باعوني لرجل عجوز حكايات أسما السيد ×3
الفصل السادس: القصر الذي لم يمت
الساعة كانت داخلة على اتنين بعد نص الليل…
وشوارع القاهرة بدأت تهدى.
لكن جوايا…
كان فيه حرب.
آدم ساق العربية القديمة اللي استبدل بيها الدراجة النارية.
ولا واحد فينا كان بيتكلم.
كل واحد غرقان في أفكاره.
بعد حوالي أربعين دقيقة…
ظهرت قدامنا بوابة حديد ضخمة.
فوقها لافتة نحاس مكتوب عليها:
“قصر آل سالم.”
البوابة كانت مقفولة بسلاسل سميكة.
والقصر غرقان في الضلمة.
كأنه مهجور من سنين.
همست:
“هو مش قالوا إنه مقفول من يوم وفاة مراد؟”
آدم بص للمكان وقال:
“دي الرواية الرسمية.”
“لكن الحقيقة…”
“…إنه بيتفتح كل أسبوع.”
استغربت.
“مين بيفتحه؟”
رد وهو مطلع جهاز صغير من جيبه:
“اللي بيديروا المجلس.”
ضغط على زر.
بعد ثواني…
الجهاز طلع خريطة إلكترونية.
فيها نقاط حمراء بتتحرك.
اتسعت عيني.
“دي كاميرات؟”
هز راسه.
“وحراس كمان.”
“القصر مش مهجور.”
لفينا بالعربية لحد سور جانبي.
نزل آدم.
وسحب غطاء شجرة يابسة.
ظهر باب حديد صغير.
ابتسم.
“مفيش إمبراطورية من غير مخرج سري.”
فتح الباب بمفتاح إلكتروني.
ودخلنا.
الممر كان ضيق…
وريحته تراب ورطوبة.
مشينا حوالي خمس دقايق.
لحد ما وصلنا لسلم حجري.
طلعنا منه…
وفجأة…
بقينا جوا القصر.
لكن اللي شفته…
خلاني أنسى كل اللي فات.
القصر من جوه…
كان منور بالكامل.
ثريات كريستال.
سجاد فارسي.
لوحات بملايين.
وكأن حد ساكن فيه من ساعة.
سمعت صوت ضحك بعيد.
آدم شدني بسرعة وورا عمود رخامي.
همس:
“فيه اجتماع.”
قربنا بهدوء.
كان فيه باب نص مفتوح.
بصينا من فتحة صغيرة.
وشفنا سبع كراسي ضخمة حوالين ترابيزة دائرية.
ستة منهم كان عليهم ناس.
أما الكرسي السابع…
فكان فاضي.
أحد الجالسين قال:
“اتأخر ليه؟”
رد واحد تاني:
“هييجي.”
“هو عمره ما بيتأخر.”
في اللحظة دي…
الباب الكبير في آخر القاعة اتفتح.
دخل رجل طويل.
لابس بدلة سوداء.
وشعره فيه خصلات بيضا.
كل الموجودين وقفوا احترامًا.
حتى الستة اللي كانوا بيتكلموا.
أما أنا…
فحسيت إن روحي خرجت مني.
لأن الراجل…
كان أبويا.
بصيت لآدم وهمست:
“إنت قولت إنه مجرد منفذ.”
آدم كانت الصدمة مرسومة على وشه.
“وده اللي كانت كل المعلومات بتقوله.”
أبويا قعد على الكرسي السابع.
يبقى…
هو رئيس المجلس.
رفع ملف أسود.
وقال بصوت ثابت:
“آدم الحديدي خرج عن السيطرة.”
“وتُقى بدأت تعرف الحقيقة.”
ثم فتح الملف…
وأخرج منه صورة.
كانت صورتي.
وقال ببرود:
“من النهارده…”
“بنتي بقت هدف.”
اتجمدت في مكاني.
قبل ما ألحق أستوعب…
رن تليفون أبويا.
بص في الشاشة.
وابتسم لأول مرة.
وقال:
“أخيرًا صحيت.”
رفع السماعة.
وقال جملة خلت آدم يشحب فجأة:
“أهلًا يا… مراد سالم.”
أنا وآدم بصينا لبعض في نفس اللحظة.
مستحيل…
مراد سالم الحقيقي…
المفروض مات من ثلاث سنين!
يتبع…
الفصل السابع: المكالمة التي قلبت الحقيقة
اتجمدت مكاني.
حسيت إن وداني خانتني.
أبويا كان واقف قدامنا…
وبيتكلم في التليفون بمنتهى الهدوء.
وقال مرة تانية:
“أهلًا يا مراد باشا… كله تحت السيطرة.”
بصيت لآدم.
وشه فقد لونه.
همس:
“مستحيل…”
“أنا شفت تقرير الوفاة بنفسي.”
أبويا كمل المكالمة:
“آدم وصل للقصر فعلًا… لكن زي ما توقعت… هيقع في الفخ.”
قلبي دق بعنف.
يعني…
هو عارف إننا هنا؟
آدم شدني لورا بسرعة.
لكن قبل ما نتحرك…
سمعنا صوت الباب الحديدي اللي دخلنا منه وهو بيتقفل.
وبعدها…
اشتغلت أنوار الممر كله مرة واحدة.
صفارات إنذار خافتة بدأت تشتغل.
أبويا ابتسم وهو لسه ماسك التليفون.
وقال:
“دخلوا.”
في أقل من ثانيتين…
اتفتح بابين سريين في القاعة.
وخرج منهم رجال أمن مسلحين.
لكنهم ما كانوش بيجروا ناحية القاعة…
كانوا جايين ناحيتنا إحنا.
همست:
“إزاي عرفوا مكاننا؟”
آدم بص بسرعة في ساعته.
وبعدين فكها من إيده.
فتحها بإيده.
واتصدم.
كان جواها شريحة إلكترونية صغيرة.
قال بين سنانه:
“جهاز تتبع…”
“حد زرعهولي.”
شد الشريحة ورماها بعيد.
لكن كان فات الأوان.
صوت خطوات الحراس بقى قريب جدًا.
آدم مسك إيدي.
“اجري.”
جرينا في الممر الطويل.
ورانا أصوات صريخ:
“هناك!”
“ميهربوش!”
وصلنا لباب خشبي ضخم.
آدم فتحه بكتفه.
دخلنا أوضة واسعة جدًا.
واضح إنها كانت مكتب مراد سالم.
المكتب كان مليان ملفات.
وخزنة عملاقة.
وصور قديمة.
لكن اللي لفت نظري…
كانت صورة معلقة على الحائط.
اقتربت منها.
وفي اللحظة دي…
حسيت إن رجلي مش شايلاني.
الصورة كانت بتاريخ قبل تلاتين سنة.
فيها مراد سالم الحقيقي…
واقف جنب أبويا وهو شاب.
وجنبهم راجل ثالث.
آدم أول ما شاف الصورة…
اتجمد.
همس:
“ده…”
“أبويا.”
بصيتله.
“إيه؟”
قرب من الصورة.
إيده كانت بتترعش.
“الراجل ده اللواء حديدي…”
“أبويا.”
“الرجل اللي قالولي طول عمري إنه مات في حادث.”
لف الصورة من ورا.
كان فيه ظرف صغير متلزق.
فتحناه بسرعة.
طلع منه خطاب مكتوب بخط إيد.
بدأ آدم يقرأ بصوت مسموع:
“إذا وصلت الرسالة دي لابني آدم… اعرف إن كل اللي اتقالك عني كذب. أنا ما متش في حادث. ولو اختفيت… يبقى مراد سالم هو الوحيد اللي يقدر يثبت الحقيقة.”
أنا وآدم بصينا لبعض.
يعني…
مراد سالم الحقيقي…
كان عايش وقت كتابة الرسالة.
وقبل ما نكمل القراءة…
سمعنا صوت تصفيق.
التفتنا بسرعة.
كان فيه راجل واقف عند باب المكتب.
لابس بدلة سوداء أنيقة.
وشعره أبيض بالكامل.
لكن جسمه مستقيم…
وعينيه مليانة قوة.
ابتسم وقال بهدوء:
“واضح إنكم وصلتوا للرسالة أخيرًا.”
بصله آدم بصدمة.
“إنت مين؟”
الراجل خلع نظارته.
وقال:
“أنا…”
“مراد سالم.”
شهقت.
“مستحيل!”
ابتسم ابتسامة هادئة.
“المشكلة…”
“إن الراجل اللي دفنتوه من ثلاث سنين…”
“…ماكانش أنا.”
وفي اللحظة نفسها…
دوى صوت انفجار هز أرجاء القصر كله…
واهتزت الأرض تحت أقدامنا.
يتبع…
الفصل الأخير: الحقيقة التي دفنها الجميع
الانفجار هز القصر كله.
الثريات اتكسرت.
والتراب نزل من السقف.
مسكت في آدم قبل ما أقع.
أما الراجل اللي قدامنا…
فضل واقف بمنتهى الهدوء.
بص لآدم وقال:
“معندناش وقت.”
“لو عايز تعرف الحقيقة… اسمعني للآخر.”
خرج مفتاح نحاسي قديم من جيبه.
واتجه ناحية اللوحة الكبيرة المعلقة خلف المكتب.
لف المفتاح.
وفجأة…
اللوحة اتحركت.
وظهر باب حديدي مخفي.
دخلنا كلنا.
وأول ما الباب اتقفل…
بدأ صوت الانفجارات يختفي.
كان المكان عبارة عن غرفة أرشيف ضخمة.
أرفف مليانة ملفات.
وأجهزة تسجيل.
وخزنة إلكترونية.
مراد سالم الحقيقي فتح الخزنة.
وطلع منها صندوق أسود.
حطه على الترابيزة.
وقال:
“كل الأدلة هنا.”
“أسماء.”
“تحويلات.”
“حسابات.”
“وتسجيلات.”
بص لآدم.
“أبوك عمره ما كان شريك.”
“كان ضابط متخفي.”
“وأنا كنت بساعده.”
“لما اكتشفنا إن مجلس السبعة بيستولي على شركات الناس ويغسل مليارات الجنيهات… قررنا نوقعهم.”
سأل آدم بصوت مبحوح:
“أبويا مات إزاي؟”
سكت مراد لحظة.
ونزلت دمعة من عينه.
“ضحى بنفسه.”
“أنقذني.”
“وأخرجني من القصر.”
“ومن يومها…”
“أعلنوا وفاتي أنا.”
“وقالوا إن والدك مات في حادث.”
“علشان يدفنوا الحقيقة.”
بكَى آدم لأول مرة.
أما أنا…
كنت حاسة إن كل حياتي كانت مبنية على أكاذيب.
قلت:
“وأمي؟”
مراد فتح ملف تاني.
كان فيه فيديو.
شغلناه.
ظهرت أمي.
كانت مرهقة…
لكنها كانت بتبتسم.
قالت:
“يا تُقى…
لو وصلتي للفيديو ده…
اعرفي إنك بقيتي أقوى مني.”
“أنا اكتشفت إن أبوكي انضم لمجلس السبعة.”
“حاولت أمنعه.”
“لكنه اختار الفلوس.”
“فهربتكِ بكتابة الأسهم باسمك.”
“ولما عرف…”
“قرر يتخلص مني.”
دموعي نزلت من غير ما أحس.
أمي ما ماتتش في حادث…
أبويا هو اللي قتلها.
قفلت الفيديو.
وشعرت إن آخر ذرة حب كانت جوايا ناحيته ماتت.
في نفس اللحظة…
اشتغل إنذار داخل الغرفة.
مراد قال بسرعة:
“وصلوا.”
آدم فتح الصندوق.
أخذ الفلاشة الأصلية.
وقال:
“المرة دي هنخرج بالحقيقة.”
خرجنا من الممر السري.
لكن أفراد مجلس السبعة كانوا مستنيين.
وأولهم…
أبويا.
كان ماسك سلاحه.
وبجانبه كريم.
صرخ أبويا:
“سلم الفلاشة.”
آدم وقف قدامي.
وقال:
“انتهى كل شيء.”
ضحك أبويا.
وضغط على الزناد.
لكن قبل ما الرصاصة تخرج…
عم حسن، مدير الأمن، رمى نفسه قدامه.
الرصاصة أصابته.
وقع على الأرض.
وهو بيبص لأبويا قال:
“خدمتك… سنين.”
“لكن مش هساعدك تقتل بنتك.”
وفي اللحظة نفسها…
سمعنا أصوات عربيات كتيرة برا القصر.
ثم مكبرات صوت:
“القصر محاصر بالكامل.”
“ألقوا أسلحتكم.”
كانت قوات الأمن والنيابة وصلت.
رفع كريم سلاحه يحاول يهرب.
لكن اتقبض عليه.
أما أبويا…
بصلي نظرة طويلة.
وقال:
“كنت بعمل ده علشان العيلة.”
رديت وأنا ببص في عينه:
“العيلة عمرها ما بتبيع بنتها.”
حاول يهرب من الباب الخلفي.
لكن الضباط كانوا مستنينه.
اتقيدت إيديه.
ولأول مرة…
شفته ضعيف.
منكسر.
بعد شهور…
بدأت المحاكمات.
ثبتت التسجيلات والملفات كل الجرائم.
صدر الحكم بالسجن المؤبد على أعضاء مجلس السبعة.
وكريم نال عقوبته على جرائمه المالية وتزويره.
واسترد آلاف المساهمين حقوقهم.
أما شركة عيلتنا…
فحكمت المحكمة بإعادتها للمساهمين الشرعيين بعد تصفية الفساد، وتنازلت عن أي امتياز شخصي لي فيها، لأن المال اللي اتبنى على الظلم عمره ما يصنع حياة كريمة.
وفي يوم هادئ…
وقفت أنا وآدم قدام قبر أمي.
حطيت وردة بيضا.
وقلت:
“حقك رجع.”
بصلي آدم وقال بابتسامة هادية:
“دلوقتي… تقدري تبدأي حياة جديدة.”
ابتسمت لأول مرة من قلبي.
وقلت:
“المرة دي… هختارها بنفسي.”
بعد عام…
ماكانش فيه فستان أبيض مفروض عليّا بعقد أو صفقة.
كان فيه فرح بسيط.
حضره ناس قليلة.
وضحك كتير.
ولما المأذون سألني:
“موافقة؟”
بصيت لآدم…
وقلت بثقة:
“موافقة.”
لأن الفرق كبير…
بين جوازة اتعملت علشان يسددوا ديون…
وجوازة اتبنت على الحقيقة، والاحترام، والاختيار.
تمت.