ليلة العمر حكـايـات أسمـا ×2
الفصل الثاني: السر الذي عاد من الماضي
ساد الصمت داخل قاعة الاجتماعات.
الجميع كان ينظر إلى رئيس مجلس الإدارة الجديد بانبهار.
إلا سلمى.
كانت تنظر إليه وكأنها رأت شبحًا.
أما عمر المنصوري…
فكان ينظر إليها بالطريقة نفسها.
مرت ثوانٍ طويلة قبل أن يستعيد سيطرته على نفسه.
ثم تابع الاجتماع وكأن شيئًا لم يحدث.
لكن سلمى لم تسمع كلمة واحدة مما قيل بعد ذلك.
كل ما كانت تفكر فيه هو سؤال واحد:
هل هو؟
هل يمكن أن يكون الرجل نفسه؟
بعد انتهاء الاجتماع نهض الجميع للمغادرة.
كانت آخر من خرج.
وقبل أن تصل إلى الباب سمعت صوته خلفها.
هادئًا.
عميقًا.
“الآنسة سلمى…”
تجمدت في مكانها.
استدارت ببطء.
فوجدته يقف وحده.
ينظر إليها مباشرة.
قال:
“أريد التحدث معك.”
ارتبك قلبها بعنف.
ورغم ذلك حافظت على هدوئها.
“بخصوص العمل؟”
ابتسم ابتسامة صغيرة.
“بخصوص شيء حدث منذ سبع سنوات.”
اختفى اللون من وجهها.
شعرت وكأن الأرض تميد تحت قدميها.
—
بعد دقائق كانت تجلس أمامه داخل مكتبه الجديد.
المكتب كان أكبر من شقتها كلها.
جدران زجاجية.
أثاث فاخر.
وإطلالة مباشرة على النيل.
نفس النيل الذي رأته من نافذة الفندق.
جلس عمر خلف مكتبه.
أما هي فبقيت صامتة.
حتى قال أخيرًا:
“أنتِ ما زلتِ تحتفظين بالرسالة.”
اتسعت عيناها.
“كيف عرفت؟”
ابتسم بحزن.
“لأنني أعرفك أكثر مما تتصورين.”
ارتفع الغضب داخلها فجأة.
“تعرفني؟”
نهضت من مقعدها.
“أنت لا تعرف عني شيئًا.”
رفع عينيه إليها.
وقال بهدوء:
“أعرف أن والدك أجرى عملية قلب بعد عامين من تلك الليلة.”
تجمدت.
“وأعرف أن والدتك افتتحت مشروعًا صغيرًا في المنيا.”
ازدادت صدمتها.
“وأعرف أن شقيقك تخرج من كلية الهندسة العام الماضي.”
بدأ الخوف يتسلل إلى قلبها.
“من أنت؟”
صمت للحظة.
ثم قال:
“الرجل الذي أنقذ حياتك.”
—
شعرت سلمى بالغضب أكثر من أي وقت مضى.
“أنقذت حياتي؟”
ضحكت بسخرية.
“هل هذه مزحة؟”
وقف عمر أمام النافذة.
ونظر إلى مياه النيل.
ثم قال:
“في تلك الليلة لم تكوني في أمان.”
“ماذا تقصد؟”
تنهد.
وأجاب:
“الحفلة لم تكن كما ظننت.”
بدأ قلبها ينبض بسرعة.
“اشرح.”
استدار نحوها.
ولأول مرة رأت الألم في عينيه.
“الشخص الذي دعاك للحفلة لم يكن يبحث عن موظفين جدد.”
“ماذا؟”
“كان يبحث عن فتيات.”
شعرت بقشعريرة باردة تسري في جسدها.
“فتيات من أجل ماذا؟”
أطرق برأسه للحظة.
ثم قال:
“من أجل شبكة اتجار بالبشر.”
تجمد الزمن.
لم تستوعب ما سمعته.
“مستحيل.”
“هذه هي الحقيقة.”
“لا.”
“نعم.”
تراجعت خطوة للخلف.
“أنت تكذب.”
أخرج ملفًا من أحد الأدراج.
ووضعه أمامها.
فتحت الملف.
وبدأت تقلب الصفحات.
ثم شعرت بأنفاسها تختنق.
كانت هناك صور.
وتقارير.
وأسماء.
وأخبار عن مداهمات أمنية.
وشهادات.
وأرقام.
كل شيء حقيقي.
كل شيء موثق.
كل شيء مرعب.
رفعت رأسها نحوه ببطء.
“أنا… كنت واحدة منهم؟”
أجاب بصوت منخفض:
“نعم.”
سقطت في مقعدها.
غير قادرة على الكلام.
“وأنت؟”
“كنت أعمل مع جهات تحاول إسقاط الشبكة.”
“ولهذا أخذتني؟”
أومأ برأسه.
“نعم.”
“ولماذا لم تخبرني؟”
صمت طويل.
ثم قال:
“لأنك كنت ستصبحين هدفًا إذا عرف أحد أنك نجوت.”
—
مرت دقائق طويلة دون كلام.
كانت تحاول استيعاب الحقيقة.
ثم رفعت رأسها فجأة.
“والمليون جنيه؟”
نظر إليها عمر.
ولم يجب فورًا.
كأنه يفكر في شيء قديم جدًا.
شيء يؤلمه.
ثم قال:
“لم يكن المقصود أن تأخذي المال.”
رمشت عدة مرات.
“ماذا؟”
“الحقيبة لم تكن لك.”
شعرت بالارتباك.
“إذن لمن كانت؟”
أجاب:
“كانت دليل إدانة.”
اتسعت عيناها.
“دليل؟”
“كانت تحتوي على أموال ورشاوى ومستندات تدين أشخاصًا كبارًا جدًا.”
بدأت المفاجآت تتوالى.
“ولماذا تركتها لي؟”
أغمض عينيه للحظة.
ثم قال:
“لأن إطلاق النار بدأ فجأة.”
شعرت بقشعريرة.
“إطلاق نار؟”
“في تلك الليلة تمت مداهمة المكان.”
“يا إلهي.”
“اضطررت لإخراجك بسرعة.”
“وأخذت الحقيبة معك.”
“نعم.”
“ثم؟”
ابتسم لأول مرة.
ابتسامة مريرة.
“ثم استيقظتِ قبل أن أعود.”
“ولهذا اختفيت؟”
“ولهذا اختفيت.”
ساد الصمت.
لكن سؤالًا واحدًا ظل يطاردها.
سؤال أخطر من كل ما سبق.
لماذا ظل يراقبها سبع سنوات كاملة؟
ولماذا لم يتزوج؟
ولماذا كان ينظر إليها الآن بهذه الطريقة؟
وكأنها لم تكن مجرد فتاة أنقذها ذات ليلة…
بل شيئًا أكثر بكثير.
شيئًا لم ينسه طوال سبع سنوات.
وفي اللحظة التي كادت تسأله فيها…
انفتح باب المكتب فجأة.
ودخل رجل مذعور وهو يصرخ:
“أستاذ عمر… عندنا مشكلة كبيرة!”
رفع عمر رأسه بسرعة.
“إيه اللي حصل؟”
قال الرجل بصوت مرتجف:
“في حد عرف إن الآنسة سلمى هنا…”
ثم ابتلع ريقه بصعوبة.
وأكمل:
“والناس اللي كنا فاكرينهم ماتوا من سبع سنين… رجعوا تاني.”
الفصل الثالث: الأشباح لا تموت دائمًا
شعرت سلمى بأن الهواء اختفى من الغرفة.
نظرت إلى الرجل الواقف أمام المكتب.
ثم إلى عمر.
ثم عادت لتنظر إلى الملف المفتوح أمامها.
كل ما سمعته خلال الساعة الماضية كان أشبه بكابوس.
لكن الجملة الأخيرة كانت الأسوأ.
“الناس اللي كنا فاكرينهم ماتوا من سبع سنين رجعوا تاني.”
نهض عمر فورًا.
اختفت ملامح الهدوء من وجهه.
وحل محلها شيء آخر.
شيء أخطر.
شيء جعلها تدرك لأول مرة أن هذا الرجل ليس مجرد رجل أعمال.
قال بصوت حاد:
“مين بالضبط؟”
أجاب الرجل:
“عصام الكردي.”
تغير وجه عمر بالكامل.
أما سلمى فلم تفهم الاسم.
لكنها فهمت من رد فعله أنه اسم مهم.
اسم مخيف.
اسم قادر على تغيير كل شيء.
سأل عمر:
“متأكد؟”
“مئة بالمئة.”
“فين شافوه؟”
“في الإسكندرية.”
ساد الصمت.
ثم التفت عمر إلى سلمى.
وقال جملة جعلت قلبها يتوقف.
“يجب أن تختفي.”
شهقت.
“إيه؟”
“دلوقتي.”
“أنا مش فاهمة.”
اقترب منها.
“لو عصام عرف أنك ما زلتِ على قيد الحياة ستكونين أول هدف.”
بدأ الخوف الحقيقي يتسلل إليها.
“لكن ليه؟”
فتح عمر درج مكتبه.
وأخرج صورة قديمة.
وضعها أمامها.
فحدقت فيها.
ثم شعرت ببرودة تجتاح جسدها.
كانت صورتها.
صورتها هي.
منذ سبع سنوات.
في الحفلة.
قال عمر:
“أنتِ آخر شخص خرج من هناك حيًا.”
—
بعد ساعة واحدة فقط.
كانت سلمى داخل سيارة سوداء مصفحة.
تتحرك بسرعة عبر شوارع القاهرة.
خلف المقود جلس أحد رجال الأمن.
بينما جلس عمر بجوارها في المقعد الخلفي.
لم تتوقف عن النظر إليه.
وأخيرًا قالت:
“أنا تعبت.”
نظر إليها.
“من إيه؟”
“من الأسرار.”
أغمضت عينيها.
“عاوزة الحقيقة كلها.”
ساد الصمت.
ثم قال:
“الحقيقة قد تدمرك.”
“أفضل من الجهل.”
ظل ينظر إليها عدة ثوانٍ.
ثم استسلم.
وقال:
“أنا لم أقابلك للمرة الأولى في تلك الليلة.”
فتحت عينيها فجأة.
“إيه؟”
“كنت أعرفك قبلها.”
تجمدت.
“إزاي؟”
ابتسم ابتسامة صغيرة.
“منذ كنتِ في الجامعة.”
شعرت بالصدمة.
“كنت تعرفني؟”
أومأ.
“نعم.”
“لكن لماذا؟”
أخرج هاتفه.
وفتح صورة قديمة.
ثم أعطاها الهاتف.
نظرت إلى الصورة.
ولم تفهم في البداية.
ثم اتسعت عيناها.
كانت صورة لها.
تقف أمام إحدى قاعات الجامعة.
وتضحك مع أصدقائها.
قالت بدهشة:
“مين صور دي؟”
“أنا.”
رفعت رأسها نحوه بسرعة.
“أنت؟!”
تنهد.
“كنت أمر أمام الجامعة بالصدفة.”
“وصورتني؟”
“نعم.”
“ده جنون.”
ابتسم.
“ربما.”
ازدادت حيرتها.
“ليه؟”
نظر من النافذة.
ثم قال بصوت منخفض:
“لأنك ذكرتيني بشخص فقدته.”
—
في تلك اللحظة.
رن هاتف عمر.
نظر إلى الشاشة.
ثم تغير وجهه.
أجاب فورًا.
“اتكلم.”
جاءه صوت متوتر:
“لقيناها.”
تجمد.
“فين؟”
“المخزن.”
شعر جسده كله بالتوتر.
“هل أنتم متأكدون؟”
“نعم.”
“ولا ورقة ناقصة.”
أغلق الهاتف.
ثم التفت إلى سلمى.
وقالت بفضول:
“في إيه؟”
نظر إليها مباشرة.
ثم قال:
“الحقيبة.”
اتسعت عيناها.
“حقيبة المليون جنيه؟”
“الحقيبة الأصلية.”
شهقت.
“لسه موجودة؟”
أومأ.
“وأخيرًا وجدناها.”
“وماذا فيها؟”
ساد الصمت.
ثم قال:
“فيها أسماء.”
“أسماء مين؟”
أجاب بصوت بارد:
“رجال دولة.”
شعرت بالدوار.
“إيه؟”
“وزراء.”
“مستحيل.”
“وقضاة.”
بدأت أنفاسها تتسارع.
“ورجال أعمال.”
ثم أضاف:
“وأشخاص قتلوا من أجل ألا تظهر هذه الحقيبة للنور.”
ساد الصمت.
ثم همست:
“يعني كل اللي حصل كان بسببها؟”
“نعم.”
“وما علاقتي أنا؟”
نظر إليها طويلًا.
طويلًا جدًا.
ثم قال أخيرًا:
“لأن اسمك موجود داخلها.”
شحب وجهها.
“اسمي؟”
“نعم.”
“لكن كيف؟”
أجاب بصوت خافت:
“لأن الشخص الذي كان من المفترض أن يُباع في تلك الليلة لم يكن أنتِ.”
تجمدت.
“ماذا؟”
“كان شخصًا آخر.”
“ومن هو؟”
نظر إليها بعينين مليئتين بالأسرار.
ثم قال:
“شقيقتك الكبرى.”
وفي اللحظة نفسها…
انفجرت السيارة من الخلف بقوة هائلة.
وتحول الليل إلى كرة من النار.
يتبع
