ذئبا حكـايـات أسمـا ×2

الفصل الرابع

مرت ثلاث سنوات.

ثلاث سنوات كاملة منذ ذلك اليوم الذي خرج فيه الذئب من قلب الصحراء وغير حياة الجميع.

كبرت يارا.

وكبرت نور.

وأصبحتا كالأختين.

أما هناء فقد أصبحت أقرب إلينا من كثير من الأقارب.

وكانت تزورنا باستمرار.

حتى إن بعض الناس كانوا يظنون أننا عائلة واحدة.

ولم أكن أعترض.

لأن هذا الشعور كان حقيقيًا بالفعل.

في إحدى أمسيات الصيف.

كنا نجلس جميعًا في حديقة منزل هناء.

الأطفال يلعبون.

والشاي الساخن أمامنا.

والهواء يحمل رائحة الياسمين.

وفجأة قالت هناء:

“في حاجة عمري ما حكيتها لحد.”

رفعت رأسي نحوها.

وكانت ملامحها مختلفة.

متوترة.

شاحبة.

كأنها تحمل سرًا ثقيلًا منذ سنوات.

قال أحمد:

“خير؟”

تنهدت ببطء.

ثم قالت:

“الناس كلها فاكرة إن العصابة خطفتني عشان الفلوس.”

صمتت للحظة.

ثم أضافت:

“بس الحقيقة أكبر من كده.”

ساد الصمت.

حتى الأطفال بدوا وكأنهم شعروا بثقل اللحظة.

ثم قالت هناء:

“أبويا قبل ما يموت كان بيشتغل على مشروع مهم جدًا.”

سألتها:

“مشروع إيه؟”

نظرت حولها بحذر.

ثم خفضت صوتها.

“كان بيجمع أدلة.”

تبادلنا النظرات.

وأكملت:

“أدلة ضد شبكة كبيرة لتهريب الآثار.”

شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.

كان والد هناء رجل أعمال معروفًا.

ويملك أراضي واسعة قرب المناطق الصحراوية.

وخلال إحدى عمليات الحفر القانونية داخل أرضه.

اكتشف بعض العمال آثارًا قديمة.

وفي البداية ظن الجميع أنها مجرد قطع عادية.

لكن بعد تحقيقات طويلة.

اكتشف أن هناك عصابة ضخمة تنشط منذ سنوات.

تسرق الآثار من مواقع مختلفة.

ثم تهربها خارج البلاد.

وكان والد هناء قد جمع وثائق وصورًا وأسماءً.

تكفي لإسقاط الشبكة بالكامل.

لكن قبل أن يسلمها للجهات المختصة…

توفي فجأة.

قال أحمد ببطء:

“إنتِ شاكّة إنه ما ماتش طبيعي؟”

أطرقت هناء رأسها.

ثم قالت:

“أيوه.”

شعرت بالهواء يثقل داخل صدري.

وأكملت:

“والأخطر من كده… إن الوثائق دي اختفت.”

مرت لحظات طويلة من الصمت.

ثم قالت:

“لحد دلوقتي ما حدش يعرف مكانها.”

سألتها:

“إيه علاقة ده بخطفك؟”

رفعت عينيها نحوي.

وقالت:

“لأن الناس اللي خطفوني كانوا فاكرين إني أعرف مكان الملف.”

تجمدت في مكاني.

وفجأة عادت كل الأحداث القديمة إلى ذهني.

اختطاف.

طفلة متروكة في الصحراء.

مطاردة.

تهديدات.

ثم ظهور الذئب.

كل شيء بدا وكأنه جزء من قصة أكبر.

قصة لم تنتهِ بعد.

في تلك الليلة.

عدت إلى منزلي وأنا أفكر في كلامها.

لكن شيئًا غريبًا حدث.

شيء لم أتوقعه.

عندما دخلت غرفتي القديمة لأبحث عن بعض الأوراق.

فتحت درجًا خشبيًا لم أفتحه منذ سنوات.

ووجدت بداخله ظرفًا أصفر باهتًا.

لم أعرفه.

ولم أتذكر أنني رأيته من قبل.

فتحته بفضول.

ثم شعرت ببرودة تجتاح جسدي.

كان بداخله مفتاح صغير.

ومع المفتاح ورقة قديمة.

عليها كلمات قليلة فقط.

بخط يد مجهول:

“إذا حدث لي شيء… ابحثوا تحت شجرة السدر.”

سقطت الورقة من يدي.

وتوقفت أنفاسي.

لأن شجرة السدر نفسها…

هي الشجرة التي وجدت تحتها نور.

في صباح اليوم التالي.

كنت أنا وأحمد وهناء نقف أمام تلك الشجرة من جديد.

بعد أكثر من ثلاث سنوات.

بدا المكان كما هو.

الرمال.

الأغصان.

والصمت.

لكن هذه المرة كنا نبحث عن شيء مختلف.

بدأنا الحفر.

ساعة كاملة.

ثم ساعتين.

حتى اصطدمت المجرفة بشيء صلب.

نظر أحمد نحوي.

وتسارعت نبضات قلبي.

أزحنا الرمال بحذر.

ثم ظهر صندوق معدني قديم.

مغطى بالصدأ.

ومغلق بقفل صغير.

أخرجت المفتاح.

وأدخلته ببطء.

دار القفل.

وانفتح الصندوق.

في الداخل…

لم نجد ذهبًا.

ولا أموالًا.

بل عشرات الملفات.

وصورًا.

وأقراص تخزين.

وأسماء.

وتواريخ.

ومستندات.

تراجعت هناء خطوة للخلف.

والدموع تملأ عينيها.

ثم همست:

“أبويا…”

كان الملف كاملًا.

كما لو أن والدها أخفاه هناك قبل وفاته مباشرة.

وكان يعلم أن أحدًا سيحاول الوصول إليه.

وفي تلك اللحظة فقط…

سمعنا صوتًا غريبًا قادمًا من خلف الأشجار.

صوت حركة سريعة فوق الرمال.

التفتنا جميعًا.

لكن لم يكن هناك أحد.

فقط أثر أقدام حيوان كبير.

يتجه بعيدًا نحو عمق الصحراء.

تجمدت في مكاني.

ونظرت إلى الأثر طويلًا.

ثم ابتسمت دون أن أشعر.

لأن جزءًا مني كان مقتنعًا أن حارس السر القديم…

ما زال يراقب من بعيد.

وأنه أكمل مهمته الأخيرة أخيرًا.

أما ما كشفته تلك الملفات…

فكان كافيًا ليفتح أكبر قضية شهدتها المنطقة منذ عشرات السنين.

قضية ستُسقط أسماءً لم يتخيل أحد يومًا أنها متورطة.

لكن ذلك…

كان مجرد بداية فصل جديد أكثر خطورة مما تخيلناه جميعًا.

الفصل الخامس

لم نخبر أحدًا بما وجدناه تحت شجرة السدر.

على الأقل ليس في تلك الليلة.

أغلق أحمد الصندوق المعدني بنفسه.

ووضعه داخل السيارة.

بينما كانت هناء تبكي بصمت.

أما أنا…

فلم أستطع التخلص من ذلك الشعور الغريب.

شعور بأن أحدًا كان يراقبنا.

من بعيد.

من مكان لا نستطيع رؤيته.

وصلنا إلى منزل هناء قبل الغروب بقليل.

وأغلقنا الأبواب والنوافذ.

ثم جلسنا حول طاولة الطعام.

وبدأنا نفحص محتويات الصندوق.

كل ورقة كانت تكشف مفاجأة أكبر من سابقتها.

صور لمخازن سرية.

خرائط لمواقع أثرية.

تحويلات مالية بملايين الجنيهات.

أسماء رجال أعمال معروفين.

ومسؤولين سابقين.

وأشخاص لم يكن أحد يجرؤ حتى على ذكر أسمائهم علنًا.

كل شيء كان موثقًا.

بالتواريخ.

والأدلة.

والتوقيعات.

قال أحمد وهو يقلب الأوراق:

“الملف ده لو وصل للنيابة هيعمل زلزال.”

هزت هناء رأسها.

لكنها لم تبدُ مرتاحة.

بل كانت خائفة.

خائفة أكثر من أي وقت مضى.

سألتها:

“مالك؟”

تنهدت.

ثم قالت:

“عشان كده أبويا مات.”

ساد الصمت.

وأضافت:

“الناس دي ما بتسيبش شهود.”

في صباح اليوم التالي.

قررنا تسليم كل شيء للجهات المختصة.

لكن قبل أن نتحرك…

رن هاتف هناء.

رقم مجهول.

ترددت.

ثم أجابت.

وبمجرد أن وضعت الهاتف على أذنها…

اختفى اللون من وجهها.

لم تنطق بكلمة.

اكتفت بالاستماع.

ثم أغلقت الخط.

سألتها فورًا:

“مين؟”

نظرت إلينا ببطء.

وقالت:

“عارفين إن الملف عندنا.”

شعرت ببرودة تسري في ظهري.

قال أحمد:

“إزاي؟”

هزت رأسها.

“مش عارفة.”

ثم أضافت بصوت مرتجف:

“بس قالوا جملة واحدة.”

ابتلعت ريقها.

وأكملت:

“لو عايزين تعيشوا… رجعوا الصندوق مكانه.”

في تلك الليلة.

لم ينم أحد.

بقينا مستيقظين حتى الفجر.

نراجع كل احتمال.

كل شخص يمكن أن يكون عرف بالأمر.

كل خطوة قمنا بها.

لكن لم نجد إجابة.

وبعد يومين فقط…

حدث ما كنا نخشاه.

اختفت نور.

مرة أخرى.

كانت عائدة من المدرسة.

ومعها يارا.

كعادتهما.

لكن سيارة سوداء توقفت فجأة قرب الطريق.

ونزل منها رجلان.

خطفا نور خلال ثوانٍ.

ثم انطلقا بسرعة جنونية.

أما يارا…

فبقيت تصرخ في الشارع.

عندما وصلت الشرطة.

كانت ابنتي ترتجف بالكامل.

ارتمت في حضني وهي تبكي.

وقالت:

“خدوها يا ماما…”

شعرت أن قلبي يتمزق.

أما هناء…

فانهارت تمامًا.

وصلت رسالة بعد ساعات.

رسالة قصيرة.

من رقم مجهول.

“الملف مقابل البنت.”

كان الأمر واضحًا.

العصابة عادت.

وأصبحت أكثر جرأة من أي وقت مضى.

أرادت الشرطة نصب كمين.

لكن الوقت كان ينفد.

لأن الخاطفين أرسلوا صورة لنور.

كانت خائفة.

مقيدة.

لكنها ما زالت حية.

في تلك الليلة.

جلست وحدي في الحديقة.

أفكر.

أبكي.

وأدعو الله أن تنجو الطفلة.

ثم رفعت رأسي نحو الصحراء المظلمة.

وتذكرت شيئًا.

تذكرت كيف بدأت القصة كلها.

بذئب.

وشجرة سدر.

وطفلة ضائعة.

لا أعرف لماذا.

لكنني قررت الذهاب إلى هناك.

إلى المكان نفسه.

في منتصف الليل.

اعترض أحمد بشدة.

لكنني أصريت.

وفي النهاية رافقني.

وصلنا إلى الشجرة القديمة.

وكان القمر يضيء الرمال الفضيّة من حولنا.

وقفنا وسط الصمت.

لا شيء.

لا أحد.

ثم فجأة…

سمعنا عواء بعيدًا.

طويلًا.

عميقًا.

قادمًا من قلب الصحراء.

تبادلنا النظرات.

ثم سمعناه مرة أخرى.

أقرب هذه المرة.

وبعد دقائق…

ظهر من بين الظلال.

ذئب.

ثم آخر.

ثم ثالث.

توقف أحمد عن التنفس تقريبًا.

أما أنا…

فشعرت أنني أعرف قائدهم.

حتى من بعيد.

تلك العلامة البيضاء فوق العين.

ما زالت موجودة.

كان الذئب نفسه.

أكبر عمرًا.

وأقوى.

لكن النظرة لم تتغير.

وقف أمامنا.

ثم استدار.

وبدأ يسير نحو عمق الصحراء.

توقف بعد عدة أمتار.

ونظر خلفه.

تمامًا كما فعل قبل سنوات.

همس أحمد:

“مش معقول…”

أما أنا…

فشعرت بالقشعريرة نفسها التي شعرت بها أول مرة.

ثم قلت:

“تعال ورايا.”

وبدأنا نتبعه.

مرة أخرى.

دون أن نعرف أن تلك الرحلة لن تقودنا هذه المرة إلى طفلة ضائعة…

بل إلى الحقيقة الكاملة وراء اختفاء والد هناء.

وإلى المواجهة الأخيرة مع أخطر رجل في الشبكة كلها.

الرجل الذي كان يختبئ في الظل منذ البداية.

والذي لم يكن يتخيل أبدًا أن عدوه الأكبر…

سيكون ذئبًا خرج من قلب الصحراء.

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *