طليقي بعتلي دعوة حكـايـات أسمـا ×2
لكن القصة ما انتهتش عند العشاء.
بالعكس.
هي يمكن بدأت فعلًا من هناك.
وصلت المطعم قبل المعاد بعشر دقايق.
ولأول مرة ماكنتش متوترة.
ماكنتش الست اللي داخلة تثبت حاجة لحد.
ولا الست اللي بتحاول تنتقم.
ولا حتى الست اللي مستنية اعتذار متأخر.
كنت داخلة وأنا مرتاحة.
لأن حياتي بقت كويسة حتى من غير أي حد.
وده كان فرق كبير.
لما وصلت لقيت أدريان مستنيني.
أول ما شافني وقف.
ابتسم.
وقال:
“المرة دي جاية لوحدك فعلًا.”
ضحكت.
“أهو زي ما طليقي كان بيتمنى.”
هز رأسه.
“الفرق إنك جاية لوحدك بمزاجك.”
قعدنا نتكلم ساعات.
عن حاجات عادية جدًا.
أفلام.
سفر.
ذكريات طفولة.
أكلات بنحبها.
ولأول مرة من سنين أحس إن حد بيسمعني علشان يعرفني.
مش علشان يحكم عليا.
في نص الكلام سألته:
“هو أنت عمرك حبيت؟”
سكت شوية.
وبعدين قال:
“مرة.”
“وحصل إيه؟”
ابتسم ابتسامة حزينة.
“اختارت حد تاني.”
قلت:
“وأنت؟”
قال:
“استنيت كتير لحد ما فهمت إن اللي يمشي بإرادته ماينفعش أستناه.”
سكتنا لحظة.
وبعدين ضحك.
“واضح إننا الاتنين عندنا خبرة في الاختيارات الغلط.”
…
بعد شهرين.
بقينا بنشوف بعض باستمرار.
من غير وعود.
ومن غير استعجال.
لأن الاتنين كنا خارجين من تجارب خلتنا نتعلم إن الثقة الحقيقية محتاجة وقت.
لكن في نفس الوقت.
كان فيه شيء بيتبني بينا بهدوء.
شيء مريح.
شيء ماكنتش محتاجة أمثل فيه أي دور.
وفي يوم من الأيام.
كنت راجعة البيت بعد الشغل.
لقيت عربية واقفة قدام العمارة.
وأول ما نزل صاحبها عرفت الشخص فورًا.
كريم.
طليقي.
وقف قدامي.
وشه كان مختلف.
كبر عشر سنين في أقل من سنة.
عينه مرهقة.
وبدلته الفخمة اختفت.
حتى ثقته القديمة اختفت.
قال:
“ممكن نتكلم؟”
بصيتله بهدوء.
الغريب إني ماحسيتش بأي وجع.
ولا غضب.
ولا حتى شماتة.
مجرد لا شيء.
قلت:
“فيه حاجة ضرورية؟”
نزل رأسه.
وقال:
“أنا خسرت كل حاجة.”
سكت.
مستني تعاطف.
أو دموع.
أو أي رد فعل.
لكن ماحصلش.
كمل:
“اكتشفت متأخر إنك كنتي أحسن حاجة حصلتلي.”
لأول مرة من سنين.
سمعته بيقول الجملة اللي كنت مستنياها زمان.
الجملة اللي كنت ببكي علشان أسمعها.
لكن دلوقتي؟
ماكانش ليها أي تأثير.
قلت بهدوء:
“ممكن أسألك سؤال؟”
هز رأسه.
قلت:
“لو كنت نجحت في كل اللي كنت مخطط له… لو فلوسك زادت… وشغلك كبر… والفضيحة ماحصلتش… كنت هتيجي تقولي الكلام ده؟”
اتجمد مكانه.
لأنه عرف الإجابة.
وأنا كمان عرفتها.
لا.
ماكانش هييجي.
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
وقلت:
“يبقى أنت مش ندمان علشاني.”
رفعت شنطتي على كتفي.
“أنت ندمان على اللي خسرته.”
ومشيت.
سابني واقف ورايا.
بينادي باسمي.
لكن المرة دي ماوقفتش.
لأن بعض الأبواب لما تتقفل.
بتتقفل للأبد.
…
لما وصلت شقتي.
كان فيه رسالة على هاتفي.
من أدريان.
مكتوب فيها:
“إيه رأيك في رحلة آخر الأسبوع؟”
ابتسمت.
وبعتله:
“موافقة.”
وبعدين وقفت قدام الشباك.
ببص على أضواء المدينة.
وافتكرت الست اللي كانت واقفة يوم الفرح.
الست اللي كانت داخلة القاعة خايفة.
مكسورة.
ومحتاجة تثبت إنها كويسة.
وحسيت بالفخر.
لأن الست دي اختفت.
وحل مكانها واحدة جديدة.
واحدة أخيرًا فهمت إن قيمتها عمرها ما كانت مرتبطة برأي راجل فيها.
ولا باختيار حد تاني.
ولا بدعوة فرح.
ولا حتى باعتذار متأخر.
قيمتها كانت جواها طول الوقت.
بس هي اللي كانت محتاجة تصدق ده.
الفصل الخامس
بعد ما مشيت وسِبت كريم واقف في الشارع بينادي عليّا، كنت فاكرة إن ده آخر مرة هشوفه فيها.
لكن كنت غلطانة.
لأن بعض الناس لما يخسروا كل حاجة، ما بيعرفوش يسيبوا آخر حاجة كانت في إيديهم.
مر أسبوع.
وبعدين أسبوعين.
وحياتي كانت ماشية بهدوء لأول مرة من سنين.
الشغل كويس.
أدريان موجود.
ونومي بقى أهدى.
لحد ما في صباح يوم خميس.
وصلني اتصال من رقم غريب.
رديت.
وفي اللحظة اللي سمعت فيها الصوت، عرفت إن فيه مصيبة جاية.
“آنسة ليلى؟”
“أيوة.”
“أنا المحامي الخاص بالسيد كريم.”
اتجمدت إيدي.
“خير؟”
سكت ثانية.
وقال:
“السيد كريم محتاج يقابلك ضروري.”
ضحكت ببرود.
“قوله ينسى.”
لكن المحامي أكمل:
“الموضوع مش زي ما حضرتك فاكرة.”
“يعني؟”
“فيه ناس بتدور عليه.”
سكت.
ثم قال الجملة اللي قلبت كل حاجة.
“وفيه احتمال كبير يتم القبض عليه خلال أيام.”
…
بعد ساعتين.
كنت قاعدة قدام المحامي.
ومش فاهمة أنا أصلاً جيت ليه.
يمكن فضول.
يمكن رغبة أعرف النهاية.
يمكن مجرد إني أتأكد إن حياتي القديمة خلصت فعلًا.
فتح المحامي ملف كبير.
وقال:
“بعد القضايا الأخيرة… اكتشفنا إن فيه شركاء أكبر من كريم.”
رفعت حاجبي.
“أكبر إزاي؟”
قال:
“كريم كان مجرد واجهة.”
أول مرة أحس بالخوف الحقيقي.
لأن معنى الكلام ده إن اللي حصل في الفرح ماكانش نهاية.
كان بداية.
فتح صورة.
ودفعها ناحيتي.
ولما شفتها حسيت إن قلبي وقف.
الصورة كانت لرجل أعرفه.
كويس جدًا.
أكتر مما ينبغي.
أدريان.
…
في اللحظة دي بالضبط.
وقفت من الكرسي.
“إنت بتهزر؟”
المحامي هز رأسه.
“أتمنى.”
“مستحيل.”
“للأسف لا.”
سحب ورقة من الملف.
“اسم أدريان الحقيقي مش أدريان.”
بدأت الدنيا تلف بيا.
قال:
“وده مش أول اسم استخدمه.”
بصيت للورقة.
للاسم المكتوب.
للصور القديمة.
للتواريخ.
وللمعلومات اللي قدامي.
وكل ثانية كانت بتكسر حاجة جديدة جوايا.
لأن الراجل اللي بدأت أثق فيه…
كان مخبي أكتر مما قال.
بكتير.
…
خرجت من المكتب وأنا مش عارفة أتنفس.
اتصلت بأدريان عشر مرات.
ما ردش.
بعتله رسائل.
ما ردش.
رجعت البيت.
وكل دقيقة كانت بتعدي كانت بتأكدلي إن فيه حاجة غلط.
وفي الساعة الحادية عشر ليلًا.
سمعت طرقًا على الباب.
فتحت بسرعة.
كان هو.
واقف قدامي.
مرهق.
وشكله مختلف.
كأنه بقاله أيام ما نامش.
بصلي.
وبعدين قال:
“واضح إنك عرفتي.”
قلت بصوت مرتعش:
“إنت مين؟”
سكت.
ثم دخل الشقة ببطء.
وقفل الباب وراه.
وقال:
“القصة أطول بكتير مما تتخيلي.”
…
وقعد يحكي.
يحكي عن اسمه الحقيقي.
وعن أخوه.
وعن الشركة.
وعن الناس اللي سرقوا ملايين.
وعن الراجل اللي كان بيحرك كل الخيوط من بعيد.
راجل ماحدش قدر يوصله.
ولا الشرطة.
ولا المحامين.
ولا حتى كريم نفسه.
ولما خلص كلام.
سألته:
“ومين الراجل ده؟”
رفع عينه ناحيتي.
وقال اسمًا واحدًا.
اسم خلاني أقف مكاني.
لأن الشخص ده…
كان من المفترض إنه مات من خمس سنين كاملة.
ومع ذلك…
كان حيًا.
وبيراقبنا كلنا.
من البداية.
ولسه دوره الحقيقي ما بدأش.
يتبع…
