غدا حماتي حكـايـات أسمـا ×1
كانت رجلي مكسورة وفيه 52 مكالمة من جوزي… وأول ما رديت قالي: “أمي مستنية الأكل!” وهو ماكانش يعرف إن الشركة اللي بتديله مرتبه… ملكي أنا.
قا بعصبية وهو على سماعة الموبايل:
“إنتِ رجلك اتكسرت… بس نسيتي إن أمي مستنية الغدا؟”
كانت سارة نايمة على سرير الطوارئ في مستشفى بالقاهرة..قصبة رجلها مكسورة…وعندها جرح كبير في الساق احتاج كذا غرزة. وفستانها لسه عليه آثار الدم.
كانت عربية خبطتها وهي خارجة من المخبز الصغير اللي بتديره في مصر الجديدة…الدكتور وقف لحظة عن الخياطة…والممرضة بصت للموبايل…52 مكالمة فائتة.
قالت سارة بصوت متعب:”يا كريم…أنا في المستشفى…
ومش قادرة أقف على رجلي.”ضحك بسخرية.وقال:
“إنتِ دايمًا بتكبري المواضيع..أمي لازم تاكل أكلها من غير ملح قبل الساعة اتنين…اطلبي أوبر…
روحي اطبخي…وبعدين ارجعي المستشفى.”
الدكتور رفع عينه باستغراب…أما سارة…
فحست إن فيه حاجة اتكسرت جواها…أكتر من رجلها.
بقالها تلات سنين…بتطبخ لحماتها…وتغسل هدومها.
وتوديها للدكاترة…وتستحمل كل يوم تسمع منها:
“إنتِ ست مالكيش طموح…قاعدة في مخبز صغير.”
أما كريم…فكان طول الوقت يتباهى إنه مدير كبير في شركة المنصوري جروب…وكان دايمًا يقول:”الشركة دي ما تمشيش من غيري.”قالت سارة بهدوء:”أمك ما بقتش مسؤوليتي.”سكت لحظة.ثم قال بعصبية:”إنتِ قولتي إيه؟”رديت بثبات:”وجوازنا كمان…خلص.”
وقفلت المكالمة…بعد نص ساعة…دخل اتنين أمن للمستشفى…كريم كان بلغ إن مراته سابت أمه المريضة ومشت بعد خناقة…الدكتور سلمهم التقرير الطبي.
وقال:”المريضة دخلت الساعة 12:18 بعد حادث.
ومستحيل تقدر تتحرك.”اتصل فرد الأمن بكريم.
وقال: لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد..حكايات أسما السيد
الفصل الثاني
أنهى فرد الأمن المكالمة وهو ينظر إلى الطبيب بدهشة واضحة.
قال الطبيب وهو يخلع قفازاته الطبية:
“واضح إن فيه سوء تفاهم كبير.”
هز رجل الأمن رأسه وقال:
“واضح إن فيه أكتر من سوء تفاهم.”
في اللحظة نفسها…
كان كريم واقف في مكتب مفتوح داخل شركة المنصوري جروب.
كل الموظفين كانوا سامعين صوته العالي.
كان بيقول بغضب:
“شوفتوا الستات لما يتدلعوا؟
واحدة رجليها اتخبطت خبطة بسيطة…
وعاملة نفسها بتموت.”
ضحك زميله حسام وقال:
“أكيد دلوقتي قاعدة تشرب قهوة في الكافيتيريا.”
ابتسم كريم في غرور وهو يعدل رابطة عنقه.
وقال:
“هترجع تعتذر في الآخر.
هي عارفة إنها من غيري ولا حاجة.”
في نفس اللحظة…
رن موبايله.
رد بثقة.
لكن ابتسامته اختفت تدريجيًا.
كان فرد الأمن بيقول بلهجة حادة:
“يا أستاذ كريم…
زوجتك دخلت الطوارئ بعظمة ساق مكسورة.
وعندها نزيف وجروح متعددة.
والتقرير الطبي بيثبت إنها كانت تحت العلاج وقت البلاغ اللي حضرتك قدمته.”
سكت كريم.
لأول مرة…
ما عرفش يرد.
لكن غروره منعه يعترف بخطئه.
قال ببرود:
“طيب ما هي هتخرج.
تروح تعمل الأكل وخلاص.”
رد فرد الأمن بحدة:
“واضح إن حضرتك مش فاهم حجم إصابتها.
الدكاترة أكدوا إنها ممنوعة من الحركة.”
وأغلق المكالمة.
رمى كريم الهاتف على المكتب بعصبية.
وقال بصوت مرتفع:
“كلهم متفقين عليها.”
أما في المستشفى…
كانت سارة تنظر إلى السقف الأبيض.
المسكن بدأ يخفف الألم.
لكن وجع قلبها كان يزيد كل دقيقة.
تذكرت أول يوم شافت فيه كريم.
كان شابًا بسيطًا.
يحلم بمستقبل كبير.
وكان يقول لها دائمًا:
“إحنا هنكبر سوا.”
كانت تصدقه.
اشتغلت ليل ونهار.
وساعدته بكل اللي تقدر عليه.
ولما فتح مخبزها الصغير…
كانت أرباحه كلها بتدخل البيت.
هي اللي كانت تدفع الإيجار.
وهي اللي كانت تساعده في مصاريفه.
حتى البدلة اللي حضر بيها أول مقابلة عمل…
هي اللي اشترتها.
وبعد شهور…
اشتغل في المنصوري جروب.
ومن يومها…
بدأ يتغير.
بقى يتعامل معاها كأنها أقل منه.
وأصبح كل كلامه عن المناصب.
والنفوذ.
والفلوس.
ونسي مين اللي وقف جنبه وهو ما كانش معاه تمن المواصلات.
تنهدت سارة وهي تغمض عينيها.
دخلت الممرضة بابتسامة هادئة.
وقالت:
“فيه راجل كبير مستني بره.
بيقول إنه صاحب المخبز اللي جنبك.”
ابتسمت سارة لأول مرة.
كان عم إبراهيم.
الرجل اللي أجر لها أول محل.
دخل وهو شايل باقة ورد بسيطة.
وقال:
“الحمد لله على السلامة يا بنتي.”
دمعت عيناها.
وقالت:
“متشكرة يا عمو.”
جلس بجوارها.
وقال:
“المخبز كله قافل النهارده.
العمال رفضوا يفتحوا من غيرك.”
ابتسمت بحزن.
ثم قالت:
“افتحه يا عمو.
أرزاق الناس أهم.”
هز رأسه.
وقال:
“كلهم مستنيينك.”
ثم أخرج ظرفًا بني اللون.
وقال:
“واحد من مكتب المحاماة بعت ده.
وقال لازم يوصل لإيدك.”
استغربت.
فتحت الظرف ببطء.
كان بداخله مجموعة مستندات.
وعليها ختم شركة المنصوري القابضة.
توقفت أنفاسها.
فهي تعرف هذه الأوراق جيدًا.
كانت أوراقًا تخص عملية نقل ملكية كبيرة كانت قد أجلتها قبل أسابيع.
وقبل أن تكمل القراءة…
دخل المحامي الخاص بالعائلة.
قال باحترام:
“أستاذة سارة.
الحمد لله على سلامتك.”
ابتسمت في هدوء.
وقالت:
“خير؟”
قال:
“كان لازم أوصلك الأوراق بنفسي.
لكن لما عرفت بالحادث جيت على طول.”
سألته:
“كل حاجة تمت؟”
أجاب:
“زي ما حضرتك أمرتي.”
هنا…
كانت الممرضة واقفة تستمع في صمت.
استغربت كلمة “حضرتك أمرتي”.
ثم نظرت إلى الرجل الذي يقف أمام سارة بكل احترام.
سارة وقعت على آخر ورقة.
ثم قالت:
“ابدأوا التنفيذ من بكرة.”
رد المحامي:
“أوامرك.”
خرج الرجل.
وبقيت الممرضة تنظر إليها في دهشة.
قالت:
“هو حضرتك بتشتغلي في المنصوري جروب؟”
ابتسمت سارة.
وقالت:
“ممكن تقولي كده.”
في الشركة…
كان كريم يدخل غرفة الاجتماعات.
مستني اجتماعًا مهمًا مع الإدارة العليا.
كان مقتنعًا أن اسمه هيكون ضمن المرشحين للترقية.
جلس بثقة.
وقال لزملائه:
“استعدوا تسمعوا خبر حلو.”
بعد دقائق…
دخل المدير التنفيذي.
ومعه مدير الموارد البشرية.
قال المدير:
“قبل ما نبدأ الاجتماع…
فيه قرارات جديدة تخص هيكل الإدارة.”
ابتسم كريم.
لكن الابتسامة اختفت.
لما المدير قال:
“كل الترقيات متوقفة لحين مراجعة شاملة.”
همس كريم بغضب:
“إيه الهزار ده؟”
أكمل المدير:
“وفيه مراجعة لكل المديرين الحاليين.”
بدأ القلق يظهر على وجوه الجميع.
لكن كريم حاول يخفي توتره.
قال لنفسه:
“أكيد إجراء روتيني.”
وفي المستشفى…
كانت سارة تطلب هاتفها.
دخلت على بريدها الإلكتروني.
وفتحت رسالة بعنوان:
“اعتماد نهائي.”
ابتسمت في هدوء.
ثم أغلقت الشاشة.
لم تكن مستعجلة.
ثلاث سنوات كاملة…
وهي تراقب كل شيء في صمت.
وتنتظر اللحظة المناسبة.
لم تكن تحتاج إلى صراخ.
ولا إلى انتقام.
كانت تعرف أن الحقيقة…
لما تظهر…
هتتكلم وحدها.
في المساء…
عاد كريم إلى بيت أمه.
ما إن دخل حتى بدأت والدته بالصراخ.
قالت:
“فين الأكل؟
أنا جعانة من الضهر.”
رد بعصبية:
“مراتي عاملة نفسها مصابة.”
قالت الأم باحتقار:
“سيبها.
بكرة ترجع تزحف تحت رجلك.”
ابتسم كريم.
لكنه لم يكن مرتاحًا.
كان هناك شعور غريب يطارده.
في نفس الوقت…
وصل إلى بريده الإلكتروني إشعار عاجل من الإدارة.
فتح الرسالة بسرعة.
وجاء فيها:
“يرجى حضوركم صباح الغد في تمام التاسعة لاجتماع إلزامي مع الإدارة العليا بشأن بعض الملفات الإدارية.”
لم يهتم كثيرًا.
وقال:
“أكيد الترقية.”
لكن في مكتب آخر داخل المبنى نفسه…
كان ملف يحمل اسم كريم قد وُضع فوق مكتب رئيس مجلس الإدارة.
وفوق الملف مباشرة…
كانت توجد ملاحظة قصيرة بخط واضح:
“يُراجع فورًا قبل اعتماد الهيكل الجديد.”
أما سارة…
فأغلقت هاتفها.
ونظرت من نافذة غرفتها إلى أضواء القاهرة.
ثم قالت لنفسها بهدوء:
“النهاردة كانت أول مرة أكسر خوفي…
وبكرة…
هيكون أول يوم أكسر فيه غروره.”
ولم تكن تعلم…
أن صباح اليوم التالي…
سيجعل كريم يكتشف الحقيقة التي أخفاها القدر عنه لسنوات…
وأن الشركة التي ظل يتفاخر أمام الجميع بأنه لا يمكن أن تعمل بدونه…
لم تكن مجرد مكان يعمل فيه…
بل كانت مملوكة للمرأة التي قرر أن يهينها في أصعب يوم مر عليها.
الفصل الثالث
حل صباح اليوم التالي…
واستيقظ كريم وهو مقتنع أن الاجتماع المنتظر هيكون بداية نقلة كبيرة في حياته.
وقف قدام المراية يعدل بدلته بعناية.
وبص لنفسه بابتسامة كلها غرور.
وقال:
“النهارده هيثبتوا للجميع إن مفيش حد يقدر يدير الشركة غيري.”
خرج من البيت من غير ما يسأل على سارة.
ولا حتى حاول يعرف حالتها.
أما أمه…
فقالت وهي بتودعه:
“لما تخلص شغلك…
عدي على المستشفى.
قولها لو خلصت دلع ترجع البيت.
أنا مش هقعد أعمل أكلي بإيدي.”
هز كريم رأسه وهو يبتسم.
وقال:
“متقلقيش…
هترجع غصب عنها.”
في نفس الوقت…
كانت سارة جالسة في غرفتها بالمستشفى.
الدكتور انتهى من الكشف.
وقال بهدوء:
“الكسر محتاج تثبيت.
وهتفضلي فترة ممنوعة من تحميل أي وزن على رجلك.
لكن الحمد لله الحالة مستقرة.”
ابتسمت وشكرته.
وبعد خروجه…
دخل المحامي مرة تانية.
وقال:
“كل الإجراءات جاهزة.
لكن القرار النهائي في إيد حضرتك.”
نظرت إليه سارة بثبات.
وقالت:
“ابدأوا النهارده.”
ابتسم المحامي.
وأغلق الملف.
وقال:
“زي ما تحبي.”
في مقر شركة المنصوري جروب…
بدأ الموظفون يدخلون قاعة الاجتماعات.
كان الجو مختلفًا.
همسات في كل مكان.
وتوتر ظاهر على الوجوه.
دخل كريم بثقة كبيرة.
وجلس في الصف الأول.
وبعد دقائق…
دخل رئيس مجلس الإدارة.
وخلفه عدد من أعضاء المجلس.
وقف الجميع احترامًا.
ثم جلسوا.
قال رئيس المجلس بصوت هادئ:
“قبل ما نبدأ…
فيه قرار مهم هيغير شكل الإدارة بالكامل.”
بدأت الأنظار تتبادل القلق.
أما كريم…
فكان ما زال مبتسمًا.
تابع الرئيس:
“المالكة الرئيسية للشركة قررت بنفسها مراجعة أداء كل الإدارات.”
توقفت ابتسامة كريم فجأة.
همس لزميله:
“المالكة؟
إحنا عمرنا ما شفناها.”
رد زميله:
“بيقولوا إنها بعيدة عن الإدارة من سنين.”
أكمل رئيس المجلس:
“وخلال الأيام القادمة…
هيكون فيه تقييم شامل لكل مدير.
وأي تجاوز أو إساءة استخدام للسلطة هيتحاسب عليها فورًا.”
شعر كريم بضيق خفيف.
لكنه أقنع نفسه إن الكلام لا يخصه.
في المستشفى…
كانت سارة توقع آخر ورقة أمام المحامي.
ثم قالت:
“عايزة كل حاجة تتم بهدوء.
من غير استعراض.
ومن غير أي ظلم لحد.”
رد المحامي باحترام:
“زي ما حضرتك طلبتي.”
ثم أضاف:
“لكن فيه نقطة مهمة.
الأستاذ كريم لسه ما يعرفش الحقيقة.”
ابتسمت سارة ابتسامة هادئة.
وقالت:
“هيعرف…
في الوقت المناسب.”
خرج المحامي.
وأغلقت سارة الملف.
ثم نظرت إلى خاتم زواجها.
خلعته ببطء.
ووضعته فوق الكومود.
وقالت لنفسها:
“أنا ادّيت الجواز ده كل اللي أقدر عليه.
لكن الكرامة…
عمرها ما تتعوض.”
وفي نهاية اليوم…
وصل إلى كريم استدعاء جديد.
هذه المرة…
لحضور اجتماع خاص في مكتب رئيس مجلس الإدارة صباح الغد.
لم يكن يعرف…
أن الاجتماع ده…
هيكون بداية سقوطه الحقيقي.
وأن أول شخص هيشوفه داخل المكتب…
هيكون آخر شخص توقعه في الدنيا.
يتبع