ضريبة الغربه حكـايـات أسمـا ×2
مرت ثلاثة أيام.
الفيلا بقت هادية لأول مرة من سنين.
سارة كانت كل يوم تصحى بدري.
تلف في البيت وهي مش مصدقة إنه بقى بيتها من تاني.
كل شوية تلمس الحيطان.
وتبص للشبابيك.
وتبتسم.
أما آدم وملك…
فكانوا بيجروا في الجنينة من أول الصبح.
كل لعبة كانت بالنسبالهم كنز.
كل أوضة كانوا يدخلوها كانوا يحسوا إنهم بيكتشفوا عالم جديد.
لكن أنا…
كنت عارف إن الحكاية لسه ما خلصتش.
المحامي اتصل بيا.
وقال:
“في حاجة لازم تشوفها بنفسك.”
روحت مكتبه.
حط قدامي ملف جديد.
وقال:
“دي كشوف حسابات أختك دينا.”
فتحت الملف.
وأول صفحة خلتني أتجمد.
تحويلات شهرية.
بنفس المبالغ تقريبًا.
لكن لجهة تانية.
رفعت عيني.
وقلت:
“يعني إيه؟”
قال:
“الفلوس ما كانتش بتتصرف كلها عليهم.”
قلب الصفحة.
ظهر اسم شركة استثمار.
وشركة مقاولات.
وحسابات خارجية.
كلها مرتبطة بشخص واحد.
زوج أختي.
حسام.
الراجل اللي طول عمره بيدعي إنه بدأ من الصفر.
والناس كلها كانت بتحلف إنه عصامي.
لكن الحقيقة…
إن إمبراطوريته اتبنت من فلوس ولادي.
رجعت بظهري على الكرسي.
وقلت:
“يعني كانوا كلهم شركا؟”
هز المحامي رأسه.
وقال:
“الظاهر إن التخطيط بدأ من أول يوم سافرت فيه.”
خرجت من المكتب.
وأنا حاسس إن الخيانة أكبر بكتير مما كنت متخيل.
وأول ما وصلت الفيلا…
لقيت عربية فخمة واقفة قدام الباب.
دخلت.
ولقيت دينا قاعدة في الصالون.
وشها شاحب.
وأول ما شافتني قامت بسرعة.
وقالت وهي بتبكي:
“أنا عايزة أتكلم معاك.”
وقفت قدامها.
وسكت.
قالت:
“أنا غلطت.”
مردتش.
كملت وهي منهارة:
“أمي كانت بتقول إنك معاك فلوس كتير.
وإنك مش هتحس بحاجة.
وبعدين حسام أقنعني نستثمر جزء منها.
وكل مرة كان يقول هنعوضهم بعدين.”
ضحكت ضحكة قصيرة كلها مرارة.
وقلت:
“وبعدين؟”
قالت:
“خسر كل حاجة.”
رفعت حاجبي.
قالت:
“الأراضي اتباعت.
والشركات عليها ديون.
وكل اللي فضل…
متسجل باسم أمي.”
في اللحظة دي…
سمعنا صوت عربية بتقف بعنف قدام الفيلا.
نزل منها حسام.
دخل وهو منفعل.
وأول ما شافني قال:
“اللي عملته ده هيضيعنا كلنا.”
بصيت له بهدوء.
وقلت:
“اللي ضيعكم…
هو طمعكم.”
قرب خطوة.
وقال:
“إحنا عيلة.”
قلت:
“العيلة…
ما تسيبش طفل ياكل عيش ناشف وهي قاعدة على سفرة مليانة.”
سكت.
لأول مرة.
ما لقى أي كلام يرد بيه.
لف وخرج من غير ما ينطق حرف.
أما دينا…
فقعدت على الأرض تبكي.
وسارة كانت واقفة عند باب الصالون.
شايفة كل حاجة.
لكنها ما قالتش كلمة.
بعد ما الكل مشي…
قربت مني.
وقالت بهدوء:
“هتسامحهم؟”
بصيت من الشباك ناحية السماء.
وقلت:
“المسامحة حاجة.
ورجوع الحقوق لأصحابها حاجة تانية.
واللي اتسرق من ولادي…
لازم يرجع.”
وفي اللحظة دي…
رن هاتفي.
كان رقم غريب.
رديت.
فجالي صوت رجل كبير في السن يقول:
“أنا أعرف سرًا عن اللي حصل قبل سفرك…
ولو عرفته…
هتعرف إن اللي شفته لحد دلوقتي…
كان مجرد البداية.”
فضلت ماسك التليفون كام ثانية.
وقلت للرجل:
“حضرتك مين؟”
رد بصوت هادي.
“اسمي عبدالتواب.
كنت المحاسب القانوني اللي كان بيتابع شغلك قبل ما تسافر.”
اتجمدت مكاني.
الاسم ده كنت فاكره.
كان الراجل اللي رشحته الشركة يساعدني في أول سنة سفر.
قلت بسرعة:
“إيه السر اللي بتتكلم عنه؟”
قال:
“مينفعش في التليفون.
لازم نتقابل.”
بعد ساعة.
كنت قاعد قدامه في مكتب صغير.
طلع من درج مكتبه ظرف بني قديم.
وحطه قدامي.
وقال:
“افتحه.”
فتحت الظرف.
ولقيت صور.
أول صورة كانت لأمي.
واقفة قدام البنك.
ومعاها راجل غريب.
الصورة التانية.
كانوا خارجين من مكتب محاماة.
أما الصورة التالتة…
فكانت عقد وكالة.
لكن الوكالة اتلغت قبل ما تتفعل.
بصيت لعبدالتواب باستغراب.
قال:
“قبل سفرك بأسبوع…
والدتك حاولت تقنعك تعمل لها توكيل عام.”
هزيت راسي.
“فاكر.
لكن رفضت.”
ابتسم.
وقال:
“بعدها راحت تدور على أي طريقة تانية تسيطر بيها على فلوسك.”
طلع ورقة تانية.
كانت عبارة عن رسائل مطبوعة.
وقال:
“دي مراسلات بينها وبين مدير الحساب القديم.”
قرأت أول سطر.
وكان مكتوب فيه.
لازم أحمد ما يعرفش أي حاجة.
كل التحويلات هتنزل في الحساب المتفق عليه.
قفلت الورق.
وحسيت إن قلبي بيدق بعنف.
قلت:
“يعني اللي حصل كان متخطط له من قبل سفري؟”
هز رأسه.
وقال:
“للأسف.
أيوه.”
رجعت الفيلا.
وسارة كانت مستنياني.
أول ما شافت وشي.
عرفت إن في حاجة.
قالت:
“إيه اللي حصل؟”
حكيت لها كل حاجة.
فضلت ساكتة.
وبعدين قالت:
“أنا كنت كل يوم أقول يمكن أمك قلبها يحن.
لكن كل يوم كانت تقسى أكتر.”
في اليوم التالي.
وصل استدعاء رسمي.
كانت أول جلسة للتحقيق.
دخلت القاعة.
ولقيت أمي.
ودينا.
وحسام.
كل واحد قاعد بعيد عن التاني.
محدش فيهم قادر يبص في عيني.
بدأت الجلسة.
واتعرضت كشوف الحسابات.
وتحويلات البنك.
وصور الممتلكات.
وشهادات الشهود.
وفي نص الجلسة.
وقف حسام فجأة.
وقال بصوت عالي:
“أنا هقول الحقيقة.”
الكل بص له.
بلع ريقه.
وقال:
“أنا غلطان.
بس أنا ما بدأتش الخطة.”
سكت لحظة.
وأشار ناحية أمي.
وقال:
“هي صاحبة الفكرة.
وقالت إن أحمد عمره ما هيرجع.
ولو رجع…
هنقنعه يمضي على أي ورق.”
ساد الصمت في القاعة.
أمي انفعلت.
وقامت واقفة.
وقالت:
“بيكدب.
بيحاول ينقذ نفسه.”
لكن القاضي طلب منها تهدأ.
وفي اللحظة دي.
عبدالتواب قدم الظرف القديم.
وقدم معه أصل المراسلات.
وتقرير البنك.
وبقت الصورة كاملة.
بصيت ناحية أمي.
كانت لأول مرة باينة عليها الهزيمة.
مش بسبب الفلوس.
لكن لأنها عرفت إن الحقيقة كلها خرجت للنور.
خرجت من القاعة.
وسارة كانت مستنياني بره.
مسكت إيدي.
وقالت:
“مهما حصل…
إحنا مع بعض.”
ابتسمت.
وبصيت لآدم وملك.
كانوا واقفين يضحكوا.
ولأول مرة.
حسيت إن ولادي بدأوا يعيشوا الطفولة اللي اتحرموا منها.
لكن قبل ما نركب العربية.
وقف قدامي راجل كبير في السن.
قال:
“إنت أحمد السيوفي؟”
قلت:
“أيوه.”
مد لي ملف صغير.
وقال:
“ده من أبوك.
وساب وصية تتفتح بعد خمس سنين من سفرك.
واضح إن الراجل كان متوقع إن اليوم ده هييجي.”
وقفت مكاني.
بصيت للراجل.
وبعدين بصيت للمظروف اللي في إيده.
كان قديم.
عليه ختم مكتب محاماة.
واسمي مكتوب بخط أبويا.
إيدي كانت بتترعش وأنا باخده.
ركبت العربية.
وسارة كانت قاعدة جنبي.
قالت بهدوء:
“افتحه.”
فتحت الظرف.
ولقيت جواب.
أول سطر فيه خلاني أحس إن أبويا قاعد قدامي.
“يا أحمد…
لو بتقرأ الرسالة دي.
يبقى أنا خلاص مشيت من الدنيا.”
بلعت ريقي.
وكملت.
“أنا عارف إنك هتستغرب ليه كتبت الرسالة دي.
بس فيه حاجات كنت شايفها.
ومقدرتش أقولها وقتها.
لأن الكلام كان هيولع البيت.”
كل كلمة كنت بقراها كانت بتزود دقات قلبي.
“أمك بتحبكم.
لكن حبها للفلوس والسيطرة أكبر.
ومن يوم ما ورثت أرض جدك.
وأنا شايف الطمع بيكبر جواها.”
وقفت لحظة.
وسارة حطت إيديها على كتفي.
رجعت أكمل.
“عشان كده.
أنا سجلت الفيلا باسمك.
وحطيت شرط في العقد.
إن محدش يقدر يبيعها.
ولا يرهنها.
ولا ينقل ملكيتها.
إلا بحضورك شخصيًا.”
ابتسمت رغم كل اللي جوايا.
وده كان السر.
ليه أمي فضلت مستنية توقيعي كل السنين دي.
لأن من غيره.
ولا ورقة كانت ليها قيمة.
لكن الجواب مكنش خلص.
“وفيه سر أخير.
لو الأمور وصلت للي كنت خايف منه.
روح للمزرعة القديمة.
هتلاقي هناك صندوق حديد.
ومفتاحه مع عمك محمود.”
رفعت عيني.
وقلت:
“المزرعة؟”
عمري ما روحتها من يوم وفاة أبويا.
في اليوم التاني.
أنا وسارة رحنا هناك.
المكان كان مهجور.
الشجر كبر.
والتراب غطى كل حاجة.
لقينا عمي محمود قاعد قدام البيت القديم.
أول ما شافني.
قام حضني.
وقال:
“أبوك كان متأكد إنك هتيجي.”
طلع مفتاح صغير من جيبه.
وحطه في إيدي.
ودخلنا المخزن.
وفي آخره.
كان فيه صندوق حديد كبير.
فتحت القفل.
ولقيت ملفات.
وعقود.
ودفاتر حسابات.
وصندوق خشب صغير.
فتحت الصندوق.
كان فيه ساعة أبويا.
وخاتمه.
وصورة لينا وإحنا صغيرين.
وتحت الصورة.
ورقة مطوية.
فتحتها.
وكان مكتوب فيها:
“الثروة الحقيقية مش اللي هتورثها.
الثروة الحقيقية هي سمعتك.
ولو في يوم اضطررت تختار بين الفلوس وأولادك…
اختار أولادك.
لأن الفلوس بترجع.
إنما العمر لو راح…
ما بيرجعش.”
نزلت دموعي لأول مرة من سنين.
سارة مسكت إيدي.
وقالت:
“أبوك كان راجل عظيم.”
هزيت رأسي.
لكن وأنا بقفل الصندوق.
لاحظت ظرفًا صغيرًا مخفيًا في القاع.
عليه عبارة واحدة بخط أبويا:
“لا تفتحه إلا إذا خانك أقرب الناس.”
بصيت لسارة.
وبصيت للظرف.
وحسيت إن السر اللي جواه…
ممكن يغير كل اللي عرفته عن عيلتي.
فضلت أبص للظرف.
إيدي كانت واقفة.
مش قادرة تفتحه.
سارة قالت بهدوء:
“يمكن يكون الوقت جه.”
أخدت نفس طويل.
وفتحت الظرف.
كان جواه ورقة واحدة.
ومعاها فلاشة صغيرة.
الورقة كانت بخط أبويا.
“يا أحمد…
لو وصلت للرسالة دي.
يبقى الخيانة كانت أكبر مما توقعت.
الفلاشة دي فيها نسخة من كل المستندات اللي احتفظت بيها.
وفيها تسجيلات.
وفيها سبب خوفي الحقيقي.”
رجعت بصيت للفلاشة.
ولما وصلنا البيت.
شغلتها على اللابتوب.
ظهر أول تسجيل.
كان بتاريخ قبل سفري بشهرين.
أبويا كان قاعد في مكتبه.
وبيتكلم مع شخص صوته واضح.
قال:
“أنا مش هوافق على اللي بتطلبوه.”
والصوت التاني رد:
“يبقى ابنك هو اللي هيتحمل النتيجة.”
عرفت الصوت.
كان حسام.
قبل ما يبقى جوز أختي.
وقبل ما يدخل العيلة بشكل رسمي.
التسجيل التاني كان أصعب.
أمي كانت بتتكلم.
وقالت:
“أحمد طول عمره بيسمع الكلام.
أول ما يسافر.
كل حاجة هتبقى في إيدينا.”
قفلت التسجيل.
وحطيت إيدي على وشي.
سارة كانت ساكتة.
مش عارفة تقول إيه.
أما أنا…
فبدأت أفهم إن الموضوع عمره ما كان مجرد سرقة فلوس.
كان في ناس خططت تستغل غيابي من قبل ما أسافر.
فضلت أقلب باقي الملفات.
لقيت كشف بكل التحويلات.
وصور للعقارات.
وأسماء الوسطاء.
وإقرارات شراء.
كل حاجة متوثقة.
أبويا كان جامع الأدلة سنة ورا سنة.
لكن المرض خطفه قبل ما يقدر يواجههم.
في آخر الملف.
كان فيه خطاب صغير.
“لو وصلت لكل ده…
أوعى تنتقم.
رجع حقك بالقانون.
وخلي ولادك يشوفوا إن العدل أقوى من الغضب.”
قفلت اللابتوب.
وقمت.
خرجت الجنينة.
آدم وملك كانوا بيلعبوا بالكورة.
ضحكتهم كانت مالية المكان.
بصيت لهم.
ووعدت نفسي.
إنهم عمرهم ما هيعيشوا اللي عاشوه تاني.
بعد أسبوع.
صدر القرار الأول.
تم التحفظ على كل الممتلكات اللي ثبت إنها اتشرت من أموالي.
والفيلا اتثبتت ملكيتها بالكامل ليا.
أما الأراضي والشقق.
فاتفتحت فيها تحقيقات منفصلة.
حسام اختفى.
وساب البلد.
ودينا رجعت بيتها وهي منهارة.
أما أمي…
فطلبت تشوفني.
دخلت لها.
كانت قاعدة لوحدها.
وشها باين عليه التعب.
أول ما شافتني.
قالت بصوت مكسور:
“أنا خسرت كل حاجة.”
بصيت لها بهدوء.
وقلت:
“لأ.
إنتِ خسرتِ يوم ما اخترتِ الفلوس بدل ولادك.”
نزلت دموعها.
وقالت:
“سامحني.”
سكت شوية.
وبعدين قلت:
“أنا هسامح علشان أرتاح.
لكن الحقوق هترجع لأصحابها.
وده وعد قطعته لولادي…ولأبويا.”
خرجت من عندها.
ورجعت البيت.
سارة كانت مستنياني على الباب.
وآدم وملك جريوا عليا.
حضنتهم.
وحسيت إن ربنا عوضني عن كل يوم غربة.
وكل دمعة نزلت من عيونهم.
وفي الليلة دي…
قعدنا كلنا على سفرة واحدة.
سفرة بسيطة.
لكن لأول مرة من خمس سنين…
كانت مليانة أمان.
وعرفت وقتها…
إن أغلى ثروة رجعتلي…
ما كانتش الفلوس.
كانت عيلتي.
يتبع