المديرة التنفيذية العظمي حكايات أسما _2
الخبر نزل الساعة ٩ الصبح.
وفي أقل من ساعة… تليفون كريم ماوقفش رن.
شركاء. صحفيين. رجال أعمال. ناس من البورصة. أصحاب عمره.
الكل بيسأل نفس السؤال:
“إيه اللي حصل؟”
لكن كريم نفسه ماكنش فاهم كل حاجة حصلت إمتى.
كان قاعد في مكتبه في البيت، لابس نفس هدوم امبارح، وعينيه حمرا من السهر والعصبية.
وأنا؟
كنت في الشركة.
أول مرة أدخل المبنى وأنا حاسة إنه بتاعي فعلًا.
السكرتيرة قامت أول ما شافتني.
“صباح الخير يا فندم.”
ابتسمتلها بهدوء ودخلت مكتبي.
الهدوء هناك كان غريب.
كأن المكان نفسه مستني الانفجار.
بعد عشر دقايق… الباب خبط.
“اتفضلي.”
نادين دخلت.
وشها كان شاحب جدًا. عينيها وارمة من العياط. ومافيش نقطة ميكب واحدة.
لكن الغريب؟
إنها كانت هادية.
الهدوء اللي بييجي بعد الصدمة الكبيرة.
قفلت الباب ووقفت قدامي.
ثواني طويلة عدت بدون كلام.
بعدين قالت:
“هو عرف.”
هزيت راسي بهدوء.
“واضح.”
قعدت قدامي ببطء وقالت:
“سابلي أكتر من ٤٧ مكالمة.”
سكتت شوية… وبعدين ضحكت ضحكة مكسورة.
“تخيلي؟ أول مرة يخاف يخسرني… لما عرف إن فيه طفل.”
كنت ببصلها بصمت.
وفجأة سألتني:
“إنتي كنتي تعرفي إنه ممكن يعمل فيا كده؟”
جاوبتها بصراحة:
“آه.”
دموعها لمعت في عينيها.
“ليه ماحذرتينيش؟”
سكت ثواني.
السؤال كان موجع.
لأن الحقيقة؟ إني فعلًا كنت أقدر.
كنت أقدر أقولها من أول يوم:
اهربي.
لكن وقتها… كنت لسه مجروحة.
ويمكن جزء مني كان عايزها تشوف الحقيقة بنفسها.
قلت بهدوء:
“لأنك ماكنتيش هتصدقي.”
نزلت عينيها للأرض.
لأنها عرفت إني عندي حق.
الحب بيخلي الست تشوف الراجل اللي نفسها يشوفه… مش حقيقته.
وفجأة قالت:
“أنا حامل فعلًا.”
هزيت راسي.
“حاسّة.”
ضحكت بمرارة.
“وأنا كنت فاكرة إنه هيفرح.”
بصتلها لأول مرة بنظرة مختلفة.
مش نظرة الزوجة للخاينة.
لا.
نظرة ست لست اتكسرت.
نادين خدت نفس طويل وقالت:
“أنا هسيبه.”
الكلمة خرجت منها ضعيفة… لكنها حقيقية.
لكن قبل ما أرد…
باب المكتب اتفتح بعنف.
وكريم دخل.
وشه كان مرعب.
غضب. توتر. ذل. خوف.
كل حاجة مرة واحدة.
السكرتيرة كانت بتحاول تمنعه من بره:
“يا فندم مينفعش—”
“اطلعي بره.”
صوته كان حاد بشكل خلاني حتى أنا اتفاجئت.
السكرتيرة خرجت وقفلت الباب بسرعة.
كريم بص لنادين الأول.
“إنتي مجنونة؟”
نادين قامت وقفت فورًا.
“أيوه… مجنونة إني صدقتك.”
قرب منها بعصبية:
“إنتي قولتلها إيه؟!”
صرخت فيه:
“قولتلها إيه إنت؟!”
المكتب كله كان بيتنفس توتر.
كريم لف ناحيتي.
“إنتي مبسوطة؟”
كنت قاعدة بهدوء.
“جدا.”
قرب أكتر.
“إنتي دمرتي حياتي.”
ابتسمت.
“وأنت كنت بتعمل إيه في حياتي بقالك ١١ سنة؟”
ضرب المكتب بإيده بعنف.
“أنا غلطت!”
صرخت فيه لأول مرة:
“الخيانة مش غلطة لما تتكرر ألف مرة!”
سكت.
حتى نادين نفسها كانت باصة لي بصدمة.
لأن دي أول مرة صوتي يعلى.
أول مرة داليا السيوفي اللي الكل يعرفها هادية وباردة… تنفجر.
قومت وقفت قدامه مباشرة.
“إنت خدت شبابي كله يا كريم.”
كان بيبصلي كأنه أول مرة يشوفني.
قلت ودموعي بتنزل أخيرًا:
“أنا كنت بصحى كل ليلة أتخيلك مع واحدة غيري… وأرجع أضحك قدام عيالي الصبح.”
نادين بدأت تعيط.
لكن أنا ماوقفتش.
“كنت باخد مهدئات عشان أعرف أنام… وإنت كل يوم ترجعلي بعطر ست تانية.”
كريم همس:
“داليا—”
“اسكت.”
المرة دي هو اللي سكت فعلًا.
قلت بصوت مكسور:
“إنت قتلتني حتة حتة.”
ولأول مرة… كريم ماعرفش يدافع عن نفسه.
لأن الحقيقة لما تبقى كاملة… مافيش كدب ينفع.
نادين مسحت دموعها وقالت فجأة:
“أنا نازلة.”
كريم مسك إيدها بسرعة.
“نادين استني.”
بصت لإيده اللي ماسكاها… وبعدين رفعت عينيها ليه.
“إنت عمرك حبيتني؟”
سؤال بسيط.
لكن إجابته كانت أصعب من أي فضيحة.
كريم اتأخر.
ثانية واحدة بس.
لكن الثانية دي كانت كفاية.
نادين سحبت إيدها ببطء.
وعرفت.
كلنا عرفنا.
هي مجرد محطة.
زي غيرها.
خرجت من المكتب بدون كلمة.
وكريم فضل واقف مكانه.
بعدين بصلي وقال بصوت منخفض:
“إنتي كسبتي.”
هزيت راسي.
“لا.”
قربت من الشباك وبصيت على القاهرة تحتنا.
العربيات. الزحمة. الناس اللي ماشية ومش عارفة إن حياة كاملة بتنهار فوق في الدور الـ١٤.
وقلت بهدوء:
“إحنا الاتنين خسرنا.”
بعد يومين…
الفضايح بدأت تطلع واحدة واحدة.
مش لأننا اتكلمنا.
لكن لأن رجال الأعمال بيشمّوا الدم بسرعة.
مجلس الإدارة عرف إن كريم اتشال.
البنوك بدأت تسأل.
شركاء انسحبوا.
وواحدة من الجرائد الاقتصادية كتبت مقال كامل بعنوان:
“هل انتهى عصر كريم السيوفي؟”
وقتها لأول مرة… كريم بدأ يخاف بجد.
رجع البيت متأخر.
لقيتني قاعدة في الجنينة برا.
وقف يبصلي شوية… وبعدين قعد قدامي.
كان شكله مرهق جدًا.
قال بهدوء غريب:
“هما بيبعدوا عني.”
ما رديتش.
“كل الناس.”
برضه سكت.
ضحك ضحكة صغيرة مكسورة.
“غريبة الدنيا.”
بصيتله أخيرًا.
“ليه؟”
“عشان طول عمري كنت فاكر إن الناس بتحبني.”
قلت بهدوء:
“الناس بتحب مصلحتها.”
سكت.
بعدين قال:
“حتى إنتي؟”
السؤال وجعني أكتر ما توقعت.
لأن رغم كل حاجة…
أنا فعلًا كنت بحبه يوم.
حب كبير.
حب غبي.
لكن حقيقي.
قلت بصراحة:
“أنا حبيتك أكتر من نفسي.”
عينيه لمعت.
لكن فات الأوان.
دايمًا الإدراك بييجي متأخر.
قال بصوت واطي:
“أنا كنت فاكر إنك عمرك ما هتمشي.”
ضحكت بمرارة.
“وأنت عمرك ما خفت تخسرني.”
سكت.
بعدين همس:
“دلوقتي خايف.”
أول مرة يقول الحقيقة.
لكن المشكلة إن بعض الحقايق لما تتقال… بتبقى بلا قيمة.
قلت:
“متأخر.”
وفجأة سأل:
“هتطلبي الطلاق؟”
بصيتله طويل.
الراجل اللي شاركني ١٤ سنة.
أبو عيالي.
أكبر وجع في حياتي.
وأكبر درس.
قلت بهدوء:
“أنا بالفعل رفعت القضية.”
وشه وقع.
واضح إنه كان لسه عنده أمل إني أتراجع.
لكن خلاص.
في حاجة جوايا ماتت.
والموت ده مابيرجعش.
قام وقف ببطء.
ولما لف عشان يمشي… وقف فجأة وقال:
“نادين نزلت البيبي.”
الكلمة ضربتني للحظة.
رغم كل حاجة… قلبي وجعني عليها.
“إمتى؟”
“الصبح.”
سكتنا.
وجع جديد فوق وجع قديم.
وقال بصوت مخنوق:
“هي بعتتلي رسالة.”
طلع موبايله… ووراهالي.
“إنت أخدت مني كل حاجة حتى نفسي.”
نادين كانت انتهت.
وأنا فجأة حسيت بتعب عمر كامل.
قلت بهدوء:
“سيبها في حالها.”
بصلي بحزن لأول مرة حقيقي.
“إنتي شايفاني وحش أوي كده؟”
ماعرفتش أرد بسرعة.
لأن الحقيقة؟
آه.
لكن الحقيقة الأكبر… إنه ماكانش وحش من البداية.
كان إنسان ضعيف.
أناني.
جعان للإعجاب.
والنوع ده بيدمر أي حد يقربله.
قلت:
“أنت محتاج تواجه نفسك لأول مرة.”
نزل عينيه.
وبعدين طلع فوق من غير كلمة.
وأنا فضلت قاعدة لوحدي.
لحد ما موبايلي رن.
رقم غريب.
رديت.
صوت ست كبيرة جه من الناحية التانية:
“أستاذة داليا؟”
“أيوه.”
“أنا والدة نادين.”
اتنفست ببطء.
“خير؟”
الست كانت بتعيط.
“بنتي منهارة… ومش عايزة تشوف حد.”
قلبي اتقبض.
رغم كل حاجة.
رغم الخيانة.
رغم الوجع.
لسه فيه جزء جوايا شايفها ضحية.
قالت الأم برجاء:
“هي محتاجة تسمع منك كلمة واحدة.”
سكت.
“كلمة إنها مش شريرة.”
قفلت عيني للحظة.
وافتكرت أول مرة نادين دخلت الشركة.
كانت واثقة. قوية. ناجحة.
دلوقتي؟
بقت حطام.
بسبب نفس الراجل اللي كسرني.
قلت بهدوء:
“ابعتيلي العنوان.”
شقة نادين كانت هادية جدًا.
ريحة الدوا مالية المكان.
أمها فتحتلي الباب وعينيها كلها خوف.
“اتفضلي.”
دخلت.
ولقيتها قاعدة على الكنبة.
لابسة بيجامة واسعة.
وشها أصفر.
وعينيها فاضية.
أول ما شافتني… قامت بسرعة وكأنها محرجة من نفسها.
“أنا آسفة.”
الجملة خرجت منها فورًا.
يمكن للمرة الألف.
لكن المرة دي كانت طالعة من قلبها فعلًا.
قربتلها بهدوء.
ولأول مرة من يوم ما عرفتها…
حضنتها.
هي نفسها اتصدمت.
لكن أول ما لمستني… انهارت.
عيطت بشكل مرعب.
كأنها كانت مستنية حد يسمح لها تقع.
قالت وسط شهقاتها:
“أنا كنت فاكرة إنه اختارني.”
غمضت عيني.
لأن الجملة دي… كنت قلتها لنفسي زمان.
ربتّ على ضهرها بهدوء وقلت:
“الراجل اللي يخون واحدة… عمره ما يعرف يختار حد.”
فضلت تعيط.
وأنا لأول مرة… حسيت إن الانتقام خلص.
مافيش نشوة.
مافيش فرحة.
بس تعب.
تعب سنين كاملة.
وبعدين نادين رفعت عينيها الحمرا وقالت:
“إنتي قوية أوي.”
ابتسمت بحزن.
“لا… أنا بس اتكسرت بدري عنك.”
يتبع اوعي تروح في حته…
