مقعد طائره حكايات اسما الاخيره
الفصل الحادي عشر
“هالة؟!”
خرج الاسم من فم سيف وكأنه رأى شبحًا.
أما أنا فحدقت في المرأة الواقفة أمام القصر دون أن أفهم.
لكن رد فعل سيف كان كافيًا ليخبرني أن هذه ليست امرأة عادية.
أبدًا.
تقدمت المرأة ببطء.
ملامحها هادئة.
هادئة بشكل مستفز.
وكأنها لا تقف وسط كارثة.
ولا وسط عملية خطف.
ولا أمام رجال أمن.
توقفت على بعد أمتار قليلة.
ثم ابتسمت.
ابتسامة صغيرة وغامضة.
وقالت:
“مساء الخير يا سيف.”
ظل سيف ينظر إليها بعدم تصديق.
“إنتِ…”
ثم صمت.
وكأنه لا يعرف من أين يبدأ.
أما جدي فاقترب خطوة.
“مين دي؟”
لكنني كنت أنظر إلى سيف.
لأن وجهه كان يحكي قصة كاملة.
قصة لم أعرف عنها شيئًا.
قالت المرأة بهدوء:
“واضح إنك لسه فاكرني.”
أجاب بصوت أجش:
“إنتِ كنتِ في أوروبا.”
“كنت.”
“وقيل إنك اختفيتي.”
ابتسمت.
“ناس كتير اختفت في الحكاية دي.”
شعرت بانقباض في معدتي.
ثم سألت مباشرة:
“مين حضرتك؟”
التفتت نحوي.
ونظرت إليّ طويلًا.
طويلًا جدًا.
وكأنها تدرس وجهي.
ثم قالت:
“أنا أكتر شخص كان المفروض تعرفيه.”
لم يعجبني جوابها.
أبدًا.
لكن قبل أن أتكلم…
سمعنا صوتًا صغيرًا.
صوت طفلة.
التفت الجميع نحو باب القصر.
وشعرت بدموعي تملأ عيني فورًا.
ياسمين.
كانت تركض نحونا.
سليمة.
دون إصابة واحدة.
ودون دمعة واحدة.
صرخت:
“مامااااا!”
وركضت بكل قوتها.
لم أشعر بنفسي إلا وأنا أركع على الأرض وأضمها بقوة.
بقوة جعلتها تضحك.
وتقول:
“ماما مش قادرة أتنفس.”
بدأت أبكي.
وأضحك.
وأقبل رأسها ووجنتيها.
أما يوسف وآدم فاندفعا نحوها أيضًا.
وأصبح الأطفال الثلاثة كتلة واحدة من الضحك والبكاء.
للحظة…
نسيت كل شيء.
لكن تلك اللحظة لم تدم.
لأن سيف كان لا يزال ينظر إلى هالة.
ثم قال ببطء:
“فين مروان؟”
اختفت الابتسامة من وجهها.
وأجابت:
“في الداخل.”
“عايز إيه؟”
تنهدت.
ثم قالت:
“الحقيقة.”
ضحك سيف بمرارة.
“بعد كل اللي عمله؟”
قالت:
“بعد كل اللي اتعمل فيه.”
ساد الصمت.
أما أنا فشعرت أن الأمور تزداد غموضًا.
قلت:
“حد يفهمني إيه اللي بيحصل؟”
نظرت هالة إليّ.
ثم إلى الأطفال.
ثم عادت تنظر إلى سيف.
وقالت الجملة التي غيرت كل شيء:
“لأن مروان مش الشخص الوحيد اللي كان بيخبي أسرار.”
تجمد سيف.
أما أنا فشعرت بأن قلبي بدأ ينبض بعنف.
ثم أخرجت هالة ملفًا أزرق من حقيبتها.
ورفعته أمامنا.
“كل الإجابات هنا.”
مد سيف يده.
لكنها سحبت الملف للخلف.
“مش قبل ما تسمعوا الحقيقة كاملة.”
“أي حقيقة؟”
سأل جدي.
أغمضت هالة عينيها للحظة.
وكأنها تستجمع شجاعة ظلت تبحث عنها سنوات.
ثم فتحت الملف.
وأخرجت صورة قديمة.
صورة عمرها أكثر من ست سنوات.
صورة تجمع أربعة أشخاص.
سيف.
مروان.
هالة.
وشخص رابع.
شخص جعل الدم يتجمد في عروقي لحظة رأيته.
لأن ذلك الشخص…
كان والدي الراحل.
الشاذلي.
الرجل الذي دفنته بيدي قبل ثلاث سنوات.
سقطت الصورة من يدي.
وتراجعت خطوة للخلف.
أما هالة فنظرت إليّ مباشرة.
وقالت بهدوء:
“قبل ما تعرفي مين دمر حياتك…”
“لازم تعرفي إن أبوكي ما كانش بريئًا زي ما كنتِ فاكرة.”
يتبع…
الفصل الثاني عشر
“كذابة!”
خرجت الكلمة مني بعنف قبل أن أشعر.
انتزعت الصورة من يد هالة.
وحدقت فيها مرة أخرى.
ومرة ثالثة.
لكنها لم تتغير.
كانت صورة حقيقية.
أبي.
يقف بجوار سيف ومروان وهالة.
ويبتسم للكاميرا وكأنهم أصدقاء قدامى.
شعرت بالدوار.
“أبويا ما كانش يعرفكم.”
قالتها شفتاي.
لكن قلبي لم يكن واثقًا كما كنت أتمنى.
لأن هناك شيئًا غريبًا.
شيئًا لم أنتبه له من قبل.
سيف نفسه كان مصدومًا.
قال:
“أنا عمري ما شفت الصورة دي.”
أجابت هالة:
“طبعًا.”
“ليه؟”
“لأن الصورة اتخبت.”
ساد الصمت.
ثم أخرجت ورقة قديمة من الملف.
ووضعتها أمامنا.
كانت نسخة من عقد شراكة.
تاريخها يعود إلى سبع سنوات.
قبل زواجي من سيف بعام كامل.
بدأت أقرأ.
وفي كل سطر كنت أشعر بأن الأرض تهتز تحت قدمي.
اسم أبي.
اسم مروان.
اسم شركة لم أسمع بها من قبل.
وأرقام بملايين الجنيهات.
همس جدي:
“يا ساتر يا رب.”
أما سيف فكان يقرأ بسرعة.
ثم رفع رأسه فجأة.
“المشروع ده.”
نظرت إليه.
“ماله؟”
أجاب بصوت مشدود:
“ده نفس المشروع اللي انهارت بسببه شركة الطاقة المنافسة زمان.”
شعرت بقشعريرة باردة.
كنت أتذكر تلك القضية.
كانت فضيحة كبيرة.
شركات أغلقت.
ومستثمرون خسروا ثروات.
لكن اسم أبي لم يظهر يومها أبدًا.
قالت هالة:
“لأن حد شاله من الصورة.”
ثم أضافت:
“وحد تاني دفع الثمن.”
نظر سيف إليها.
“مين؟”
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم قالت:
“أبو مروان.”
تجمد الجميع.
أما أنا فلم أعد أفهم شيئًا.
جلست على أقرب مقعد وأنا أحتضن ياسمين بقوة.
وقالت هالة:
“من عشر سنين حصلت صفقة ضخمة.”
“صفقة غير قانونية.”
“وكان المفروض أربع أشخاص يتحاسبوا عليها.”
ثم أشارت إلى الصورة.
“لكن في النهاية شخص واحد اتحبس.”
“أبو مروان.”
بدأت الصورة تتضح ببطء.
لكنها كانت أسوأ مما تخيلت.
قالت هالة:
“أبو مروان مات في السجن بعدها بسنتين.”
وأكملت:
“ومن يومها مروان كان مقتنع إن في ناس سرقت حياة أبوه.”
نظرنا جميعًا إلى الصورة.
ثم إلى اسم أبي.
وشعرت بالغثيان.
قال سيف:
“إنتِ بتقولي إن كل اللي حصل كان انتقام؟”
هزت رأسها.
“في البداية آه.”
“وبعدين؟”
تنهدت.
“بعدين خرج الموضوع عن السيطرة.”
فجأة سمعنا صوت تصفيق بطيء.
تصفيق ساخر.
بارد.
ومخيف.
التفت الجميع نحو باب القصر.
وكان هناك شخص يقف في الظلام.
شخص عرفناه فورًا.
مروان.
خرج ببطء إلى الضوء.
ببدلته السوداء المعتادة.
وابتسامته الهادئة.
لكن عينيه كانتا مختلفتين.
متعبتين.
وحزينتين بشكل غريب.
نظر إلى هالة.
ثم إلى سيف.
ثم توقفت عيناه عندي.
وقال:
“أخيرًا… حد قال جزء من الحقيقة.”
قبض رجال الأمن على أسلحتهم.
لكن مروان لم يهتم.
بل تقدم أكثر.
وقال:
“المشكلة إنكم لسه ما عرفتوش الحقيقة كلها.”
صرخ سيف:
“خطف بنتي جزء من الحقيقة؟”
نظر مروان إلى ياسمين.
فإذا بالطفلة تلوح له بيدها الصغيرة.
“باي يا عمو مروان.”
ساد الصمت.
ثم قالت ياسمين بعفوية:
“هو ما خطفنيش.”
تجمد الجميع.
حتى أنا.
حتى سيف.
حتى جدي.
أما مروان فأغمض عينيه وكأنه يعرف أن هذه اللحظة ستأتي.
ثم قالت ياسمين الجملة التي قلبت كل شيء رأسًا على عقب:
“أنا اللي رحت معاه.”
يتبع…
الفصل الثالث عشر
“إيه؟”
خرجت الكلمة من أفواهنا جميعًا تقريبًا.
أما ياسمين فكانت تنظر إلينا باستغراب.
كأنها لا تفهم سبب الصدمة.
نزلت إلى مستواها بسرعة.
وأمسكت كتفيها برفق.
“يعني إيه يا حبيبتي؟”
ابتسمت الصغيرة.
“عمو مروان قالي إنه عايز يوريني الحصان الأبيض.”
شعرت بقلبي يهبط.
أما سيف فكان يحدق في مروان وكأنه على وشك الانفجار.
قالت ياسمين:
“وأنا قلتله ما ينفعش أمشي من غير إذن.”
ثم أشارت إلى هالة.
“فخالة هالة كلمتني وقالت إنها هتوديني وأرجع بسرعة.”
ساد صمت ثقيل.
التفت الجميع إلى هالة.
فأخفضت رأسها.
وقالت:
“أنا غلطت.”
صرخ سيف بغضب:
“غلطتي؟!”
“إنتوا خليتونا نعيش أسوأ ساعات في حياتنا!”
كانت عروق رقبته بارزة من شدة الغضب.
أما مروان فظل واقفًا في مكانه.
هادئًا بشكل غريب.
ثم قال:
“أنا ما كنتش ناوي أخطف حد.”
ضحك سيف بمرارة.
“أمال كنت ناوي تعمل إيه؟”
رفع مروان نظره إليه.
ولأول مرة اختفت الابتسامة من وجهه تمامًا.
وقال:
“كنت ناوي أقول الحقيقة.”
ساد الصمت.
ثم أضاف:
“الحقيقة اللي كان لازم تتقال من سنين.”
تقدمت خطوة للأمام.
“إيه الحقيقة؟”
نظر إليّ طويلًا.
طويلًا جدًا.
وكأن السنوات كلها تمر أمام عينيه.
ثم قال:
“أنا فعلًا حبيتك.”
شعرت بتوتر يسري في المكان.
لكنني لم أتكلم.
أما سيف فقبض يديه بقوة.
وأكمل مروان:
“لكن عمري ما لمستك.”
“ولا حاولت أفرق بينك وبين جوزك بالطريقة اللي اتقالت.”
عقد سيف حاجبيه.
“إذن الرسائل؟”
تنهد مروان.
ثم أشار إلى الملف.
“دي كانت بداية لعبة أكبر مني.”
رفع جدي رأسه.
“لعبة مين؟”
ساد صمت قصير.
ثم قال مروان:
“كريم الشاذلي.”
شعرت بأن الدم تجمد في عروقي.
أخي.
مرة أخرى.
عاد اسمه إلى الواجهة.
قال مروان:
“كريم كان غرقان في الديون.”
“وأبوكي كان بيحاول ينقذه.”
بدأت أنفاسي تتسارع.
أما مروان فأكمل:
“ولما عرف إن ليلى بقت شريكة أساسية في مشاريع سيف… شاف فرصة.”
“فرصة لإيه؟”
سأل سيف.
أجاب مروان:
“للسيطرة على جزء من ثروتك.”
ساد الصمت.
ثم أخرج مروان مجموعة أوراق من الملف.
وألقاها فوق الطاولة.
كانت تحويلات مالية.
عقود.
رسائل إلكترونية.
وأسماء شركات.
كلها تؤدي إلى شخص واحد.
كريم.
أخي الأكبر.
شعرت بالدوار.
“لا.”
همست بها.
لكن الأدلة كانت أمامي.
قال مروان:
“كريم كان بيسرب معلومات.”
“وكان بيجمع بيانات.”
“وكان محتاج إن جوازكم يقع.”
رفع سيف رأسه ببطء.
“عشان كده ظهرت الرسائل.”
هز مروان رأسه.
“أيوة.”
ثم أضاف:
“بس هو ما كانش يعرف إن الموضوع هيكبر بالشكل ده.”
ساد الصمت.
لكنني كنت أشعر أن هناك شيئًا ناقصًا.
شيئًا لا يزال مخفيًا.
وأدركت أن سيف شعر بالأمر نفسه.
لأنه نظر مباشرة إلى مروان وقال:
“لسه في حاجة.”
لم يجب مروان.
فكرر سيف:
“أنا عارف إن في حاجة أكبر.”
تنهد مروان طويلًا.
ثم جلس لأول مرة.
وكأنه يحمل فوق كتفيه وزن سنوات كاملة.
نظر إلى الأطفال الثلاثة.
ثم إلى ليلى.
ثم قال بهدوء:
“أيوة.”
“في حاجة أكبر.”
ارتفع نبضي.
أما هو فأخرج صورة قديمة جدًا من جيبه.
صورة باهتة الأطراف.
ووضعها أمامنا.
نظرت إليها.
وشعرت أن العالم توقف.
لأن الصورة كانت تجمع شخصين فقط.
والدي.
ووالدة سيف.
قبل أكثر من ثلاثين سنة.
وكانا يقفان أمام مأذون.
يرتديان ملابس زفاف.
تجمد سيف في مكانه.
أما أنا فلم أستطع حتى التنفس.
ثم قال مروان الجملة التي جعلت الجميع يحدق في الصورة بعدم تصديق:
“قبل ما تتجوزوا إنتوا الاتنين بسنين طويلة…”
“كان في جواز سري اتدفن.”
“وجوازكم كله اتبنى فوق سره.”
يتبع…
الفصل الرابع عشر
“إيه؟!”
نهض سيف من مكانه بعنف حتى سقط الكرسي خلفه.
أما أنا فكنت أحدق في الصورة غير قادرة على استيعاب ما أراه.
والدتي لم تكن في الصورة.
ووالدة سيف لم تكن مجرد فتاة تقف بجوار أبي.
بل كانت ترتدي فستان زفاف كامل.
قال سيف بصوت مخنوق:
“أمي عمرها ما قالت حاجة عن ده.”
أجاب مروان بهدوء:
“لأنها أخفت الموضوع طول عمرها.”
أمسك جدي الصورة بيد مرتجفة.
وظل ينظر إليها لثوانٍ طويلة.
ثم جلس ببطء.
وكأن السنوات عادت فجأة إلى وجهه.
نظرت إليه.
“حضرتك كنت تعرف؟”
أغمض عينيه.
ولم يجب فورًا.
وهنا فقط شعرت بالخوف الحقيقي.
لأن صمته كان إجابة.
رفعت صوتي:
“جدو!”
فتح عينيه أخيرًا.
وكان الحزن يملؤهما.
وقال:
“كنت أعرف إن في علاقة قديمة.”
“لكن ما كنتش أعرف إنهم اتجوزوا فعلًا.”
ساد الصمت.
أما سيف فبدا وكأنه فقد القدرة على الكلام.
قال مروان:
“الزواج استمر أقل من سنة.”
“وبعدين حصل انفصال.”
“وكل واحد راح في طريق.”
شعرت أن رأسي يؤلمني.
“وإيه علاقة ده بينا؟”
نظر مروان إليّ مباشرة.
ثم قال:
“لأن السر ما وقفش عند الجواز.”
ازدادت ضربات قلبي.
أما سيف فصار ينظر إليه بترقب مخيف.
أخرج مروان ورقة أخرى من الملف.
كانت شهادة ميلاد قديمة.
مطوية ومهترئة من كثرة الاستخدام.
وضعها أمامنا.
ثم قال:
“اقرأوا الاسم.”
انحنيت نحو الورقة.
وقرأت.
وفي اللحظة التالية شعرت بأن الأرض تميد بي.
لأن اسم الأب كان:
الشاذلي عبد الرحمن.
اسم والدي.
لكن اسم الطفل لم يكن سيف.
ولم يكن كريم.
ولم يكن أي اسم أعرفه.
همس سيف:
“مين ده؟”
رفع مروان عينيه ببطء.
وقال:
“ابنهم.”
توقف الزمن.
ابنهم؟
شعرت بياسمين تتمسك بيدي.
أما يوسف وآدم فكانا يراقبان الوجوه دون فهم.
قال سيف:
“أمي كان عندها ابن؟”
هز مروان رأسه.
“أيوة.”
“فينه؟”
ساد صمت طويل.
ثم قال:
“اختفى.”
نظرنا إليه جميعًا.
“اختفى إزاي؟”
تنهد مروان.
“بعد الانفصال بشهور قليلة.”
“ومن يومها كل طرف اعتقد إن الطفل مع الطرف التاني.”
اتسعت عيناي.
“مستحيل.”
لكن مروان أكمل:
“والموضوع اتقفل.”
“والسنين عدت.”
“وكل الناس دفنت الحكاية.”
ثم أشار إلى الملف.
“إلى أن بدأت أنا أدوّر.”
نظر إليه سيف بحدة.
“ليه؟”
أجاب:
“عشان أفهم سبب الكراهية القديمة.”
“وعشان أفهم ليه أبويا دخل السجن.”
“وليه ناس كتير كانت مستعدة تدمر ناس تانية.”
ثم أضاف:
“ولما وصلت للحقيقة…”
سكت فجأة.
“إيه الحقيقة؟”
سألتُه.
نظر إلينا واحدًا واحدًا.
ثم قال:
“الحقيقة إن الطفل ما ماتش.”
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
أما سيف فبدا وكأنه نسي حتى أن يتنفس.
قال مروان:
“الطفل كبر.”
“وعاش.”
“ووصل لمنصب كبير.”
“وكان قريب منكم أكتر مما تتخيلوا.”
ساد الصمت.
صمت مرعب.
ثم همس سيف:
“مين؟”
رفع مروان ملفًا أخيرًا.
ملفًا أحمر اللون.
وقال:
“الاسم موجود هنا.”
ثم نظر إلى الجميع وأضاف:
“ولما تعرفوه… هتفهموا إن كل اللي حصل خلال الخمس سنين اللي فاتوا كان جزء من سر بدأ من أكتر من ثلاثين سنة.”
وفي اللحظة نفسها…
دوّى صوت إطلاق نار من خارج القصر.
ثم تبعه صراخ أحد الحراس:
“انبطحوا!”
وتحطم زجاج النافذة الرئيسية بقوة.
لتبدأ الكارثة من جديد…
يتبع…
الفصل الخامس عشر
انفجر الزجاج في كل اتجاه.
وألقتني قوة الصدمة أرضًا وأنا أضم ياسمين إلى صدري.
صرخ الأطفال.
وتحرك رجال الأمن فورًا.
“انبطحوا!”
دوى صوت رصاصتين أخريين.
ثم عمّ المكان فوضى كاملة.
أمسك سيف بياسمين من جهة وأنا من الجهة الأخرى.
بينما اندفع جدي نحو يوسف وآدم.
أما مروان…
فلم يتحرك.
بقي واقفًا مكانه للحظة.
وكأنه يعرف بالضبط ما يحدث.
صرخ فيه سيف:
“انزل!”
لكن مروان كان ينظر نحو النافذة المحطمة.
وعيناه مليئتان بالصدمة.
صدمة حقيقية هذه المرة.
ثم همس:
“لا…”
نظر إليه سيف بغضب.
“إيه اللي لا؟”
التفت مروان نحوه فجأة.
وقال:
“مش رجالة تبعي.”
ساد الصمت للحظة.
ثم دوى إطلاق نار جديد.
هذه المرة من الجهة الخلفية للقصر.
أحد الحراس ركض إلى الداخل وهو يلهث.
“في مجموعة مسلحة دخلت الأرض الزراعية!”
اتسعت عينا سيف.
أما مروان فأصبح شاحبًا.
وقال:
“إذن عرفوا.”
أمسكه سيف من ياقة قميصه بعنف.
“مين؟!”
رد مروان بصوت متوتر:
“الناس اللي بيدوروا على الملف الأحمر.”
نظر الجميع إلى الملف الموضوع فوق الطاولة.
ذلك الملف الذي لم يُفتح بعد.
والذي يحتوي على اسم الشخص الغامض.
الطفل الذي اختفى قبل ثلاثين عامًا.
فجأة انطفأت الأنوار.
وغرق القصر كله في الظلام.
ارتفعت صرخات الأطفال.
واشتعلت أجهزة الإنذار.
ثم سُمع صوت رجل عبر مكبرات الصوت الخارجية.
صوت خشن وقاسٍ.
“سلّموا الملف.”
تجمد الجميع.
وعاد الصوت مرة أخرى:
“معاكم خمس دقايق.”
“بعدها هندخل ناخده بنفسنا.”
شعرت بقلبي يقفز داخل صدري.
أما سيف فكان ينظر إلى الملف الأحمر.
ثم إلى مروان.
ثم إلى النافذة المحطمة.
وقال:
“واضح إن في ناس مستعدة تقتل عشان السر ده.”
هز مروان رأسه ببطء.
وقال جملة جعلت الدم يتجمد في عروقنا جميعًا:
“مش عشان السر.”
“أومال عشان إيه؟”
سأل جدي.
ابتلع مروان ريقه.
ثم قال:
“عشان الشخص اللي اسمه مكتوب جوه الملف.”
ساد صمت ثقيل.
ثم تقدم سيف نحو الطاولة.
ووضع يده على الملف الأحمر.
لكن قبل أن يفتحه بثانية واحدة…
انفجر باب القصر الرئيسي بقوة هائلة.
ودخل رجال ملثمون إلى الداخل.
وفي اللحظة نفسها سقط الملف الأحمر من فوق الطاولة…
وانفتحت أول صفحة منه أمام الجميع.
لتظهر صورة كبيرة لشخص يعرفونه جميعًا.
شخص كان يقف بينهم طوال الوقت…
يتبع…الفصل الأخير
تجمد الجميع.
كانت الصفحة الأولى من الملف الأحمر مفتوحة على الأرض.
والصورة واضحة.
واضحة بشكل لا يترك مجالًا للشك.
نظر سيف.
ثم أنا.
ثم جدي.
ثم مروان.
وفي اللحظة نفسها خرجت الكلمة من أفواهنا جميعًا.
“جدو؟!”
كان الرجل الموجود في الصورة هو الدكتور فؤاد الشاذلي.
جدي.
الرجل الذي وقف بجانبي طوال السنوات الماضية.
الرجل الذي وثقت به أكثر من أي شخص آخر.
تراجع جدي خطوة إلى الخلف.
وأغلق عينيه.
وكأنه يعرف أن هذه اللحظة ستأتي يومًا ما.
أما الرجال الملثمون الذين اقتحموا القصر فتوقفوا فجأة.
وكأنهم هم أيضًا ينتظرون شيئًا واحدًا فقط.
الحقيقة.
قال سيف بصوت مخنوق:
“إيه ده؟”
فتح جدي عينيه ببطء.
ونظر إلينا جميعًا.
ثم قال:
“الحقيقة اللي هتسمعوها دلوقتي هتوجع الكل.”
ساد الصمت.
حتى الرجال المسلحون بقوا في أماكنهم.
ثم بدأ يتكلم.
منذ أكثر من ثلاثين عامًا.
كان والد ليلى ووالدة سيف متزوجين بالفعل.
وكان لهما طفل صغير.
لكن أثناء الصراعات المالية والعداوات القديمة حدثت كارثة.
اختُطف الطفل.
وظن كل طرف أن الطرف الآخر أخفاه.
وانهار الزواج.
وتفرقت العائلة.
لكن الحقيقة كانت مختلفة.
الطفل لم يختفِ.
أنا الذي أخذته.
شعرت بأن الأرض تميد بي.
أما سيف فبدا عاجزًا عن الكلام.
تابع جدي بصوت مكسور:
“أنقذته.”
“من مين؟”
سأل مروان.
أجاب:
“من رجال كانوا عايزين يقتلوه بسبب صراعات مالية بين العائلات.”
ثم أضاف:
“كنت طبيبًا وقتها… واعتقدت أن إخفاءه هو الطريقة الوحيدة لحمايته.”
ارتفعت أنفاسي.
“وعشت تكذب طول السنين دي؟”
أطرق رأسه.
“أيوة.”
ثم أشار إلى الصورة.
“ربيته بعيدًا عن الجميع.”
سأل سيف:
“مين هو؟”
ساد الصمت.
الصمت الذي انتظرناه طوال القصة.
ثم قال جدي أخيرًا:
“أنا.”
تجمد الجميع.
ثم أكمل:
“أنا الطفل.”
لم يفهم أحد.
حتى أكمل:
“الشاذلي عبد الرحمن لم يكن أبي الحقيقي.”
“أنا الطفل الذي اختفى.”
“تم تبنيّ وتغيير هويتي بالكامل.”
شعرت بالصدمة تضربني من جديد.
يعني أن جدي…
كان في الأصل الابن المفقود.
والد ليلى لم يكن والده الحقيقي.
ولا والدة سيف مجرد امرأة بعيدة.
بل كانت أمه.
أما سيف فجلس على أقرب مقعد.
غير قادر على استيعاب الحقيقة.
ثم ضحك فجأة.
ضحكة قصيرة مؤلمة.
وقال:
“يعني كل ده حصل بسبب سر واحد؟”
هز جدي رأسه.
“كله.”
نظر مروان إلى الأرض.
ثم قال:
“وأبويا دخل السجن بسبب ناس حاولت تدفن السر.”
ثم تنهد.
“وأنا قضيت عمري كله أنتقم من الأشخاص الغلط.”
ساد الصمت.
وأخيرًا أدرك الجميع أن سنوات الكراهية والشك والخيانة قامت فوق أكاذيب قديمة.
أما الرجال المسلحون…
فألقوا أسلحتهم.
لأن الشخص الذي أرسلهم كان أحد المستثمرين القدامى المرتبطين بالقضية.
وقد تم القبض عليه في الخارج بواسطة الشرطة التي كانت قد وصلت بالفعل.
وخلال الساعات التالية…
انكشفت الملفات.
وظهرت الأدلة.
وسقطت أسماء كبيرة.
وانتهت القضية التي استمرت أكثر من ثلاثين عامًا.
—
بعد ستة أشهر…
كانت الشمس تغمر حديقة منزل جديد على أطراف القاهرة.
يوسف وآدم يركضان خلف الكرة.
وياسمين تطعم حصانًا أبيض صغيرًا.
بينما كنت أجلس أراقبهم بابتسامة هادئة.
اقترب سيف وجلس بجواري.
مر وقت طويل منذ تلك الليلة.
وقت كافٍ للمصارحة.
والاعتذار.
والشفاء.
لم نعد الزوجين اللذين افترقا بسبب الشك.
ولم نعد الشخصين الغريبين اللذين التقيا في الطائرة.
أصبحنا أبًا وأمًا يحاولان بناء ما تهدم.
قال سيف وهو ينظر إلى الأطفال:
“عارفة أكتر حاجة ندمان عليها؟”
نظرت إليه.
فابتسم بحزن.
وقال:
“إني اخترت الشك بدل ما أختارك.”
أمسكت يده بهدوء.
ثم نظرت إلى الأطفال.
وابتسمت.
لأن الحياة لم تعد كما كانت.
لكنها أخيرًا أصبحت صادقة.
وفي تلك اللحظة ركضت ياسمين نحونا وهي تضحك.
وقفزت بيننا قائلة:
“يلا يا ماما… يلا يا بابا.”
نظرنا أنا وسيف إلى بعضنا.
ثم ضحكنا.
وأمسكنا بيديها معًا.
وسرنا نحو أطفالنا.
ونحو بداية جديدة.
النهاية.
