شقيقتي حكـايـات أسمـا ×5
“} مريم وقفت مكانها والظلام مالي الشقة كلها وصوت المفتاح بيلف ببطء في الباب وقلبها بيدق بعنف وهي ماسكة الموبايل في إيدها
نور كانت بتصرخ من الناحية التانية
اهربي يا مريم
لكن رجليها كانوا متجمدين
وفجأة الباب اتفتح
شخص دخل
ثم شخص تاني
ثم ثالث
مريم جريت ناحية المطبخ وهي بتحاول تدور على أي مخرج
لكن الشقة كانت مصيدة
وفجأة سمعت صوت خبط قوي من برة
ثم صوت تكسير زجاج
وصوت راجل بيزعق
سيبوها
بعدها بثواني اتحولت الشقة كلها لفوضى
صرخات وخناقات وأصوات تكسير
ومريم مستخبية ورا باب المطبخ وهي مش فاهمة أي حاجة
لحد ما ظهر كريم قدامها
كان نفسه كريم صاحب الجيم
وشه متعور وإيده فيها دم
لكن أول ما شافها قال
يلا بسرعة
مفيش وقت
مسك إيدها ونزلوا على السلم الخلفي
ولأول مرة مريم سألت السؤال اللي كان جواها من أول ما عرفته
إنت مين بالظبط
لكن كريم قال
بعد كده
دلوقتي لازم نمشي
ركبوا عربية وانطلق بيها بسرعة
ومريم كانت بتبص وراها
شايفة رجالة بيجروا وشايفة شقتها اللي كانت آخر حاجة باقية من حياتها القديمة
بتبعد
وبتختفي
في الطريق كريم وقف العربية قدام مخزن قديم
وهناك كانت المفاجأة
نور كانت مستنياهم
أول ما شافتها مريم نزلت من العربية
وكانت عايزة تصرخ فيها
وتعاتبها
وتسألها ألف سؤال
لكن نور سبقتها
وقالت
أنا آسفة
وسكتت
ثم قالت
على كل حاجة
كل السنين دي
كل الكذب
كل الوجع
كل حاجة
مريم فضلت باصة لها
ثم سألت
الحقيقة
عايزة الحقيقة كاملة
ومن غير كذب
ومن غير تمثيل
نور هزت رأسها
وقالت
الحقيقة إن أحمد كان بيجمع أدلة ضد طارق من سنين
والحقيقة إن سامح كان شغال معاه
والحقيقة إنهم لما عرفوا بدأوا يهددوه
ولما فشلوا يكسروه
قرروا يستخدموا أقرب ناس ليه
إنت
سكتت لحظة
ثم أكملت
وأنا
مريم سألت
وأحمد
كان بيحبك
نور نزلت دموعها
وقالت
لأ
عمره ما حبني
كان بيحبك إنت
لكن كان غبي
وكان فاكر إنه بيحميكي
فدمر كل حاجة
ساد الصمت
ولأول مرة من شهور
حست مريم إنها شايفة الصورة كاملة
مش صورة جميلة
ولا مريحة
لكن حقيقية
بعد يومين تم تسليم الفلاشة للنيابة
وبدأت التحقيقات
والأسماء الكبيرة بدأت تقع
شركة وراء شركة
وحساب وراء حساب
وصحفيين بدأوا يكتبوا
وقنوات بدأت تتكلم
والموضوع بقى قضية رأي عام
أما طارق
فاختفى
وكأنه اتبخر
لكن بعد شهر كامل
تم القبض عليه في مطار أوروبي وهو بيحاول يهرب بهوية مزورة
وساعتها القضية كلها انفجرت
سامح اتقبض عليه
وشركاء كتير وقعوا
وكل يوم كانت تظهر أسرار جديدة
أما أحمد
فتم تخفيف الحكم عنه بعد ما ثبت تعاونه وتسليمه الأدلة
لكن السنين اللي ضاعت
ما رجعتش
والوجع اللي حصل
ما اختفاش
مرت شهور
ثم سنة كاملة
ومريم بدأت حياة جديدة
بجد
مش مجرد محاولة للهروب
رجعت تشتغل
ودرست إدارة أعمال
واشترت الجيم القديم من صاحبه بعد ما قرر يسافر
وكان أول قرار أخدته إنها تكتب على الباب لافتة جديدة
مركز بداية
لأنها كانت مؤمنة إن الإنسان ممكن يبدأ من جديد مهما خسر
أما نور
فاحتاجت وقت طويل عشان تستعيد علاقتها بأختها
لكنها ما استسلمتش
كانت كل يوم تثبت بأفعالها مش بكلامها إنها ندمانة
وبالتدريج
الجرح بدأ يقفل
مش يختفي
لكن يقفل
وفي يوم من الأيام
كانت مريم قاعدة في مكتبها
وبتراجع أوراق الشغل
لما السكرتيرة دخلت وقالت
في حد برة عايز يشوفك
رفعت رأسها
وسألت
مين
السكرتيرة ترددت
ثم قالت
الأستاذ أحمد
سكتت مريم
ثواني طويلة
ثم قالت
خليه يدخل
دخل أحمد
أهدى
وأكبر
وكأنه شال عمر كامل فوق كتافه
وقف قدامها
وقال
إزيك
ردت
الحمد لله
ثم ساد صمت طويل
أخيراً قال
أنا مسافر
ومش راجع
سألت
فين
قال
بعيد
بداية جديدة
يمكن أتعلم أعيش صح
هزت رأسها
ثم قالت
أتمنى لك الخير
ابتسم
ابتسامة حزينة
وقال
عارفة
أكتر حاجة وجعتني
مش إني خسرتك
لكن إني استوعبت متأخر قد إيه كنت محظوظ بيكي
نزلت عينه للأرض
ثم أضاف
سامحيني لو تقدري
مريم فكرت للحظة
ثم قالت
أنا سامحت
بس ما نسيتش
هز رأسه
وقال
وده حقك
ثم خرج
ومشى
المرة دي للأبد
مريم وقفت عند الشباك تراقبه وهو بيبتعد
وما حستش بحنين
ولا بندم
ولا رغبة إنه يرجع
حست بحاجة واحدة بس
السلام
وأول ما استدارت
لقيت كريم واقف عند باب المكتب
شايل كوبين قهوة
وقال
هو مشي
ابتسمت
وقالت
أيوة
رفع لها كوب
وقال
يبقى أخيراً الدور على المستقبل
أخذت القهوة
وبصت له
ثم ضحكت
أول ضحكة حقيقية من سنين
وفي اللحظة دي فهمت حاجة مهمة
إن بعض الناس بيدخلوا حياتنا عشان يكملوا الطريق معانا
وبعض الناس بيدخلوا حياتنا عشان يعلمونا درس
وأحمد كان درس
أما هي
فكانت أخيراً مستعدة تبدأ الفصل الجديد من حكايتها
الفصل اللي مش مبني على الخيانة
ولا الخسارة
ولا الألم
الفصل اللي مبني على نفسها هي
وعلى القوة اللي اكتشفتها جواها بعد ما افتكرت إنها انتهت
لكنها في الحقيقة كانت لسه بتبدأ :::
variant=”standard” id=”64182″} مرت ثلاث سنوات.
ثلاث سنوات كاملة من يوم ما وقفت مريم قدام باب الجيم القديم وهي حاسة إن حياتها انتهت.
دلوقتي كانت واقفة في نفس المكان تقريبًا.
لكن كل حاجة اتغيرت.
مركز “بداية” بقى من أشهر المراكز الرياضية في المنطقة.
عدد الموظفين كبر.
والفرع الأول بقى اتنين.
وبعدين تلاتة.
وكل ما حد كان يسألها عن سر النجاح كانت تبتسم وتقول:
“لأن المكان ده اتبنى من وجع حقيقي.”
في يوم هادي من أيام الشتاء كانت مريم راجعة مكتبها بعد اجتماع طويل.
ولما فتحت الباب لقت كريم واقف مستنيها.
كان ماسك علبة صغيرة.
ابتسمت وقالت:
“كل ما أشوف علبة بتوتر.”
ضحك.
“المرة دي مفيهاش مشاكل.”
جلس أمامها.
واضح إنه متوتر.
بشكل غير معتاد.
لدرجة إنها استغربت.
ثم فجأة فتح العلبة.
وكان فيها خاتم.
سكتت مريم.
وسكت هو كمان.
ثم قال:
“أنا مش بعرف أقول كلام كبير.”
“ودي أول مرة أعمل حاجة زي دي.”
“بس أنا بحب الحياة اللي بقيت فيها وإنتِ موجودة.”
“ولو وافقتي…”
“نفسي أكمل الباقي معاكي.”
الدموع لمعت في عينيها.
مش لأن الموقف رومانسي.
لكن لأن المرة دي مختلفة.
مفيش خوف.
مفيش خيانة.
مفيش أسرار.
مفيش حد بيكسرها.
في راجل واقف قدامها وواضح وصادق.
قالت وهي تضحك وسط دموعها:
“أنت بجد محتاج تتعلم كلام رومانسي أكتر.”
ضحك كريم.
وقال:
“يعني موافقة؟”
هزت رأسها.
“موافقة.”
بعد سنة أخرى.
كان حفل الزفاف بسيطًا.
هادئًا.
من غير استعراض.
ومن غير ضجة.
نور كانت أول واحدة واقفة جنب أختها.
ولما خلص الحفل.
حضنتها بقوة.
وقالت:
“شكرًا إنك رجعتِ تعتبريني أختك.”
مريم ابتسمت.
ثم ردت:
“الناس بتغلط.”
“بس مش كل الناس بتصلح غلطها.”
وبكت نور.
لأنها كانت تعرف قد إيه الطريق كان طويلًا.
أما أحمد…
فلم يرجع أبدًا.
وصلت منه بطاقة بريدية كل سنة تقريبًا.
من بلد مختلفة.
بدون رقم هاتف.
بدون عنوان.
فقط جملة قصيرة.
مرة كتب:
“أتمنى تكوني بخير.”
ومرة:
“أنا أحاول أصلح نفسي.”
وفي آخر بطاقة وصلت بعد خمس سنوات كتب:
“أخيرًا سامحت نفسي.”
ولم تصل بعدها أي رسائل.
وفي مساء دافئ بعد سنوات طويلة.
كانت مريم جالسة في شرفة منزلها.
تراقب غروب الشمس.
وبجانبها كريم.
وفي الحديقة طفل صغير يجري ويضحك.
ابنهما.
التفت الطفل نحوهما.
وصاح:
“ماما!”
ابتسمت مريم.
وردت عليه.
ثم سكتت للحظة.
تنظر للسماء.
وتتذكر.
المستشفى.
الحمام البارد.
الطفل الذي فقدته.
الخيانة.
الانكسار.
والوحدة.
كلها كانت تبدو بعيدة جدًا الآن.
كأنها حياة شخص آخر.
قال كريم وهو يلاحظ شرودها:
“بتفكري في إيه؟”
ابتسمت بهدوء.
ثم قالت:
“زمان كنت فاكرة إن أسوأ يوم في حياتي كان نهاية كل حاجة.”
“طلع بداية كل حاجة.”
أمسك يدها.
وبقيا يشاهدان غروب الشمس.
بينما ضحكات الطفل تملأ المكان.
ولأول مرة منذ سنوات طويلة جدًا…
شعرت مريم أن قلبها مرتاح بالكامل.
لا ينتظر اعتذارًا.
ولا يبحث عن انتقام.
ولا يحاول فهم الماضي.
فقط يعيش.
وهكذا انتهت الحكاية.
ليس لأن الألم اختفى.
بل لأن صاحبته تعلمت كيف تعيش رغم كل ما حدث.
النهاية. :::