنت عارف؟!”
ضحك بصوت عالي.
وقال:
“من شهرين.”
رجعت تبصلي.
والدموع مالية عينيها.
وقالت:
“أيوة يا أحمد.”
وأخيرًا…
بعد عشرين سنة كاملة…
البنت اللي اختارت الحوت يوم ما الكل ضحك عليه…
اختارته مرة تانية.
لكن المرة دي…
عشان يكملوا العمر كله سوا. ❤️
تمت