زوج بالايجار حكايات اسما×4

الفصل الثامن

 

الصمت اللي نزل على قاعة مجلس الإدارة كان أثقل من أي كلمة.

 

كل الموجودين كانوا واقفين.

 

محدش قادر يستوعب اللي بيحصل.

 

الراجل اللي أعلنت العائلة اختفاءه من أكتر من ثلاثين سنة…

 

واللي اتكتبت عنه مقالات واتقفلت ملفات بحث رسمية باسمه…

 

واقف قدامهم دلوقتي حي.

 

مختار الشاذلي.

 

أما هشام…

 

فكان الوحيد اللي ما اتصدمش من وجوده.

 

لأن الصدمة الحقيقية على وشه ما كانتش صدمة شخص شاف ميت رجع للحياة.

 

كانت صدمة شخص كان متأكد إن الراجل ده مات من زمان.

 

وإنه بنفسه ضامن ده.

 

مختار وقف في منتصف القاعة.

 

وحط العصاية قدامه.

 

وبص ناحية هشام.

 

وقال بهدوء:

 

ـ “وحشتني يا هشام.”

 

الجملة البسيطة دي خلت هشام يشد على أسنانه.

 

قال بعصبية:

 

ـ “إنت مش المفروض تكون هنا.”

 

مختار ابتسم.

 

ـ “أهو جيت.”

 

ـ “زعلتك؟”

 

ضحك بعض أعضاء المجلس بتوتر.

 

أما هشام فوشه احمر من الغضب.

 

وفجأة ضرب الطاولة.

 

ـ “كفاية تمثيل.”

 

ـ “قول الحقيقة.”

 

مختار رفع حاجبه.

 

ـ “أي حقيقة؟”

 

ـ “الحقيقة اللي حاولت تدفنها.”

 

هشام صرخ:

 

ـ “إنت هربت.”

 

ـ “سرقت فلوس العيلة.”

 

ـ “واختفيت.”

 

مختار ضحك لأول مرة.

 

ضحكة طويلة.

 

مريرة.

 

ثم قال:

 

ـ “لسه بتكدب بنفس الطريقة.”

 

بعدها التفت ناحية أعضاء المجلس.

 

وقال:

 

ـ “تحبوا تعرفوا أنا اختفيت ليه؟”

 

ولا واحد فيهم رد.

 

لكن كلهم كانوا مركزين معاه.

 

مختار سحب ظرفًا من جيب الجاكيت القديم.

 

ووضعه على الطاولة.

 

وقال:

 

ـ “لأن حد حاول يق*تلني.”

 

الصمت رجع من جديد.

 

ثم أكمل:

 

ـ “قبل واحد وثلاثين سنة.”

 

ـ “بعد وفاة أخويا عبد الرحمن بشهرين.”

 

هنا اتغيرت ملامح فؤاد.

 

وقال:

 

ـ “إنت تقصد إن وفاة عبد الرحمن…”

 

مختار هز رأسه.

 

ـ “ما كانتش طبيعية.”

 

في اللحظة دي…

 

ليلى شهقت.

 

أما أنا…

 

فحسيت إن كل الأسرار اللي عرفناها قبل كده كانت مجرد بداية.

 

مختار أكمل:

 

ـ “أخويا كان ناوي يغير الوصية.”

 

ـ “وكان ناوي يكشف أسماء ناس سرقوا ملايين من الشركات.”

 

ـ “لكن قبل ما يعمل ده…”

 

ـ “مات فجأة.”

 

هشام قاطعه بغضب:

 

ـ “كفاية!”

 

لكن مختار تجاهله.

 

وقال:

 

ـ “وبعدها بأيام…”

 

ـ “حاولوا يق*تلوني أنا كمان.”

 

رفع كُم قميصه.

 

وأظهر أثر رصاصة قديمة في ذراعه.

 

ثم أضاف:

 

ـ “لكن ربنا كتبلي عمر جديد.”

 

أعضاء المجلس بدأوا يهمسوا.

 

أما هشام…

 

فبدأ يفقد أعصابه لأول مرة.

 

ثم صرخ:

 

ـ “عندك دليل؟!”

 

مختار ابتسم.

 

ـ “طبعًا.”

 

ثم أشار نحوي.

 

وقال:

 

ـ “والدليل واقف هناك.”

 

كل الأنظار اتجهت ناحيتي.

 

تجمدت مكاني.

 

ـ “أنا؟”

 

مختار هز رأسه.

 

ثم تقدم خطوة.

 

وقال:

 

ـ “محمود مش حفيدي.”

 

ـ “ولا ابن أخويا.”

 

ـ “ولا وريث بعيد.”

 

سكت لحظة.

 

والقاعة كلها كانت معلقة بأنفاسها.

 

ثم قال:

 

ـ “محمود ابني.”

 

لو أن قنبلة انفجرت وسط القاعة…

 

ما كانتش هتعمل الصدمة اللي حصلت.

 

أنا نفسي حسيت إن قلبي وقف.

 

ـ “إيه؟!”

 

الكلمة خرجت مني قبل أي حد.

 

مختار كانت عينه مليانة دموع.

 

وقال:

 

ـ “أيوة يا محمود.”

 

ـ “أنا أبوك.”

 

رجليا ما بقتش شايلاني.

 

قعدت على أول كرسي ورايا.

 

حياتي كلها اتقلبت في ثانية.

 

أبويا؟

 

يبقى الراجل اللي رباني؟

 

عبدالسلام؟

 

مختار قرب مني.

 

وقال بصوت مكسور:

 

ـ “عبدالسلام كان أعظم راجل عرفته.”

 

ـ “أنقذ حياتك.”

 

ـ “ورباك كأنك ابنه.”

 

ـ “وأوصاني ما أظهرش غير لما الوقت ييجي.”

 

دموعي نزلت من غير ما أحس.

 

مش عارف أفرح.

 

ولا أزعل.

 

ولا أصدق.

 

لكن الصدمة الأكبر كانت لسه جاية.

 

لأن مختار التفت ناحية هشام.

 

وقال:

 

ـ “دلوقتي بقى نجي للحقيقة الأخيرة.”

 

هشام صرخ:

 

ـ “اسكت!”

 

لكن مختار أكمل:

 

ـ “هشام…”

 

ثم سكت ثواني.

 

وقال:

 

ـ “مش ابن عبد الرحمن.”

 

القاعة انفجرت.

 

فؤاد وقف.

 

ليلى شهقت.

 

أما هشام فبقى أبيض كالشبح.

 

مختار أكمل:

 

ـ “تحليل الـDNA اللي اتقدم قبل كده كان مزور.”

 

ـ “واللي زوره هو نفس الشخص اللي كان بيسرق الشركات.”

 

هشام بدأ يتراجع للخلف.

 

ـ “كداب.”

 

مختار أخرج ملفًا جديدًا.

 

ـ “الأصل موجود.”

 

ثم رفع ورقة رسمية مختومة.

 

وقال:

 

ـ “ودي النسخة اللي حاولت تحرقها من ثلاث سنين.”

 

فؤاد خطف الملف بسرعة.

 

بدأ يقلب الأوراق.

 

وفجأة رفع رأسه بذهول.

 

ـ “يا إلهي…”

 

ليلى صرخت:

 

ـ “في إيه؟”

 

فؤاد قال:

 

ـ “مختار بيقول الحقيقة.”

 

ثم نظر مباشرة إلى هشام.

 

وأكمل:

 

ـ “هشام لا ينتمي لعائلة الشاذلي أصلًا.”

 

ساد الذهول المكان.

 

أما هشام…

 

فبص للجميع.

 

ثم انفجر ضاحكًا.

 

ضحكة غريبة.

 

مرعبة.

 

طويلة.

 

لدرجة إن أعضاء المجلس اتوتروا.

 

ثم فجأة مسح دموع الضحك من عينه.

 

وقال:

 

ـ “أخيرًا.”

 

كلنا بصينا له.

 

فابتسم.

 

وقال الجملة اللي قلبت كل شيء مرة أخرى:

 

ـ “الحمد لله إن الحقيقة طلعت.”

 

الصمت خيم على القاعة.

 

ثم أكمل:

 

ـ “لأنكم كلكم مركزين في النسب…”

 

ـ “ومحدش سأل السؤال الصح.”

 

ليلى قالت بعصبية:

 

ـ “أي سؤال؟”

 

هشام رفع هاتفه.

 

وضغط زرًا.

 

وفجأة اشتغلت شاشة العرض العملاقة في القاعة.

 

وظهر عليها فيديو قديم.

 

رديء الجودة.

 

مصور داخل غرفة مستشفى.

 

التاريخ في زاوية الشاشة يرجع إلى أكثر من ثلاثين سنة.

 

كلنا بصينا للشاشة.

 

ثم تجمدنا.

 

لأن الشخص الظاهر في الفيديو…

 

كان عبد الرحمن الشاذلي نفسه.

 

مؤسس الإمبراطورية.

 

الميت منذ عقود.

 

وكان يقول جملة واحدة فقط:

 

“لو شفتوا التسجيل ده… يبقى أكتر شخص وثقت فيه خانني.”

 

ثم نظر مباشرة للكاميرا.

 

ونطق اسمًا واحدًا.

 

اسمًا جعل مختار نفسه يشحب ويتراجع خطوة للخلف.

 

الاسم كان:

 

“مختار.”

 

يتبع…

الفصل التاسع

 

القاعة كلها اتجمدت.

 

كل الأنظار اتحولت من الشاشة إلى مختار.

 

حتى أنا.

 

الراجل اللي من ساعة واحدة بس عرفت إنه أبويا الحقيقي.

 

الراجل اللي رجع من الموت تقريبًا.

 

واللي كان بيحارب هشام بكل قوة.

 

فجأة بقى هو المتهم.

 

أما هشام…

 

فكانت ابتسامة النصر مرسومة على وشه.

 

كأنه مستني اللحظة دي من سنين.

 

التسجيل استمر.

 

ظهر عبد الرحمن الشاذلي على السرير داخل غرفة بالمستشفى.

 

كان واضح إنه مريض جدًا.

 

صوته ضعيف.

 

لكن عينيه كانت حادة.

 

ثابتة.

 

وقال:

 

“لو وصل التسجيل ده للناس… يبقى أنا غالبًا مش موجود.”

 

سكت لحظة.

 

ثم أكمل:

 

“وأول شخص لازم تسمعوا اسمه هو مختار.”

 

اتسعت عيون أعضاء المجلس.

 

أما مختار فكان واقف مكانه.

 

وشه خالي من أي تعبير.

 

التسجيل أكمل:

 

“مختار أخويا.”

 

“وأقرب شخص ليا.”

 

“والشخص الوحيد اللي كنت أثق فيه ثقة كاملة.”

 

هشام عبس فجأة.

 

لأن الكلام ما كانش ماشي في الاتجاه اللي توقعه.

 

أما عبد الرحمن فأكمل:

 

“ولو حصلي حاجة…”

 

“أوعوا تصدقوا أي حد يقول إن مختار خانني.”

 

القاعة انفجرت بالهمسات.

 

وهشام نفسه اتجمد.

 

التسجيل استمر.

 

“مختار حاول يحذرني.”

 

“قال إن في ناس بتسرق الشركات.”

 

“قال إن في ناس قريبة مننا بتخطط لشيء كبير.”

 

“وأكبر غلطة عملتها إني ما سمعتوش.”

 

بدأ لون وجه هشام يتغير.

 

أما مختار…

 

فأغمض عينيه للحظة.

 

وكأن حملًا قديمًا بدأ يسقط عن كتفيه.

 

ثم أكمل عبد الرحمن:

 

“ولو التسجيل ده اتعرض…”

 

“يبقى الشخص اللي نشره مش فاهم إن باقي الحقيقة موجودة في مكان تاني.”

 

هنا رفع فؤاد رأسه فجأة.

 

وقال:

 

ـ “باقي الحقيقة؟”

 

التسجيل انتهى قبل أن يكمل.

 

الشاشة أصبحت سوداء.

 

وصمت ثقيل سيطر على القاعة.

 

هشام كان أول من تكلم.

 

لكن لأول مرة…

 

صوته لم يكن واثقًا.

 

ـ “ده جزء من التسجيل.”

 

فؤاد رد فورًا:

 

ـ “فين الباقي؟”

 

هشام سكت.

 

ثانية.

 

ثانيتين.

 

ثم قال:

 

ـ “مش معايا.”

 

مختار ابتسم لأول مرة.

 

وقال:

 

ـ “وأنا معايا.”

 

التفت الجميع إليه.

 

حتى هشام.

 

مختار أخرج مفتاحًا صغيرًا من جيبه.

 

ثم نظر إليّ.

 

وقال:

 

ـ “الوقت جه.”

 

ـ “تعالى معايا يا محمود.”

 

—

 

بعد ساعة.

 

كنا واقفين أمام منزل قديم جدًا في حي مصر الجديدة.

 

منزل مهجور.

 

مغلق من عشرات السنين.

 

مختار فتح الباب بنفسه.

 

ودخل.

 

الغبار كان في كل مكان.

 

والأثاث مغطى بأقمشة بيضاء.

 

لكن واضح إن المكان كان فاخرًا يومًا ما.

 

قلت:

 

ـ “ده بيت مين؟”

 

مختار رد:

 

ـ “بيت أمك.”

 

تجمدت مكاني.

 

ـ “أمي؟”

 

هز رأسه.

 

وبدت في عينيه دمعة سريعة.

 

ثم قال:

 

ـ “أمك ماتت وهي بتحاول تحميك.”

 

حسيت أنفاسي تختنق.

 

لكن قبل ما أسأل أي سؤال…

 

اتجه إلى غرفة صغيرة.

 

فتح خزانة قديمة.

 

ثم رفع لوحًا خشبيًا من الأرض.

 

وتحته ظهر صندوق حديدي.

 

فتح الصندوق.

 

وأخرج جهاز تسجيل قديم.

 

وشريط فيديو.

 

وقال:

 

ـ “هنا الحقيقة كلها.”

 

—

 

رجعنا الفيلا.

 

واجتمع الجميع.

 

ليلى.

 

كريم.

 

فؤاد.

 

وأعضاء مجلس الإدارة الأساسيون.

 

حتى هشام كان موجودًا.

 

رغم أنه بدا متوترًا لأول مرة.

 

وضع مختار الشريط.

 

وبدأ التسجيل.

 

ظهر عبد الرحمن مجددًا.

 

لكن هذه المرة…

 

كان أكثر هدوءًا.

 

وقال:

 

“لو أنتم شايفين الجزء ده…”

 

“يبقى اللي كنت خايف منه حصل فعلًا.”

 

ثم نظر للكاميرا مباشرة.

 

وأكمل:

 

“أنا اكتشفت إن في شخص بيزور الحسابات.”

 

“وبيحوّل أموال بملايين الجنيهات.”

 

“ولما عرفت مين…”

 

“قررت أغير الوصية.”

 

الأوضة كلها أصبحت صامتة.

 

ثم قال عبد الرحمن:

 

“الشخص ده مش موظف.”

 

“ولا مدير.”

 

“ولا شريك.”

 

ثم ظهرت المرارة في عينيه.

 

وأضاف:

 

“الشخص ده من دمي.”

 

هشام شد على ذراع الكرسي بقوة.

 

أما مختار فكان يراقبه بصمت.

 

عبد الرحمن أكمل:

 

“لو مت قبل ما أكشفه…”

 

“يبقى أعرفوا إن اللي قت*لني هو نفسه اللي حاول يق*تل مختار.”

 

القلب بدأ يدق بعنف في صدري.

 

والقاعة كلها تنتظر الاسم.

 

ثم قال عبد الرحمن أخيرًا:

 

“الاسم هو…”

 

وفجأة انقطع التسجيل.

 

الشاشة أصبحت سوداء.

 

ثانية واحدة فقط.

 

لكنها كانت كافية لتصيب الجميع بالجنون.

 

فؤاد صرخ:

 

ـ “إيه ده؟!”

 

مختار أمسك الجهاز بسرعة.

 

حاول تشغيله.

 

لكن الشريط كان قد توقف.

 

جزء من المادة تالف.

 

وهنا…

 

بدأ هشام يضحك.

 

ضحكة عالية.

 

مجنونة.

 

ثم وقف.

 

وقال:

 

ـ “شوفتوا؟”

 

ـ “حتى بعد كل السنين…”

 

ـ “محدش عنده الحقيقة كاملة.”

 

لكن قبل أن يكمل…

 

رن هاتف كريم.

 

نظر للشاشة.

 

ثم شحب وجهه فجأة.

 

قلت:

 

ـ “في إيه؟”

 

رفع رأسه ببطء.

 

وقال:

 

ـ “المستشفى اتصلت.”

 

ليلى انتفضت من مكانها.

 

ـ “ابني!”

 

كريم رد بصوت مرتعش:

 

ـ “الطفل اختفى.”

 

الصمت ضرب المكان كالرصاصة.

 

ليلى وقفت وهي تصرخ.

 

ـ “إيه؟!”

 

أما أنا…

 

فأول ما نظرت إلى هشام…

 

وجدته يبتسم.

 

ابتسامة صغيرة جدًا.

 

لكنها كانت كافية لأفهم شيئًا واحدًا.

 

الحرب لم تكن على الشركات.

 

ولا على الميراث.

 

ولا على الوصية.

 

من البداية…

 

كانت على الطفل.

 

يتبع…

الفصل العاشر

 

ليلى صرخت صرخة هزت أرجاء الفيلا كلها.

 

كانت لسه خارجة من الولادة من يومين.

 

جسمها منهك.

 

وجرحها ما التئمش.

 

لكن في اللحظة اللي سمعت فيها إن ابنها اختفى…

 

نسيت كل وجعها.

 

ونسيت نفسها.

 

ونسيت إنها بالكاد واقفة على رجليها.

 

ـ “ابني!”

 

الكلمة خرجت منها كأن قلبها بيتقطع.

 

كريم أمسكها قبل ما تقع.

 

أما أنا…

 

فكنت باصص لهشام.

 

الابتسامة الصغيرة اللي ظهرت على وشه اختفت بسرعة.

 

لكن بعد فوات الأوان.

 

أنا شفتها.

 

وفؤاد شافها.

 

ومختار شافها.

 

هشام انتبه لنظراتنا.

 

فقال فورًا:

 

ـ “بصوا لي كده ليه؟”

 

فؤاد رد ببرود:

 

ـ “عشان أول واحد خطر في بالنا.”

 

ضحك هشام.

 

ـ “والدليل؟”

 

محدش رد.

 

لأن الحقيقة المؤلمة…

 

إننا فعلًا ما كانش عندنا دليل.

 

—

 

بعد أقل من عشر دقائق.

 

كنا في طريقنا للمستشفى.

 

ليلى كانت تبكي طول الطريق.

 

وكريم ساكت.

 

ساكت بشكل مخيف.

 

أما مختار…

 

فكان باصص من الشباك.

 

وعينيه مليانة أفكار محدش يعرفها.

 

وصلنا المستشفى.

 

والمكان كله كان مقلوب.

 

شرطة.

 

أمن.

 

إدارة.

 

تحقيقات.

 

كاميرات مراجعة.

 

وأطباء مرعوبين.

 

مدير المستشفى بنفسه كان واقف عند الباب.

 

أول ما شاف ليلى.

 

قال:

 

ـ “إحنا آسفين.”

 

كريم مسكه من هدومه.

 

ـ “ابني فين؟”

 

الرجل ارتبك.

 

ـ “إحنا…”

 

ـ “مش عارفين.”

 

الهدوء اللي كان على وش كريم اختفى.

 

وفجأة لكمه بقوة.

 

وقع المدير على الأرض.

 

ولولا تدخل الشرطة…

 

كان زمانه مات تحت إيده.

 

—

 

بدأنا نراجع الكاميرات.

 

دقيقة بدقيقة.

 

ساعة بساعة.

 

لحد ما وصلنا للحظة المهمة.

 

الساعة ٣:١٧ فجرًا.

 

ظهرت ممرضة تدخل غرفة الطفل.

 

عادي.

 

مفيش حاجة غريبة.

 

لكن بعدها بدقيقتين…

 

خرجت وهي شايلة الطفل.

 

فؤاد قال:

 

ـ “كبر الصورة.”

 

كبرناها.

 

وفجأة اتضح شيء مهم.

 

الممرضة دي…

 

مش ممرضة.

 

حد متنكر.

 

الزي مزور.

 

وبطاقة التعريف مزورة.

 

أما الوجه…

 

فكان مخفي بكمامة ونظارة.

 

لكن قبل ما يخرج من الكاميرا…

 

لف رأسه للحظة.

 

وهنا…

 

اتجمد مختار.

 

تمامًا.

 

قلت:

 

ـ “في إيه؟”

 

ما ردش.

 

بس فضل باصص للشاشة.

 

ثم همس:

 

ـ “مستحيل.”

 

فؤاد سأله:

 

ـ “تعرفه؟”

 

مختار بلع ريقه.

 

وقال:

 

ـ “أعرفه.”

 

ـ “وده أسوأ من هشام.”

 

الأوضة كلها سكتت.

 

ثم قال الاسم.

 

“سامي.”

 

ليلى عقدت حاجبيها.

 

ـ “مين سامي؟”

 

مختار قعد على الكرسي ببطء.

 

وكأنه فجأة كبر عشر سنين.

 

ثم قال:

 

ـ “ابني.”

 

الصمت انفجر.

 

أنا شهقت.

 

ـ “إيه؟”

 

مختار رفع رأسه.

 

وعينيه مليانة ألم.

 

وقال:

 

ـ “أخويا.”

 

—

 

الأوضة كلها اتجمدت.

 

أنا بقيت أبص له.

 

ثم لفؤاد.

 

ثم لليلى.

 

كأن دماغي رافضة تستوعب.

 

مختار قال بصوت مكسور:

 

ـ “قبل ما أتجوز أمك بسنين…”

 

ـ “كان عندي ابن.”

 

ـ “سامي.”

 

سكت لحظة.

 

ثم أكمل:

 

ـ “بعد اختفائي…”

 

ـ “الولد اتربى لوحده.”

 

ـ “وافتكر إن العيلة كلها خانته.”

 

ـ “وإن عبد الرحمن سرق حقه.”

 

ـ “وإن أنا موت.”

 

كريم قال:

 

ـ “يعني سامي ابنك…”

 

ـ “وأخو محمود؟”

 

مختار هز رأسه.

 

ـ “أيوة.”

 

ـ “أخوه غير الشقيق.”

 

شعرت بدوار.

 

كل شوية أكتشف عيلة جديدة.

 

وسر جديد.

 

وماضي جديد.

 

لكن السؤال الأهم خرج من ليلى.

 

ـ “ليه يخطف طفل رضيع؟”

 

وهنا…

 

اتغير وجه مختار.

 

وقال جملة خلت الدم يتجمد في عروقنا.

 

ـ “عشان الطفل مش مجرد طفل.”

 

—

 

رجعنا جميعًا إليه.

 

قال:

 

ـ “في حاجة كنت فاكر إنها ماتت مع الزمن.”

 

ـ “لكن واضح إنها رجعت.”

 

فؤاد سأله:

 

ـ “اتكلم بصراحة.”

 

مختار فتح ملفًا قديمًا.

 

كان محتفظًا به داخل حقيبته.

 

وأخرج منه صورة.

 

صورة قديمة جدًا.

 

لرجل عجوز.

 

وقال:

 

ـ “ده جد عبد الرحمن.”

 

ثم أخرج ورقة صفراء.

 

وأضاف:

 

ـ “ودي وثيقة العيلة الأصلية.”

 

بدأ فؤاد يقرأ.

 

وفجأة تغير وجهه.

 

قال:

 

ـ “يا إلهي…”

 

ليلى صرخت:

 

ـ “حد يفهمني!”

 

فؤاد رفع رأسه.

 

وقال:

 

ـ “الوثيقة بتقول إن السيطرة على مجموعة الشاذلي ما تنتقلش بالوصية فقط.”

 

سكت.

 

ثم أكمل:

 

ـ “في شرط قديم.”

 

ـ “إن الوريث الرئيسي لازم يكون من نسل مباشر محدد.”

 

ليلى قالت:

 

ـ “وإيه علاقة ابني؟”

 

نظر إليها فؤاد.

 

ثم قال:

 

ـ “لأن ابنك هو آخر شخص حي تنطبق عليه الشروط بالكامل.”

 

الصمت نزل كالصاعقة.

 

أما مختار…

 

فأغمض عينيه.

 

وقال:

 

ـ “وده السبب الحقيقي.”

 

ـ “مش الثروة.”

 

ـ “ولا الشركات.”

 

ـ “ولا الميراث.”

 

ـ “الطفل ده لو كبر…”

 

ـ “كل الناس التانية هتخسر حقها.”

 

في اللحظة نفسها…

 

وصلت رسالة إلى هاتف ليلى.

 

رقم مجهول.

 

فتحتها.

 

وكان فيها صورة جديدة.

 

الطفل.

 

حي.

 

ملفوف في بطانية زرقاء.

 

ونائم بهدوء.

 

وتحت الصورة جملة واحدة:

 

“لو عايزين تشوفوه تاني… هاتوا لي النسخة الأصلية من الوصية.”

 

رفعت ليلى الهاتف بيد مرتعشة.

 

أما مختار…

 

فهمس بجملة أخافتني أكثر من أي شيء سمعته قبل كده:

 

ـ “سامي مش بيشتغل لوحده.”

 

رفعت رأسي.

 

ـ “تقصد إيه؟”

 

نظر نحوي مباشرة.

 

وقال:

 

ـ “الراجل اللي خطط لكل ده من البداية…”

 

ـ “لسه ما ظهرش.”

 

يتبع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *