وصية حماتي حكايات المجهول لحكايات اسما×2
سادت حالة من الصمت في قاعة العزاء.
حتى الناس اللي كانوا واقفين بعيد، بدأوا يحسوا إن فيه حاجة كبيرة حصلت.
كريم كان ماسك جواب أمه بإيده، ووشه شاحب.
فضل يبص في الورق كذا مرة، كأنه مش مصدق اللي بيقرأه.
وفجأة قال للمحامي بعصبية:
“أنا هطعن في الوصية.”
المحامي ابتسم ابتسامة هادئة وقال:
“من حقك، لكن أنصحك تقرأ آخر صفحة كويس.”
قلب كريم الصفحة الأخيرة، وفجأة سكت.
الحاجة فاطمة كانت كاتبة بخط إيدها:
“لو ابني حاول يعترض على الوصية، فالمحامي معاه تسجيل فيديو صورته وأنا بكامل قواي العقلية، بشرح فيه سبب كل قرار أخدته.”
المحامي فتح شنطته الصغيرة، وطلع فلاشة.
وقال:
“ودي نسخة من الفيديو.”
إخوات كريم بصوا لبعض في ذهول.
أما هو، فكان واضح إنه بدأ يفقد أعصابه.
خرج من قاعة العزاء من غير ما يقول كلمة.
وأنا فضلت مكاني.
مش علشان الفلوس…
لكن علشان أول مرة من سنين أحس إن حد شاف تعبي.
بعد يومين، المحامي كلمني وطلب أقابله في مكتبه.
رحت وأنا لسه مش مستوعبة اللي حصل.
قعد قدامي، وقال:
“فيه حاجة الحاجة فاطمة طلبت أقولها لحضرتك بنفسها.”
فتح ملف تاني.
وقال:
“قبل وفاتها بسنة، كانت عارفة إنك رفضتي ترجعي لشغلك علشان تفضلي معاها.”
هزيت راسي.
قال:
“هي كانت حاسة بالذنب… وكانت بتقول إنك ضحيتي بمستقبلك بسببها.”
بعدها سلمني ظرف صغير.
جواه دفتر توفير باسمي.
وفيه مبلغ كبير.
بصيت للمحامي باستغراب.
قال:
“ده مش من التركة.”
“إزاي؟”
ابتسم وقال:
“الحاجة فاطمة كانت بتحوش من معاشها ومن إيجار شقتها القديمة، وكل شهر كانت بتحط جزء من الفلوس في الحساب ده باسمك.”
دموعي نزلت تاني.
اتناشر سنة…
وهي كانت بتفكر في مستقبلي، وأنا حتى ماكنتش أعرف.
وقبل ما أمشي، المحامي قال:
“لسه فيه طلب أخير.”
استغربت.
قال:
“الحاجة فاطمة طلبت إنك تتفرجي على الفيديو لوحدك.”
رجعت البيت.
حطيت الفلاشة في اللابتوب.
وظهر وش الحاجة فاطمة.
كانت قاعدة على كرسيها، وبتبتسم بنفس الحنان اللي عرفته منها.
وقالت:
“يا ندى… لو وصلتي للفيديو ده، يبقى أنا خلاص عند ربنا.”
“أول حاجة، سامحيني.”
“أنا السبب إنك ضيعتي سنين من عمرك معايا.”
هزيت راسي وأنا بعيط.
وكأنها شايفاني.
كملت:
“لكن فيه حاجة لازم تعرفيها.”
“قبل ما أطلب منك تسيبي شغلك، قلت لكريم أكتر من مرة يجيب ممرضة متخصصة.”
“لكنه كان بيرفض.”
اتسعت عيني من الصدمة.
“كان بيقول إن وجودك في البيت أوفر… وإن مرتبك أقل من مرتبه، فالأفضل إنك إنتِ اللي تسيبي شغلك.”
حسيت إن الأرض بتميد بيا.
أنا كنت فاكرة إن القرار كان بينا إحنا الاتنين.
لكن الحقيقة…
كانت مختلفة تمامًا.
الحاجة فاطمة كملت:
“وأكتر حاجة وجعتني… إني سمعت ابني بنفسه، قبل وفاتي بشهور، وهو بيقول لصاحبه إنه أول ما أموت هيطلقك… لأنه خلاص مبقاش محتاجك.”
شهقت وأنا حاطة إيدي على بقي.
كل كلمة كانت كأنها سكينة.
لكنها قالت في آخر الفيديو:
“افتكري دايمًا… اللي يبيع إنسانة ضحت بعمرها عشانه، هو الخسران الحقيقي.”
“ابدئي من جديد يا بنتي… ومتخليش حد يقنعك إن عمرك راح هدر.”
قفلت الفيديو، وأنا لأول مرة من سنين…
حاسّة إن النهاية دي، يمكن تكون بداية جديدة.
يتبع
