صدفه غيرت حياتي حكـايـات أسمـا ×1

راحت تولد لوحدها… لكن أول ما الدكتور شاف طفلها، انهار من العياط قدام كل اللي في أوضة الولادة…
راحت ندى لمستشفى حكومي في القاهرة في صباح يوم شتوي بارد…لوحدها…من غير جوز.
من غير أهل.من غير حتى صاحبة تمسك إيدها.كان معاها شنطة هدوم صغيرة…وجاكيت قديم…
وتسعة شهور من الوجع اتعلمت تشيلهم لوحدها…أول ما دخلت الاستقبال…ابتسمت لها الممرضة وسألتها بلطف:
“جوز حضرتك هييجي إمتى؟”ندى حاولت تبتسم.
وقالت بهدوء:”آه…أكيد جاي في الطريق.”
لكنها كانت كدبة…الحقيقة…إن كريم منصور اختفى من سبع شهور.في نفس الليلة…اللي عرف فيها إنها حامل.
ما حصلش خناق…ولا صوت عالي…ولا حتى كلمة وداع.
كل اللي حصل…إنه لم هدومه في شنطة…وقال إنه خارج مشوار…وقفل الباب…وما رجعش تاني…في أول الأيام…
كانت ندى كل ليلة تنام وهي بتعيط…لحد ما الدموع خلصت…مش لأنها بطلت تتوجع…لكن لأنها مبقاش عندها طاقة حتى للبكاء…استأجرت أوضة صغيرة فوق سطح عمارة قديمة.
واشتغلت شيفتين في كافيه…ووفرت كل جنيه تقدر عليه.
كل ليلة…كانت تحط إيديها على بطنها.وتهمس لطفلها:
“أنا معاك…ومهما حصل…عمري ما هسيبك.”
لما بدأ الطلق…جه قبل الموعد المتوقع.
اتناشر ساعة كاملة من الألم.كل انقباضة كانت بتحس إنها بتسحب روحها…والممرضات كانوا يشجعوها وهي ماسكة حديد السرير بإيديها المرتعشة.
وسط كل الوجع…كانت بتكرر نفس الجملة:
“بس خلوه ييجي الدنيا بخير.”الساعة كانت تلاتة وسبعتاشر دقيقة عصرًا…لما أخيرًا…اتولد الطفل.
صرخته الأولى ملت أوضة الولادة…ندى وقعت برأسها على المخدة…والدموع نزلت من عينيها…لكن المرة دي…
مكانتش دموع حزن…كانت دموع راحة…وامتنان.
وحب…همست بصوت ضعيف:”هو كويس؟”
ابتسمت الممرضة وهي بتلف الرضيع في بطانية المستشفى…وقالت:”زي القمر…بصحة ممتازة.”
كانت لسه هتحطه بين إيدين ندى…لما باب أوضة الولادة اتفتح…ودخل الدكتور المسؤول…الدكتور محمود الراوي.
واحد من أشهر أطباء النساء والتوليد…راجل معروف بهدوئه…وعمر حد شافه يفقد أعصابه.فتح الملف الطبي بسرعة. .بص لاسم الأم…ثم رفع عينه ناحية الطفل.
وفجأة…اتجمد مكانه.اللون اختفى من وشه.
ونظراته ثبتت على الرضيع…إيده بدأت ترتعش.
والملف وقع من بين صوابعه…الصمت سيطر على أوضة الولادة .الممرضات بصوا لبعض باستغراب.
وفجأة…امتلأت عيون الدكتور بالدموع…وبدأ يبكي.
بكى من غير ما يقدر يمنع نفسه…الطبيب اللي أنقذ آلاف الأطفال…وقف عاجز قدام طفل واحد.لأنه أول ما شاف ملامحه…عرف حاجة مستحيل تكون صدفة.
حاجة من ماضي دفنها من سنين.وسر…
كان فاكر إنه مات للأبد…
لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد
@أبرز المعجبين
الفصل الثاني

الصمت نزل على أوضة الولادة كأنه غطا تقيل خنق أنفاس كل اللي فيها. الممرضة كانت لسه شايلة الطفل بين إيديها، وباصّة للدكتور محمود الراوي بعدم فهم. عمرهم ما شافوه بالشكل ده. الراجل المعروف بثباته في أصعب العمليات، واللي كان دايمًا أول واحد يطمن الأمهات ويهديهم، واقف دلوقتي ودموعه بتنزل قدام الجميع من غير ما يحاول يخبيها.

ندى، رغم إنها كانت منهكة بعد ساعات طويلة من الولادة، رفعت رأسها بالعافية وهمست بصوت ضعيف:

“فيه إيه يا دكتور؟… ابني فيه حاجة؟”

ما ردش.

فضل باصص للرضيع وكأنه شايف شبح خارج من الماضي.

قرب خطوة…

وبعدين خطوة تانية…

لحد ما بقى واقف قدام الطفل.

بص لوشه الصغير… لجبهته… لعينيه المقفولين… ولعلامة صغيرة جدًا فوق كتفه الشمال.

علامة على شكل هلال.

شهق الدكتور محمود شهقة خافتة، وحط إيده على بقه وهو بيحاول يمنع نفسه من الانهيار.

العلامة دي…

شافها قبل كده.

من تلاتين سنة.

في طفل تاني.

طفل اختفى في ظروف غامضة، والكل افتكر إنه مات.

الممرضة قالت بقلق:

“يا دكتور… حضرتك كويس؟”

مسح دموعه بسرعة، وحاول يرجع لشكله الطبيعي.

“هاتوا الطفل… لو سمحتوا.”

ناولته الممرضة الرضيع بحذر.

فضل شايله بين إيديه ثواني طويلة.

وبعدين همس لنفسه:

“مستحيل…”

ندى سمعت الكلمة.

وقالت بخوف:

“حضرتك تعرف ابني؟”

لف ناحيتها بسرعة.

“اسمك ندى سامح؟”

هزت رأسها.

“أيوه.”

“وجوزك اسمه كريم منصور؟”

استغربت.

“حضرتك تعرفه؟”

الدكتور سكت.

لأول مرة في حياته المهنية، حس إنه مش عارف يقول إيه.

كان كريم…

الاسم ده رجعه لذكريات حاول يدفنها سنين.

ذكريات عن شاب صغير اتربى قدامه.

عن وعد قديم.

وعن جري..
مة محدش اتعاقب عليها.

بعد لحظات، سلم الطفل للممرضة وقال بهدوء:

“خدوه للحضانة ساعتين بس للاطمئنان.”

ندى انتفضت.

“لا… لو سمحت… أنا عايزة ابني.”

ابتسم ابتسامة حزينة.

“اطمني… ده إجراء عادي.”

لكن الحقيقة…

إنه ما كانش إجراء عادي أبدًا.

أول ما خرج من أوضة الولادة، راح مكتبه وقفله بالمفتاح.

فتح درج قديم في مكتبه.

كان فيه ظرف أصفر متغبر.

آخر مرة لمسه كانت من خمسة وعشرين سنة.

فتح الظرف.

طلع صورة قديمة بالأبيض والأسود.

فيها طفل رضيع…

وعلى كتفه الشمال…

نفس علامة الهلال.

وقع الدكتور على الكرسي.

وقال بصوت مكسور:

“رجعت…

بعد كل السنين دي… رجعت.”

في نفس الوقت، كانت ندى نايمة على السرير وهي مش فاهمة ليه قلبها مقبوض.

كانت كل اللي نفسها فيه تحتضن ابنها.

لكنها لاحظت إن الممرضات بيتبادلوا نظرات غريبة كل ما يعدوا من جنبها.

واحدة منهم قربت وهمست للتانية:

“الدكتور عمره ما عيط بالشكل ده.”

“أكيد الطفل ده وراه حكاية.”

ندى سمعت الجملة.

والخوف بدأ ياكل قلبها.

يا ترى…

ابنها ماله؟

وبينما كانت بتحاول تقوم من السرير رغم تعبها، كان في الدور الأرضي للمستشفى راجل نازل من عربية سوداء فخمة.

دقنه طويلة شوية.

ملامحه مرهقة.

لكن أول ما رفع وشه، ظهر الاسم على بطاقة الزوار.

“كريم منصور.”

اختفى سبع شهور كاملة…

ورجع في نفس اليوم…

اللي ابنه شاف النور فيه.

لكن كريم ما كانش راجع يعتذر…

ولا راجع يشوف ابنه لأول مرة.

كان راجع لأنه وصله اتصال واحد بس قاله:

“لو عايز تعرف الحقيقة اللي هتغيّر حياتك… تعالى مستشفى النيل الحكومي حالًا… ابنك اتولد.”

وقف كريم قدام باب المستشفى، وقلبه بيدق بعنف.

لأنه كان متأكد إن السر اللي هيسمعه النهارده…

هيقلب حياة كل واحد فيهم رأسًا على عقب.
الفصل الثالث

وقف كريم منصور قدام باب المستشفى للحظات وهو مش قادر يدخل. سبع شهور كاملة كان بيهرب من اليوم ده. سبع شهور وهو كل ليلة يصحى مفزوع على نفس الكابوس… طفل بيصرخ… ووشوش ناس بتجري… وصوت راجل بيقول له: “لو ظهرت تاني… هتموت.”

بلع ريقه ودخل.

الموظفة في الاستقبال رفعت رأسها وقالت:

“حضرتك رايح لمين؟”

قال بصوت متردد:

“مراتي… ندى منصور… كانت بتولد.”

بصت في الكمبيوتر وقالت:

“اتولدت بالسلامة… لكن الدكتور محمود الراوي طلب أول ما توصل تدخل له مكتبه.”

اتجمد مكانه.

“هو طلبني أنا؟”

“أيوه… وقال أول ما تيجي ما تخليش حد يعرف.”

قلب كريم بدأ يدق أسرع.

طلع الدور التاني، ووقف قدام باب المكتب.

قبل ما يخبط، سمع صوت الدكتور من جوه:

“ادخل يا كريم… أنا مستنيك.”

فتح الباب ببطء.

أول ما عيونهم اتقابلت، حس كريم إن السنين كلها رجعت في ثانية.

الدكتور محمود قام من مكانه وقفل الباب بالمفتاح.

فضل ساكت شوية.

وبعدين قال:

“افتكرت إنك هتهرب طول عمرك؟”

نزل كريم رأسه.

“مكنش قدامي حل.”

ضرب الدكتور المكتب بإيده.

“والحل كان إنك تسيب مراتك حامل لوحدها سبع شهور؟”

دموع كريم نزلت.

“والله كنت بحميها.”

“من مين؟”

سكت.

الدكتور كرر السؤال بعصبية:

“من مين يا كريم؟”

رد بصوت مكسور:

“من الناس اللي قتلت أبويا.”

اتسعت عيون الدكتور.

“عرفت الحقيقة؟”

هز كريم رأسه.

“عرفتها متأخر… وبعدها بدأوا يراقبوني… ولما عرفت إن ندى حامل… فهمت إن الدور جاي علينا.”

فتح الدكتور الدرج وأخرج ملفًا قديمًا.

رماه قدامه.

“اقرأ.”

فتح كريم الملف.

أول صفحة كانت شهادة ميلاد.

لكن الاسم المكتوب خلاه يفقد القدرة على الكلام.

“كريم… محمود… الراوي.”

رفع رأسه بصدمة.

“إيه ده؟”

الدكتور كان بيبكي.

“ده اسمك الحقيقي.”

“مستحيل.”

“أنت مش ابن منصور.”

كريم رجع خطوة لورا.

“إنت بتقول إيه؟”

أخذ الدكتور نفسًا طويلًا وقال:

“من تلاتين سنة… اتولدت في المستشفى دي… وأبوك الحقيقي كان أعز صاحبي.”

“وبعدين؟”

“في نفس الليلة… هجم مسلحين على المستشفى.”

شهق كريم.

“كانوا عايزين يقتلوا والدك ويقتلوا الوريث الوحيد.”

“الوريث؟”

“أنت.”

جلس كريم على الكرسي وهو مش قادر يستوعب.

أكمل الدكتور:

“هربت بيك بنفسي.”

“وسلمتك لصاحبي منصور… لأنه كان راجل بسيط… محدش يعرفه.”

“واتفقت معاه يربيك كأنك ابنه.”

“وسجلناك باسمه.”

“وكل الناس افتكرت إن الطفل الحقيقي مات.”

فضل كريم ساكت.

كأنه فقد الإحساس بكل حاجة حواليه.

همس:

“يعني… أبويا اللي رباني…”

“كان بيعرف.”

“أيوه.”

“وليه ما قالليش؟”

أغمض الدكتور عينيه.

“لأنه أقسم يحافظ على حياتك.”

“ومات وهو واخد السر معاه.”

في اللحظة دي…

رن تليفون الدكتور.

رد بسرعة.

لكن وشه اتغير.

“إيه؟!”

قام واقف.

“إزاي خرجت من الحضانة؟”

جري هو وكريم ناحية حضانة الأطفال.

أول ما وصلوا…

لقوا الممرضات بيجروا في كل اتجاه.

إحدى الممرضات كانت بتعيط.

“الطفل اختفى.”

ندى كانت خارجة من أوضتها بالعافية.

أول ما سمعت الكلمة، صرخت بكل قوتها:

“ابنييييي!”

وقعت على الأرض وهي بتحاول تزحف ناحية الحضانة.

كريم جرى عليها.

لكنها أول ما شافته…

رفعت إيدها وضربته بالقلم قدام كل الموجودين.

“إنت!”

“إنت رجعت دلوقتي؟!”

“ابني راح بسببك!”

انهارت في البكاء.

وفجأة…

دوّى صوت إطلاق نار في مدخل المستشفى.

والناس كلها بدأت تصرخ وتهرب.

دخل ثلاثة رجال ملثمين.

وأحدهم كان شايل الرضيع بين إيديه.

ابتسم ابتسامة باردة وقال بصوت سمعه كل الموجودين:

“أخيرًا… لقينا آخر وريث لعيلة الراوي.”

ثم اختفى الرجال وسط الفوضى… بينما وقف كريم والدكتور محمود عاجزين، وقد أدركا أن المعركة الحقيقية لم تبدأ إلا الآن.
الفصل الرابع

تحولت المستشفى في ثوانٍ إلى حالة من الفوضى.

المرضى بيجروا في الممرات…

الممرضات بيصرخوا…

ورجال الأمن بيحاولوا يقفلوا الأبواب بعد ما سمعوا صوت الرصاص.

ندى كانت راكعة على الأرض، بتصرخ باسم ابنها وهي مش قادرة تستوعب اللي حصل.

أما كريم…

فكان واقف مكانه كأن الزمن وقف.

وفجأة…

صرخ الدكتور محمود بأعلى صوته:

“اقفلوا كل البوابات… محدش يخرج!”

لكن بعد أقل من دقيقة، جه أحد أفراد الأمن وهو بيجري.

“يا دكتور… العربية هربت.”

ضرب الدكتور الحائط بقبضته.

“بلغوا الشرطة حالًا.”

في نفس اللحظة…

كان الرجال الملثمون داخل سيارة سوداء مسرعة على الطريق الدائري.

الطفل نايم بهدوء داخل المقعد الصغير.

واحد منهم بص له وقال:

“هو ده؟”

رد الثاني وهو بيفتح ملفًا قديمًا:

“أيوه… التحليل أكد كل حاجة.”

الثالث، وكان واضح إنه قائدهم، قال بنبرة حاسمة:

“ممنوع حد يلمسه بسوء.”

استغرب الرجل الأول.

“إحنا خطفناه ومش هنأذيه؟”

رد القائد:

“إحنا مش جايين نقتله.”

“إحنا جايين نحميه.”

سكتوا كلهم.

أما في المستشفى…

كانت الشرطة وصلت بالفعل.

بدأوا يسمعوا أقوال كل الموجودين.

أحد الضباط قرب من الدكتور محمود.

“واضح إن حضرتك تعرف السبب.”

تردد الدكتور للحظات.

ثم قال:

“اللي هقوله لازم يفضل بينا.”

دخلوا غرفة جانبية.

أغلق الباب.

وقال بصوت منخفض:

“الطفل ده مش طفل عادي.”

الضابط عقد حاجبيه.

“يعني إيه؟”

“في ناس مستعدة تقتل مدن كاملة علشان توصل له.”

الضابط افتكر إن الدكتور بيبالغ.

لكن الدكتور فتح الملف القديم.

أخرج صورًا…

وعقودًا…

وخطابات مختومة.

وقال:

“من أكتر من ثلاثين سنة، حصلت جري….مة كبيرة.”

“عيلة كاملة اختفت.”

“وأموالها اختفت معها.”

“لكن قبل أيام اكتشفنا إن الوريث الحقيقي لسه عايش.”

الضابط قال بسرعة:

“تقصد كريم؟”

هز الدكتور رأسه بالنفي.

“لأ.”

“الطفل.”

اتسعت عينا الضابط.

“إزاي؟”

أخذ الدكتور نفسًا عميقًا.

“لأن اللي اكتشفناه بعد الولادة قلب كل حساباتنا.”

“التحليل أثبت إن الطفل لا يحمل فقط دم كريم…”

“لكن يحمل أيضًا صلة قرابة مباشرة بشخص كان الجميع متأكد إنه مات من ثلاثين سنة.”

في الناحية الأخرى…

كان كريم قاعد جنب ندى.

هي كانت باصة قدامها من غير كلام.

وفجأة قالت:

“جاوبني.”

“إنت سبتني ليه؟”

نزل رأسه.

وحكى لها كل حاجة.

حكى عن الرسائل المجهولة.

وعن العربية اللي كانت بتراقبه.

وعن الراجل اللي قابله قبل اختفائه وقال له:

“لو مراتك ولدت الولد ده… مش هتشوفوه تاني.”

ندى فضلت تسمع وهي الدموع بتنزل من غير صوت.

ولما خلص…

قالت بهدوء:

“كنت فاكر إنك بتحمينا.”

“لكن الحقيقة…”

“إنك سيبتني أواجه كل ده لوحدي.”

ما عرفش يرد.

لأنه لأول مرة…

اكتشف إن هروبه، مهما كان سببه، خلّى الست اللي بيحبها تدفع التمن وحدها.

وفي نفس الوقت…

توقفت السيارة السوداء أمام فيلا قديمة مهجورة على أطراف القاهرة.

نزل القائد وهو شايل الطفل بحرص.

فتح الباب.

وفي الداخل…

كان فيه رجل عجوز على كرسي متحرك.

ملامحه قوية رغم كبر سنه.

أول ما شاف الرضيع…

اغرورقت عيناه بالدموع.

مد إيده المرتعشة ولمس خد الطفل برفق.

ثم قال بصوت خافت:

“الحمد لله…”

“وصلت قبلهم.”

سأله قائد المجموعة:

“نعمل إيه دلوقتي يا باشا؟”

رفع العجوز رأسه وقال:

“من النهارده…”

“ابدأوا تنفيذ المرحلة الأخيرة.”

“لأنهم أكيد عرفوا إن الطفل لسه عايش.”

وفي اللحظة نفسها…

رجل مجهول كان واقف فوق سطح المبنى المقابل للفيلا، ماسك منظارًا وكاميرا بعدسة طويلة.

ابتسم وهو التقط عدة صور.

ثم أرسلها في رسالة قصيرة كتب فيها:

“تم تحديد مكان الطفل.”

وجاءه الرد بعد ثوانٍ فقط:

“لا تتحرك…”

“القائد بنفسه في الطريق.”
الفصل الخامس

ليل القاهرة كان هادي بشكل غريب…

لكن الهدوء ده كان خادع.

فوق سطح العمارة المقابلة للفيلا، الراجل اللي كان ماسك المنظار بعت آخر صورة، وقفل الموبايل بسرعة، ونزل السلم من غير ما يحس بيه حد.

أما جوا الفيلا…

كان العجوز لسه شايل الطفل بين إيديه.

ابتسم لأول مرة من سنين.

وقال وهو بيبص لملامحه:

“نسخة منه… حتى نفس النظرة.”

أحد الرجال سأله:

“يا باشا… هنقول لأمه إيه؟”

هز العجوز رأسه بحزن.

“لما الوقت ييجي… هترجع لها ابنها.”

“لكن دلوقتي… لو رجع المستشفى هيموت.”

في نفس اللحظة…

كان الدكتور محمود قاعد مع كريم وندى في غرفة صغيرة بعيد عن رجال الشرطة.

ندى كانت باصة للدكتور بعين مليانة دموع.

وقالت:

“لو حضرتك تعرف حاجة… بالله عليك قولها.”

الدكتور سكت ثواني طويلة.

وبعدين قال:

“أنا آسف… أنا السبب.”

كريم بص له باستغراب.

“تقصد إيه؟”

تنهد الدكتور وقال:

“من تلاتين سنة… كنت طبيب شاب ولسه ببدأ حياتي.”

“وفي ليلة واحدة… فقدت أعز اتنين في حياتي.”

“صاحبي…”

“وزوجته.”

ندى سألت:

“مين قتلهم؟”

رد بصوت مكسور:

“ناس كانت عايزة تستولى على ثروة ضخمة.”

“ولما اكتشفوا إن فيه طفل هيورث كل حاجة… قرروا يمحوا العيلة كلها.”

كريم قال بسرعة:

“وده أنا؟”

هز الدكتور رأسه.

“أيوه.”

“لكن اللي محدش يعرفه…”

“إن فيه وصية مكتوبة بخط والدك الحقيقي.”

فتح حقيبة جلد قديمة.

وأخرج ظرفًا مختومًا بالشمع الأحمر.

كان واضح إن عمره عشرات السنين.

قال:

“الظرف ده اتسلملي يوم الجري..مة.”

“وقالولي ما افتحوش إلا لما أشوف ابنك.”

ندى استغربت.

“ابنه؟”

“أيوه…”

“مكتوب عليه…”

‘لا يُفتح إلا بعد ولادة أول حفيد.’

إيد الدكتور كانت بترتعش وهو بيفك الختم.

فتح الورقة القديمة.

بدأ يقرأ بصوت عالي:

“إذا كنت تقرأ هذه الرسالة… فاعرف أن ابني ما زال حيًا… وأن حفيدي أصبح في خطر.”

سكت الجميع.

أكمل القراءة.

“كل ثروتي… وكل ممتلكاتي… وكل الشركات… ليست أهم من الطفل.”

“لأن الشيء الحقيقي الذي يبحثون عنه…”

“ليس المال.”

نظر كريم للدكتور.

“أمال إيه؟”

الدكتور قلب الصفحة.

واتغير لون وشه فجأة.

ندى قالت بخوف:

“فيه إيه؟”

همس الدكتور:

“مستحيل…”

كريم شد الورقة من إيده.

قرأ السطر الأخير…

واتجمد مكانه.

كان مكتوبًا:

“داخل القلادة الفضية التي سيرتديها أول حفيد للعائلة يوجد مفتاح الخزنة رقم 17… والخزنة لا تحتوي على أموال… بل تحتوي على الدليل الوحيد الذي يكشف أسماء قتلة العائلة الحقيقيين.”

ندى افتكرت حاجة فجأة.

صرخت:

“القلادة!”

بصوا لها كلهم.

قالت وهي بتبكي:

“أنا كنت لابساها للبيبي.”

“الممرضة حطتها له بعد الولادة.”

الدكتور شهق.

“يعني…”

“الخاطفين أخدوها مع الطفل.”

في نفس الثانية…

داخل الفيلا…

كان العجوز بيغير هدوم الطفل.

ولما فك البطانية…

وقعت سلسلة فضية صغيرة على الأرض.

انحنى أحد الرجال يجيبها.

وقال:

“شكلها عادية.”

العجوز أول ما شافها…

وقف من على الكرسي المتحرك لأول مرة منذ سنوات، رغم ألمه.

خطف السلسلة من إيده.

فتحها بطريقة غريبة.

فخرج منها مفتاح صغير جدًا مخفي بداخلها.

ابتسم ابتسامة امتزجت فيها الراحة بالخوف.

وقال:

“إذن… الوصية كانت حقيقية.”

لكن قبل ما يكمل كلامه…

انفجر زجاج الفيلا كله في لحظة واحدة.

رصاصة قناص اخترقت النافذة.

واستقرت في صدر الرجل الواقف بجوار العجوز.

سقط على الأرض ميتًا.

ثم دوّى صوت عشرات السيارات وهي تحاصر المكان من كل الجهات.

وأضاءت كشافات قوية الفيلا بالكامل.

وسُمِع صوت عبر مكبرات الصوت:

“أنتم محاصرون…”

“سلّموا الطفل فورًا…”

“وإلا لن يخرج أحد من هنا حيًا.”
يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *