عوده من الماضي حكـايـات أسمـا ×4
الفصل الثامن
في صباح اليوم التالي استيقظت ليلى على صوت ضحكات الطفلين من غرفة المعيشة وكان ذلك وحده كافيًا ليجعل قلبها يهدأ قليلًا بعد أسبوع كامل من العواصف التي لم تنتهِ بعد لكنها عندما خرجت من غرفتها وجدتهما جالسين على السجادة أمام التلفاز وبينهما الإطار الزجاجي الصغير الذي وضع فيه سيف ملصق الديناصور
كان عمر ينظر إليه بفخر شديد كأنه قطعة أثرية نادرة
أما آدم فكان يقرأ الورقة الصغيرة للمرة الثالثة
“أول هدية من ابني”
ثم رفع رأسه نحو ليلى وسأل بهدوئه المعتاد
“ماما هو يقصد مين؟”
تجمدت ليلى عند باب الغرفة
كانت تعرف أن السؤال قادم
لكنها لم تكن مستعدة له
اقتربت ببطء وجلست أمامهما ثم أخذت نفسًا عميقًا وقالت
“يقصدكوا”
نظر عمر إليها ببراءة
“إحنا؟”
أومأت ليلى
أما آدم فظل يحدق فيها وكأنه فهم أكثر مما يجب
ثم سأل
“هو بابانا؟”
سقط السؤال في الغرفة كحجر ثقيل
لم تبكِ ليلى
لم تهرب
لم تكذب
فقط أغمضت عينيها لحظة ثم فتحتهما وقالت بصوت هادئ
“أيوه”
ساد الصمت
عمر لم يفهم فورًا
لكن آدم فهم
وظهرت التجعيدة الصغيرة بين حاجبيه تمامًا كما تظهر في وجه سيف عندما يحاول السيطرة على مشاعره
قال آدم
“يعني كان فين؟”
ارتعش قلب ليلى
كانت تلك أصعب من كل المواجهات
أصعب من نادية
أصعب من الصحافة
أصعب من سيف نفسه
لأن الطفل لا يسأل ليحاكم
بل يسأل لأنه يريد أن يفهم لماذا كان هناك كرسي فارغ في حياته منذ ولادته
مدت ليلى يدها ولمست وجهه الصغير
وقالت
“كان بعيد”
سأل عمر هذه المرة
“ليه؟”
ابتلعت ليلى دموعها
وقالت
“عشان الكبار ساعات بيغلطوا غلطات كبيرة”
نظر آدم إلى الإطار مرة أخرى
“وهو عايز يرجع؟”
صمتت ليلى طويلًا
ثم قالت
“هو بيحاول”
لم يقل الطفلان شيئًا بعدها
لكن شيئًا تغير في البيت
كأن سرًا كبيرًا كان يختبئ بين الجدران خرج أخيرًا إلى الهواء
—
في نفس الوقت كان سيف جالسًا أمام مكتب النيابة مع محاميه ينتظر استدعاءه لسماع أقواله في قض*ية التحويلات المالية التي تمت باسمه دون علمه كان وجهه هادئًا لكنه من الداخل كان محطمًا لم يكن يخاف من التحقيق ولا من خسارة المال ولا حتى من اهتزاز اسم العائلة كان يخاف فقط من أن يدفع أبناؤه ثمن ذنب لم يرتكبوه
خرج المحامي من الغرفة المجاورة وقال
“الأمور هتبقى صعبة يا سيف بيه بس موقفك قوي طالما المستندات بتثبت إن توقيعك اتزور”
أومأ سيف دون اهتمام
فسأله المحامي
“حضرتك سامعني؟”
رفع سيف رأسه وقال
“لو اتثبت إن أمي متورطة رسميًا هيحصل إيه؟”
تردد المحامي
“هتتحاسب”
“يعني ممكن تدخل السجن؟”
سكت الرجل لحظة ثم قال
“ممكن”
أغمض سيف عينيه
كانت نادية قد فعلت ما لا يُغتفر
لكنها في النهاية أمه
وهذه الحقيقة وحدها كانت تؤلمه أكثر مما يريد الاعتراف
—
في قصر الشاذلي كانت نادية تجلس وحدها في غرفتها بعدما غادر أغلب العاملين القصر خوفًا من الفضيحة أو بأوامر من المحامين لم تعد تلك السيدة الحديدية التي كان الجميع يهابها لم تعد المرأة التي تتحكم في مصائر الناس بإشارة من إصبعها كانت الآن أمًا خائفة وامرأة محاصرة بجرائمها
رن هاتفها
نظرت إلى الشاشة فوجدت اسم سيف
ترددت طويلًا قبل أن ترد
قالت بصوت مكسور
“سيف”
جاء صوته هادئًا جدًا
“أنا مش هقدر أحميكي”
لم تجب
فأكمل
“ولا هزور حقيقة ولا هضغط على حد ولا هدفع فلوس عشان أسكت الناس”
نزلت دمعة على وجهها
قالت
“عارفة”
ثم سكتت لحظة وأضافت
“بس كنت عايزة أسمع صوتك”
ضغط سيف على الهاتف بيده
وتنفس بصعوبة
“صوتي مش هيغير اللي حصل”
قالت نادية
“أنا خسرتك خلاص؟”
لم يرد بسرعة
وكان صمته إجابة كافية
ثم قال أخيرًا
“خسرتي الشخص اللي كان شايفك فوق الغلط”
أغلقت نادية عينيها بقهر
فأكمل
“لكن لسه عندك فرصة واحدة”
همست
“إيه؟”
قال
“اعترفي بكل حاجة”
—
في المساء ذهب سيف إلى منزل ليلى بعدما اتصلت به وطلبت أن يأتي لم تكن نبرتها دافئة لكنها لم تكن قاسية مثل قبل وهذا وحده جعله يشعر بأن الباب لم يعد مغلقًا تمامًا
عندما وصل وجدها تنتظره أمام البيت
كانت ترتدي ملابس بسيطة وشعرها مربوط للخلف وملامحها متعبة لكنها ثابتة
قالت دون مقدمات
“هما عرفوا”
توقف قلبه
“الأولاد؟”
أومأت
ظل صامتًا للحظة ثم سأل بصوت منخفض
“قالوا إيه؟”
نظرت إليه طويلًا
“سألوا كنت فين”
انكسرت عيناه
ولم يجد ما يقوله
فقالت هي
“أنا ما كذبتش عليهم بس كمان ما قلتلهمش تفاصيل توجعهم”
هز رأسه بامتنان
“شكرًا”
قالت بحدة خفيفة
“أنا ما عملتش كده عشانك أنا عملت كده عشانهم”
أومأ مرة أخرى
“عارف”
ثم ساد الصمت بينهما
قبل أن تقول
“هما عايزين يشوفوك”
رفع رأسه بسرعة
لم يكن مستعدًا لتلك الجملة
شعر بشيء بين الفرح والخوف
“دلوقتي؟”
قالت
“دلوقتي”
دخل سيف إلى البيت بخطوات بطيئة كأنه يدخل امتحان حياته
كان آدم وعمر جالسين على الكنبة
نهض عمر أولًا وركض نحوه ثم توقف فجأة وكأنه تذكر أنه لا يعرف كيف يتصرف مع أب ظهر فجأة من العدم
أما آدم فظل جالسًا يراقبه
انحنى سيف حتى صار في مستوى أعينهما
وقال بصوت مرتجف
“أنا آسف”
لم يسأل الطفلان عن معنى الاعتذار
لكن آدم قال
“ماما قالت إنك بابا”
ابتلع سيف ريقه
“أيوه”
قال عمر
“يعني ينفع أقولك بابا؟”
انهار شيء داخل سيف
حاول أن يتماسك لكنه فشل
امتلأت عيناه بالدموع وقال
“ينفع”
اقترب عمر ببطء
ثم وضع يده الصغيرة على كتف سيف
وقال
“بابا”
كانت كلمة واحدة
لكنها أعادت لسيف حياة كاملة
أخفض رأسه وقبّل يد ابنه الصغيرة وهو يبكي لأول مرة أمامهم
أما آدم فلم يتحرك
ظل ينظر إليه طويلًا ثم قال
“أنا مش زعلان منك دلوقتي”
رفع سيف عينيه إليه
فأكمل الطفل بهدوء مؤلم
“بس يمكن أزعل بعدين لما أفهم أكتر”
صمت سيف
ثم قال
“من حقك”
قال آدم
“بس لو جيت تاني ما تمشيش فجأة”
هنا لم يستطع سيف إلا أن يمد ذراعه
لم يجبره على الاقتراب
فقط انتظر
وبعد لحظات طويلة قام آدم من مكانه ودخل في حضنه
كان حضنًا صغيرًا ومترددًا
لكنه كان كافيًا ليجعل ليلى تدير وجهها للجهة الأخرى حتى لا يرى أحد دموعها
—
بعد تلك الليلة بدأ شيء جديد
لم يكن صلحًا
ولم يكن حبًا عاد بسهولة
ولم تكن عائلة مكتملة فجأة
كان مجرد بداية حذرة
سيف صار يأتي مرتين في الأسبوع بإذن ليلى يجلس مع الطفلين يساعدهما في الواجبات أحيانًا ويفشل غالبًا في فهم طرق تعليمهم الحديثة فيضحكان عليه ويضحك هو معهما
كان عمر سريع التعلق به
يسأله عن السيارات وعن الديناصورات وعن سبب لون عينيه
أما آدم فكان أكثر حذرًا
يقترب خطوة ثم يبتعد خطوتين
يسأل أسئلة صعبة
ويحتفظ بإجاباته لنفسه
وكان سيف يقبل ذلك بصبر
لأنه يعرف أنه لا يستحق طريقًا سهلًا
أما ليلى فكانت تراقب من بعيد
كل مرة يدخل فيها سيف بيتها كانت تشعر بالخوف
ليس منه
بل من نفسها
من ذلك الجزء الصغير الذي ما زال يتذكره قبل الخيانة
قبل الظرف
قبل نادية
قبل السنوات الخمس
جزء خطير جدًا
لأنه ما زال قادرًا على الحنين
—
في إحدى الليالي بينما كان سيف يقرأ قصة لعمر وآدم على الكنبة رن هاتف ليلى
نظرت إلى الشاشة فتجمدت
كان المتصل والدها
خرجت إلى الشرفة وردت ويدها ترتجف
سمعت صوته بعد سنوات طويلة
“ليلى”
لم تستطع الكلام
قال بصوت مخنوق
“أنا عارف إن مفيش اعتذار يكفي”
أغمضت عينيها والدموع تسيل على وجهها
“ليه يا بابا؟”
كانت الكلمة طفولية موجوعة
لم تكن امرأة قوية تسأل
بل ابنة تُركت وحدها
قال الرجل
“كنت فاكر إني بحميكي”
ضحكت من بين دموعها
“كلكم كنتوا بتحموني لحد ما دمرتوني”
سكت والدها
لأنها كانت محقة
ثم قال
“أنا راجع ومش همشي تاني غير لو إنتي طلبتي ده”
نظرت ليلى من خلف الزجاج إلى داخل البيت
رأت سيف يجلس بين الطفلين
رأت عمر يضع رأسه على كتفه
ورأت آدم يبتسم رغم محاولته إخفاء ذلك
فشعرت أن حياتها كلها تقف على حافة قرار واحد
قالت لوالدها
“تعالى بكرة”
شهق الرجل كأنه لم يصدق
فأضافت
“مش عشان سامحتك”
ثم سكتت لحظة
“عشان الولاد لازم يعرفوا جدهم”
—
في اليوم التالي جاء والد ليلى
وقف أمام باب المنزل ممسكًا بكيس ألعاب لا يعرف هل يناسب طفلين في الخامسة أم لا
عندما فتحت ليلى الباب نظر إليها طويلًا
ثم بكى
لم يقل شيئًا
ولم تحضنه فورًا
ظلت واقفة أمامه كأنها تحاول أن تجمع بين صورة الأب الذي أحبته والرجُل الذي تركها
ثم تنحى جانبًا ودخل
قابل الطفلين بحذر
عمر تقبله سريعًا
أما آدم فسأله مباشرة
“إنت كمان كنت بعيد؟”
ارتبك الرجل
ثم قال بصدق
“أيوه”
قال آدم
“ليه كل الرجالة في عيلتنا كانوا بعيد؟”
لم يعرف أحد كيف يرد
ولا سيف الذي كان حاضرًا
ولا ليلى
ولا والدها
لكن السؤال ظل معلقًا في الهواء
كحكم صغير من طفل لم يتعلم المجاملة بعد
—
في تلك الليلة اجتمعوا جميعًا لأول مرة حول طاولة واحدة
ليلى
سيف
آدم
عمر
ووالد ليلى
لم يكن المشهد مثاليًا
كانت هناك جراح أكبر من أن تخفيها وجبة عشاء
لكن كان هناك أيضًا شيء يشبه الأمل
وبينما كان عمر يحكي بحماس عن يومه في المدرسة
نظر والد ليلى إلى سيف وقال بصوت منخفض
“أنا مش مسامحك”
رفع سيف عينيه إليه
قال الرجل
“إنت جرحت بنتي قبل أي حد”
أومأ سيف
“عارف”
قال والدها
“بس لو كسرت قلب الولاد بعد ما دخلته تاني حياتهم أنا مش هسكت”
نظر سيف إلى الطفلين ثم إلى ليلى
وقال
“ولا أنا هسامح نفسي”
سمعت ليلى الجملة
ولم تعلق
لكنها شعرت أنها صدقته
وهذا أخافها أكثر
—
في اليوم التالي حدث الانفجار الأكبر
نادية الشاذلي ظهرت أمام النيابة وقدمت اعترافًا رسميًا
اعترفت بالتحويلات
بالتلاعب
بالتهديد
بمراقبة ليلى
وبدور الوسطاء الذين استخدمتهم
وانتشرت الأخبار كالنار
لكن وسط الضجة كلها كان هناك خبر واحد أصاب ليلى بالذهول
نادية طلبت لقاءها
رفضت ليلى في البداية
ثم جلست طوال الليل تفكر
وفي النهاية ذهبت
ليس لأنها تريد سماع اعتذار
بل لأنها أرادت أن ترى المرأة التي سلبتها خمس سنوات وهي بلا قناع
وجدتها في غرفة صغيرة داخل مكتب المحامي
كانت نادية ترتدي ملابس بسيطة ووجهها شاحبًا بلا مكياج
عندما دخلت ليلى وقفت فورًا
لكن ليلى قالت
“اقعدي”
جلست نادية ببطء
وقالت
“أنا آسفة”
لم تهتز ليلى
“آسفة على إيه بالظبط؟”
ارتجفت نادية
“على كل حاجة”
قالت ليلى
“لا دي سهلة قوي”
اقتربت خطوة
“آسفة إنك قولتي لسيف إني أنهيت الحمل؟ ولا آسفة إنك قولتيلي إنه باعني؟ ولا آسفة إنك هددتي أبويا؟ ولا آسفة إنك خليتي ولادي يكبروا من غير أب؟ ولا آسفة إنك دفعتِ مية مليون عشان تخبي قذارتك؟”
بدأت نادية تبكي
لكن ليلى لم تلن
قالت
“دموعك متأخرة”
ثم سكتت لحظة وأضافت
“بس أنا مش جاية أشوفك بتعيطي”
رفعت نادية رأسها
قالت ليلى
“أنا جاية أقولك إنك خسرتي”
نادية أغمضت عينيها
فأكملت ليلى
“أنا ما اتكسرتش والولاد ما ضاعوش وسيف عرف الحقيقة وأبويا رجع وإنتي رغم كل فلوسك ونفوذك واقفة لوحدك”
صمتت
ثم قالت بهدوء موجع
“دي عقوبتك الحقيقية”
خرجت ليلى بعد ذلك دون أن تلتفت
ولأول مرة منذ خمس سنوات شعرت أن شيئًا ثقيلًا انزاح عن صدرها
—
بعد شهرين كانت القض/ية لا تزال مستمرة
لكن حياة ليلى بدأت تجد إيقاعًا جديدًا
الطفلان اعتادا وجود سيف
والدها صار يزورهم كثيرًا ويحاول تعويض ما فاته بصبر مؤلم
وسيف بدأ يخصص جزءًا من وقته للأبوة لا كضيف بل كرجل يتعلم من الصفر
كان يخطئ كثيرًا
ينسى موعد الحصة الرياضية
يشتري ألعابًا لا تناسب سنهما
يرتبك عند بكاء عمر
ويفشل في إقناع آدم بالنوم مبكرًا
لكنه كان يبقى
وهذه كانت أهم نقطة
ليلى لم تسامحه بعد
لكنها لم تعد تطرده
وفي إحدى الأمسيات بعد أن نام الطفلان وقف سيف عند الباب يستعد للرحيل
قالت ليلى فجأة
“سيف”
التفت إليها
قالت
“أنا مش قادرة أنسى”
أومأ ببطء
“مش طالب منك تنسي”
قالت
“ومش قادرة أسامح بسرعة”
قال
“ولا أستاهل بسرعة”
نظرت إليه طويلًا
ثم قالت
“بس الولاد محتاجينك”
تنفس بعمق
“وأنا محتاجهم”
سكتت لحظة
ثم أضافت بصوت أخفض
“وأنا محتاجة وقت”
نظر إليها وكأنها منحته شيئًا أكبر من الغفران
قال
“هستنى”
لم تقل شيئًا
لكنه رأى في عينيها أن الباب الذي كان مغلقًا بالحديد صار مواربًا قليلًا
قليلًا جدًا
لكن يكفي ليدخل منه الضوء
وفي الخارج كانت القاهرة هادئة على غير عادتها
أما داخل ذلك البيت الصغير
فكانت عائلة مكسورة تحاول أن تتعلم كيف تُشفى
ليس في يوم واحد
ولا باعتذار واحد
ولا بدمعة واحدة
بل خطوة خطوة
وكانت الخطوة الأولى قد بدأت أخيرًا
يتبع…