عيون رائف حكـايـات أسمـا ×5

الجزء الرابع عشر

ما إن قال رائف: “أحمد عامر هرب من الحجز”… حتى ساد صمت ثقيل في الجنينة.

رجال الأمن رفعوا أسلحتهم في اتجاه البوابة.

وفؤاد السيوفي قفل الصندوق بنفسه، وقال بهدوء غريب:

“ماكانش لازم يعرف إننا وصلنا للدفاتر.”

رائف سأله بسرعة:

“عرف منين؟”

ابتسم فؤاد ابتسامة حزينة.

“لأن في خائن.”

الكلمة دي نزلت علينا كلنا كالصاعقة.

رائف لف ناحية رجال الأمن.

كان عددهم ثمانية.

كلهم شغالين معاه بقالهم سنين.

كلهم واقفين بثبات.

لكن لأول مرة…

بدأ يشك فيهم.

قال بصوت حاسم:

“محدش يتحرك من مكانه.”

وفي نفس اللحظة…

رن جهاز اللاسلكي مع أحد الحراس.

رد بسرعة.

وبعد ثواني اتغير لون وشه.

قال:

“يا فندم… في خمس عربيات داخلين الطريق المؤدي للفيلا.”

رائف سأل:

“أحمد؟”

رد الحارس:

“لأ…”

“الأعلام اللي على العربيات تبع شركة عامر جروب.”

بعد أقل من دقيقة…

ظهر الموكب عند البوابة.

خمس سيارات سوداء.

توقفت كلها مرة واحدة.

ونزل منها أكثر من عشرين رجلًا.

لكن أحمد ماكانش بينهم.

واحد من الرجال تقدم للأمام.

كان لابس بدلة كحلي.

وفي إيده ملف.

وقف قدام البوابة وقال بصوت مرتفع:

“أنا المستشار القانوني لشركة عامر.”

“ومعايا أمر قضائي بالتحفظ على كل محتويات الفيلا.”

رائف ابتسم لأول مرة.

وقال:

“وصل بسرعة.”

المحامي رد بثقة:

“القانون أسرع من أي حد.”

لكن فؤاد ضحك.

وقال:

“القانون الحقيقي… لسه ما شافش اللي جوه الصندوق.”

المحامي مد إيده بالورقة.

“لو سمحتوا… سلموا الصندوق.”

رائف أخد الورقة.

قراها بهدوء.

ثم قطعها نصفين.

ورماها على الأرض.

وقال:

“دي مزورة.”

ملامح المحامي اتغيرت للحظة.

ورائف لاحظ.

قال:

“القاضي اللي مكتوب اسمه على القرار… متوفي من ست شهور.”

ساد صمت.

ثم رجع المحامي خطوة لورا.

وفجأة…

كل الرجال اللي وراه فتحوا جواكتهم.

وطلعوا أسلحة.

رجال الأمن رفعوا أسلحتهم في نفس الثانية.

وبقت الجنينة كلها على بعد طلقة واحدة من كارثة.

وفي وسط التوتر ده…

اتسمع صوت عربية جاية بسرعة جنونية.

كل الأنظار اتجهت للطريق.

العربية اخترقت البوابة الحديد وهي بأقصى سرعة.

ووقفت بعنف وسط الجنينة.

الباب اتفتح.

ونزل أحمد عامر.

وشه كان مليان كدمات من مقاومته وقت هروبه.

لكن عينيه كان فيهم نفس الجنون اللي كنت بشوفه كل مرة قبل ما يمد إيده عليا.

بص عليّ مباشرة.

ولا بص لرائف.

ولا لفؤاد.

قال وهو بيتنفس بصعوبة:

“أنا غلطت.”

كل الموجودين اتفاجئوا.

حتى رائف.

أحمد رفع إيديه بعيد عن جسمه.

وقال:

“أنا مش جاي أحارب.”

“أنا جاي أحذركم.”

رائف ما صدقوش.

قال ببرود:

“من مين؟”

أحمد لف ببطء ناحية فؤاد السيوفي.

وأشار عليه بإصبعه.

ثم قال الجملة اللي جمدت الدم في عروقي:

“منه…”

“لأن الراجل اللي قدامكم…”

“مش فؤاد السيوفي الحقيقي.”
الجزء الخامس عشر

الجملة نزلت على المكان كله كأنها انفجار.

“الراجل اللي قدامكم… مش فؤاد السيوفي الحقيقي.”

كل العيون اتحولت ناحية الراجل العجوز.

أما هو…

فما اتوترش.

ولا حتى رمش.

فضل واقف بنفس الابتسامة الهادية.

رائف ما أنزلش س*لاحه.

لكن عينه كانت بتتنقل بين أحمد وبين الرجل.

قال بهدوء:

“هات اللي عندك.”

أحمد أخد نفس طويل.

وقال:

“أنا كنت فاكر إني أذكى واحد في اللعبة.”

“لحد ما اكتشفت إن الراجل ده ضحك علينا كلنا.”

بصيت لأحمد.

لأول مرة من يوم عرفته…

صوته ما كانش فيه غرور.

كان فيه خوف حقيقي.

كمل كلامه:

“من شهرين… بدأت أشك.”

“كل مرة أقرب من الحقيقة… ألاقي حد سبقني.”

“كل مرة أدور على مستند… أوصل ألاقي المكان فاضي.”

“افتكرت إبراهيم هو اللي بيسبقني.”

“لكن لما راقبت إبراهيم نفسه…”

سكت لحظة.

وأشار ناحية الرجل.

“لقيت ده بيراقبه.”

رائف ضيق عينيه.

وقال للرجل:

“إيه ردك؟”

الرجل ابتسم.

وقال بهدوء:

“مفيش.”

“لأن أحمد كذاب.”

أحمد هز رأسه بعنف.

“لأ.”

وأخرج من جيبه فلاشة صغيرة.

رفعها في الهوا.

وقال:

“دي تسجيلات من كاميرات مزرعة خاصة.”

“فيها الراجل ده.”

“لكن باسم تاني.”

رائف مد إيده.

أخد الفلاشة.

وشغلها على الجهاز اللوحي اللي كان مع أحد رجال الأمن.

ظهر فيديو واضح.

كاميرا مراقبة بتاريخ من ستة شهور.

الرجل نفسه…

بنفس ملامحه.

لكن الناس اللي حواليه كانت بتناديه باسم مختلف.

“كمال باشا.”

حسيت إن أنفاسي وقفت.

الرجل فضل ساكت.

ثم ابتسم.

وقال:

“الاسم مجرد اسم.”

رائف وقف قدامه مباشرة.

وقال:

“إنت مين؟”

ولأول مرة…

اختفت الابتسامة من على وشه.

قال بصوت هادئ:

“أنا الشخص اللي جمعكم هنا.”

أنا بصيتله بعدم فهم.

قال:

“أحمد…”

“إبراهيم…”

“أبوك…”

“حتى رائف.”

“كلكم كنتوا جزء من خطة واحدة.”

صرخت فيه:

“يعني إيه؟”

بصلي مباشرة.

وقال:

“من خمسة وعشرين سنة… اتسرقت الشركة.”

“لكن اللي اتسرق بعدها…”

“كان أخطر.”

سأل رائف بسرعة:

“إيه اللي اتسرق؟”

الرجل رد بكلمة واحدة.

“الهوية.”

ساد صمت ثقيل.

ثم كمل:

“فؤاد السيوفي الحقيقي مات فعلًا.”

“لكن قبل ما يموت…”

“طلب مني أكمل باسمه.”

أحمد ضحك بسخرية.

“كداب.”

الرجل هز رأسه.

“لو كنت كداب…”

“ما كانش أبو لي لي سلمني الأمانة.”

الجملة دي خلتني أرجع بذاكرتي.

بابا…

عمره ما قال إن الشخص اللي قابله كان اسمه فؤاد.

هو كان دايمًا يقول:

“صاحب الأمانة.”

ولا مرة نطق الاسم.

رائف لاحظ نفس الحاجة.

وبصلي.

واضح إنه افتكر كلام والدي هو كمان.

في اللحظة دي…

أحد رجال الأمن كان بيقلب في الدفاتر القديمة.

وفجأة نادى بصوت عالي:

“يا فندم…”

“لقيت حاجة.”

جري رائف ناحيته.

فتح الرجل آخر صفحة في آخر دفتر.

كانت صفحة مطوية.

ولما فردها…

ظهر خطاب مكتوب بخط يد والد لي لي.

وفي آخره جملة واحدة.

“إذا وصلت هذه الدفاتر إلى ابنتي… فلا تصدقوا أي رجل يدّعي أنه فؤاد السيوفي… لأن فؤاد مات أمام عيني.”

اتجمدت الأنفاس.

والرجل العجوز…

لأول مرة…

اختفى الهدوء من ملامحه.
الجزء السادس عشر

أول ما رائف قرأ الجملة المكتوبة بخط إيد أبويا، رفع عينه ببطء ناحية الرجل العجوز.

ماحدش اتكلم.

حتى الهوا في الجنينة كان ساكن.

الرجل فضل واقف مكانه ثواني، وبعدها ابتسم ابتسامة صغيرة وقال:

“واضح إنه كان أذكى مما توقعت.”

رائف قفل الدفتر.

وقال بصوت ثابت:

“يبقى انتهت اللعبة.”

لكن الرجل هز رأسه.

“بالعكس…”

“دلوقتي بس بدأت.”

وقبل ما حد يتحرك، مد إيده ببطء داخل جيب بدلته.

رجال الأمن صوبوا أسلحتهم عليه.

وأنا قلبي وقف.

افتكرت إنه هيطلع مسدس.

لكنه طلع مفتاحًا نحاسيًا قديمًا.

حطه على الصندوق الخشبي.

وقال:

“افتحوا الدرج السري.”

بص رائف للصندوق باستغراب.

بدأ يتفحصه بعناية.

وبعد لحظات لاحظ فتحة صغيرة جدًا في جانبه.

دخل المفتاح.

لفه مرة واحدة.

وسمعنا صوت نقرة خافتة.

قاع الصندوق اتحرك.

وظهر درج مخفي.

مد رائف إيده وأخرج ظرفًا جلديًا صغيرًا.

كان محفوظ بعناية شديدة.

وعليه بخط واضح:

“يفتح بحضور لي لي فقط.”

ناولني الظرف.

كانت إيدي بترتعش.

فتحت الرباط الجلدي.

ولقيت جواه رسالة.

وصورة.

وخاتم قديم.

مسكت الصورة الأول.

كانت لأبويا وهو أصغر بكتير.

واقف مع أمي.

وكان في حضنهما طفل رضيع.

ابتسمت وسط دموعي.

أكيد دي صورتي وأنا صغيرة.

لكن لما قربتها أكتر…

اتجمدت.

الطفل كان ولد.

مش بنت.

رفعت عيني بسرعة.

“مين ده؟”

رائف أخد الصورة.

وبص فيها طويلًا.

ثم قال:

“ده مش إنتِ.”

فتحت الرسالة بسرعة.

كانت بخط إيد أبويا.

“يا لي لي…

لو بتقري الرسالة دي، يبقى أنا غالبًا مش موجود.

في سر واحد أخفيته عنك طول عمري.

أنا كان عندي طفلين…

مش طفل واحد.

إنتِ…

وكان ليكي أخ توأم.”

وقعت الرسالة من إيدي.

حسيت إن الدنيا كلها بتلف.

أنا…

عندي أخ؟

إزاي؟

وليه عمري ما عرفت؟

كملت القراءة وسط دموعي.

“أخوكي اتخطف وهو عنده ست شهور.

دورنا عليه سنين.

لكن ما لقيناهوش.

ومن يومها…

بقيت عايش وأنا خايف أخسرك إنتِ كمان.”

ماقدرتش أكمل.

دموعي كانت مانعاني أشوف السطور.

رائف أخد الرسالة بهدوء.

وقرأ آخر سطر بصوت مسموع:

“ولو ظهر يومًا…

هتعرفيه من الخاتم اللي كان في رجله ساعة ولادته.”

بصينا كلنا ناحية الخاتم الموجود داخل الظرف.

كان خاتمًا فضيًا صغيرًا جدًا.

منقوش عليه من الداخل حرفان فقط:

“ل . أ”

وفي اللحظة دي…

الرجل العجوز أخفض رأسه لأول مرة.

وقال بصوت خافت:

“أنا ما سرقتش أموال…”

“أنا سرقت طفل.”

الجملة دي جمدت الدم في عروقي.

ورفعت عيني عليه بصدمة.

أما رائف…

فقال بهدوء مرعب:

“يبقى أخو لي لي…

لسه عايش.”الجزء السابع عشر

فضلت أبص للرجل العجوز وأنا حاسة إن صوت نبضات قلبي أعلى من أي كلمة بتتقال.

“أنا سرقت طفل.”

الجملة كانت كفيلة تهد كل اللي كنت أعرفه عن حياتي.

اتقدمت خطوة ناحيته.

وقلت بصوت مبحوح:

“أخويا… فين؟”

الرجل رفع عينه ليا.

ولأول مرة، شفت فيها ندم حقيقي.

قال:

“أنا ما كنتش ناوي أخطفه.”

“الخطة كانت إننا نضغط على والدك يسلم المستندات.”

“لكن اللي حصل… خرج عن السيطرة.”

رائف قال بحدة:

“اتكلم من غير لف.”

أخذ الرجل نفسًا طويلًا.

“بعد ما أخدنا الطفل… اتنقل من مكان لمكان.”

“وفي ليلة… العربية اتقلبت.”

“الناس اللي كانت معاه ماتوا.”

“والطفل اختفى.”

شهقت.

“اختفى؟”

هز رأسه.

“دورنا عليه سنين.”

“افتكرنا إنه مات.”

“لكن بعد خمس سنين…”

“وصلتني معلومة إنه عايش.”

سألته بسرعة:

“فين؟”

قال:

“كان متربي في دار رعاية.”

“باسم مختلف.”

رائف ضيق عينيه.

“وليه ما قلتش لوالدها؟”

الرجل ابتسم بمرارة.

“لأني لما وصلت للدار…”

“كان الطفل اتبنّى.”

حسيت رجلي بتضعف.

يعني أخويا عاش عمره كله…

من غير ما يعرف هو مين.

ومن غير ما يعرف إن ليه عيلة.

رائف سأل السؤال اللي كان في دماغي.

“مين اللي تبناه؟”

الرجل سكت.

ثواني طويلة.

وبعدين قال:

“ما عرفتش.”

“كل اللي عرفته…”

“إن أسرة كبيرة أخدته.”

“وغيروا اسمه.”

سكت المكان كله.

وفجأة قال أحد رجال الأمن:

“يا فندم.”

كان ماسك آخر دفتر من الدفاتر القديمة.

وأشار إلى صفحة مطوية في آخره.

فتحها بحذر.

وكان فيها كشف تبرعات قديم لدار رعاية.

وفي آخر الصفحة…

وصل استلام.

عليه اسم الشخص اللي دفع مصاريف الطفل لسنين.

رائف أخذ الورقة.

وأول ما قرأ الاسم…

تغيرت ملامحه.

مد الورقة ناحيتي.

إيدي كانت بترتعش وأنا باخدها.

قرأت الاسم مرة.

واتنين.

وتلاتة.

لأني ما صدقتش اللي مكتوب.

الاسم كان…

“رائف الجوهري.”

رفعت عيني عليه ببطء.

كان واقف ساكت.

قلت بصوت مرتجف:

“إنت… كنت تعرف؟”

هز رأسه بالنفي فورًا.

“أقسم بالله… لأ.”

أخذ الورقة من إيدي.

وقرأ السطر اللي تحت الاسم.

ثم تنفس ببطء.

وقال:

“دي مش توقيعي.”

وأشار إلى التاريخ.

“أنا وقتها كان عندي سبعتاشر سنة.”

“وماكنتش حتى استلمت شغل العيلة.”

ثم قلب الورقة.

وفي ظهرها…

كان فيه ختم شركة قديمة.

رفعها أمام الرجل العجوز.

وقال:

“الختم ده…”

“كان عند مين؟”

الرجل أغلق عينيه للحظة.

ثم فتحهما وقال بهدوء:

“كان عند…”

وقبل أن يكمل…

دوى صوت إطلاق نار من خارج الفيلا.

وتحطم زجاج النافذة.

واستقرت الرصاصة في الحائط خلفنا.

صرخ أحد الحراس:

“قناص!”

وفي اللحظة نفسها…

سمعنا صوتًا من مكبر بعيد يقول:

“سيبوا الراجل العجوز…”

“وإلا أول رصاصة جاية… هتكون في لي لي.”
الجزء الأخير

أول ما الصوت خرج من مكبر الصوت، رائف شدني بسرعة وخلاني ورا جذع شجرة الزيتون، بينما رجال الأمن انتشروا في أنحاء الجنينة.

القناص أطلق رصاصة تانية.

لكنها أصابت سور الفيلا.

رائف ضغط على سماعة الأذن وقال بهدوء:

“محدش يرد بالنار.”

استغربت.

قلت:

“ليه؟”

رد وهو مركز بعينيه على سطح الفيلا المقابلة:

“لأن اللي بره عايزنا نضيع الحقيقة.”

في نفس اللحظة، الرجل العجوز رفع إيده وقال:

“أنا هخرج.”

رائف مسكه من كتفه.

“لو خرجت هيموتوك.”

ابتسم الرجل لأول مرة ابتسامة مرتاحة.

وقال:

“أنا عشت عمري كله هربان.”

“كفاية.”

وقبل ما حد يمنعه، خرج من خلف الشجرة ووقف في نص الجنينة.

صاح بأعلى صوته:

“أنا هنا.”

انطلقت رصاصة.

لكن قبل ما توصله، أحد رجال الأمن كان محدد مكان القناص، فأطلق رصاصة أصابت الس*لاح من إيده، وسقط على الأرض حيًا.

وفي أقل من دقيقة كانت القوة بتقبض عليه.

لما نزلوا القناع من على وشه…

الكل اتصدم.

كان المحامي اللي جه بأمر المحكمة المزور.

اعترف بعد دقائق إن إبراهيم هو اللي جنده، وإن شبكة كاملة كانت بتحاول تستولي على الدفاتر قبل ما توصل للنيابة.

في نفس الوقت، الشرطة وصلت الفيلا بعد البلاغ اللي كان رائف باعتُه قبل ساعات.

إبراهيم اتقبض عليه من المستشفى قبل ما يهرب.

وكل أفراد الشبكة اتقبض عليهم خلال أيام، بعد ما الدفاتر والوثائق كشفت عمليات تزوير وغسل أموال واستيلاء على شركات امتدت لأكثر من عشرين سنة.

أما الرجل العجوز…

فقد طلب يقابل النيابة بنفسه.

واعترف بكل حاجة.

اعترف إنه شارك في خطف الطفل.

واعترف إنه عاش باسم غير اسمه الحقيقي سنين طويلة.

وقال وهو بيبكي:

“كل يوم ندمت.”

“لكن خوفي كان أكبر من شجاعتي.”

القاضي خفف عنه بسبب اعترافه الكامل، لكنه نال عقابه وفق القانون.

بعد أسبوعين…

فاق والدي من الغيبوبة.

أول ما دخلت عليه، مسك إيدي وبكى.

كانت أول مرة أشوف أبويا بيعيط.

قلت له وأنا حضناه:

“خلاص يا بابا.”

“كل حاجة انتهت.”

ابتسم وقال:

“لسه حاجة واحدة.”

ناولني ظرفًا صغيرًا.

كان فيه نتيجة تحليل الحمض النووي.

بصيت عليه.

وبدأت أقرأ.

ثم رفعت عيني له.

دموعي نزلت.

ابتسم وقال:

“لقيته.”

ما استوعبتش.

قال:

“أخوكي.”

اتضح أن الطفل الذي خُطف منذ سنوات طويلة تبنته أسرة محترمة، وربته على أفضل تربية، ولم يكن يعلم شيئًا عن ماضيه.

وبعد مطابقة سجلات دار الرعاية مع العينة الوراثية، تم الوصول إليه.

كان اسمه الآن…

يوسف.

مهندس ناجح، متزوج، وعنده طفلة صغيرة.

أول لقاء بيننا كان صامتًا.

فضلنا نبص لبعض دقائق.

ثم حضنّي.

وقال وهو بيبكي:

“طول عمري كنت حاسس إن في حاجة ناقصة.”

ومن يومها…

بقينا نعوض العمر اللي ضاع.

أما والد أحمد عامر…

فجاء بنفسه إلى المستشفى.

وقف أمام والدي.

ومد إيده.

وقال:

“سامحني.”

صافحه والدي بعد صمت طويل.

وقال:

“الحق بيرجع… لكن العمر ما بيرجعش.”

تم رد جميع الحقوق المالية لأصحابها بحكم قضائي، وأُعيد تسجيل الشركة بأسمائها القانونية الصحيحة، وأُنشئ صندوق خيري باسم الشركاء الأصليين لدعم تعليم الأيتام وأطفال دور الرعاية، تنفيذًا لوصية والد لي لي.

أما أحمد عامر…

فحُوكم على جرائم الاعتداء والتزوير والابتزاز وما ثبت ضده من وقائع أخرى، وصدر بحقه حكم بالسجن لسنوات طويلة.

وفي أول جلسة للمحاكمة…

حاول يبصلي.

لكني ما بصتلوش.

لأن الإنسان اللي كان بيخوفني زمان…

بقى مجرد صفحة اتقفلت.

بعد شهور…

رجعت أزور نفس الفندق.

نفس القاعة.

لكن المرة دي…

ما كانش في خطوبة.

كان في احتفال بإطلاق المؤسسة الخيرية الجديدة.

وقفت قدام الشبابيك اللي شفت عندها رائف لأول مرة.

ابتسمت.

قال وهو واقف جنبي:

“فاكرة الليلة دي؟”

ضحكت لأول مرة من قلبي.

وقلت:

“فاكرة إني كنت فاكرة إن قبلة على خدي هي اللي غيرت حياتي.”

ابتسم وقال:

“وأيه اللي غيرها فعلًا؟”

بصيت حواليّا.

على أبويا وهو بيضحك مع يوسف.

وعلى بنت يوسف وهي بتجري في القاعة.

وعلى الناس اللي رجعلها حقها.

ثم قلت بهدوء:

“الحقيقة.”

“الحقيقة عمرها ما بتضيع… حتى لو اتأخرت سنين.”

وانتهت الحكاية، لا بانتصار المال ولا بالنفوذ…

لكن بانتصار الحقيقة، واجتماع عائلة ظنت يومًا أنها تفرقت إلى الأبد.
تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *