القميص الابيض حكايات اسما ×6
الفصل الثامن عشر: العدو الذي رفض السقوط
مرت ثلاثة أشهر.
لأول مرة منذ سنوات…
عرف قصر الحديدي معنى الهدوء.
هدوء حقيقي.
بلا شرطة.
ولا محامين.
ولا تهديدات.
ولا مكالمات في منتصف الليل.
حتى العاملون في القصر لاحظوا الفرق.
سيف أصبح يبتسم أكثر.
وليلى لم تعد تتحرك كأنها ضيفة مؤقتة.
أما مريم…
فبدأت تستعيد حياتها ببطء.
وابنتها الصغيرة أصبحت نجمة القصر بلا منازع.
الجميع يدللها.
والجميع يفسدها.
خصوصًا سيف.
الذي تحوّل في أشهر قليلة إلى شخص مختلف تمامًا معها.
—
في إحدى الأمسيات…
كان الجميع مجتمعين حول مائدة العشاء.
ضحكات.
أحاديث.
وحياة طبيعية أخيرًا.
ثم رن هاتف سيف.
نظر إلى الشاشة.
وتغيرت ملامحه فورًا.
لاحظت ليلى ذلك.
وقالت:
“في حاجة؟”
هز رأسه.
لكنها كانت تعرفه جيدًا الآن.
عرفت أنه يكذب.
—
بعد دقائق…
كان يقف وحده في مكتبه.
وأمامـه مدير الأمن.
الذي بدا متوترًا بشكل غير معتاد.
قال الرجل:
“أكدنا الخبر.”
شعر سيف بالبرودة تسري في جسده.
“مفيش أي شك؟”
“مفيش.”
ساد الصمت.
ثم قال مدير الأمن:
“داليا ظهرت.”
أغلق سيف عينيه.
ببطء.
كأنه كان يعرف أن هذا اليوم سيأتي.
لأن بعض الأشخاص لا يقبلون الهزيمة.
وداليا كانت واحدة منهم.
—
لكن المشكلة لم تكن في ظهورها.
بل في المكان الذي ظهرت فيه.
قال مدير الأمن:
“ظهرت في باريس.”
رفع سيف رأسه.
فأكمل الرجل:
“ومش لوحدها.”
“مع مين؟”
ابتلع ريقه.
ثم قال:
“مع سامح.”
ساد الصمت.
ثم أضاف:
“واضح إنهم شغالين مع بعض من الأول.”
شعر سيف بالغضب.
لكن هناك شيئًا آخر.
شيئًا أخطر.
قال مدير الأمن:
“وفي حاجة تانية.”
“إيه؟”
أخرج ملفًا.
ووضعه على المكتب.
ثم قال:
“بدأوا يشتروا أسهم في شركات مرتبطة بمجموعة الحديدي.”
عقد سيف حاجبيه.
ثم بدأ يفهم.
ببطء.
هم لا يريدون الانتقام فقط.
بل يريدون العودة.
إلى المال.
والنفوذ.
والإمبراطورية.
مرة أخرى.
—
في تلك الليلة…
أخبر ليلى بالحقيقة.
جلسا معًا في الحديقة.
كما اعتادا مؤخرًا.
ثم قال:
“في مشكلة.”
نظرت إليه.
وقالت فورًا:
“داليا.”
ابتسم رغم قلقه.
“بقيتي تعرفيني أوفر من اللازم.”
هزت رأسها.
“رجعت؟”
أومأ.
فساد الصمت.
ثم قالت:
“هتعمل إيه؟”
نظر إلى السماء.
ثم قال:
“أواجهها.”
ابتسمت.
وقالت:
“وأنا؟”
التفت إليها.
فوجدها تنظر إليه بنفس العناد الذي عرفه فيها منذ سنوات.
ثم قالت:
“ما تبصليش كده.”
“أنا مش هقعد أتفرج.”
ضحك.
رغم كل شيء.
ثم أمسك يدها.
وقال:
“عارف.”
—
بعد أسبوع…
وصلت الدعوة.
دعوة رسمية.
إلى مؤتمر اقتصادي ضخم في باريس.
وكانت المفاجأة…
أن الجهة المنظمة للمؤتمر كانت شركة جديدة.
تأسست قبل أشهر فقط.
والمديرة التنفيذية لها:
داليا مراد.
—
نظر سيف إلى الدعوة طويلًا.
ثم ابتسم.
ابتسامة لم تعجب ليلى إطلاقًا.
وقالت:
“الابتسامة دي معناها مصيبة.”
ضحك.
وقال:
“يمكن.”
“سيف.”
“همم؟”
“بلاش.”
نظر إليها.
ثم قال بهدوء:
“هي اللي بدأت.”
تنهدت.
لأنها عرفت أن القرار اتخذ بالفعل.
—
وفي صباح السفر…
وقف الاثنان في المطار.
لكن قبل صعود الطائرة بدقائق…
وصلت رسالة إلى هاتف ليلى.
رقم مجهول.
فتحتها.
ثم شحب وجهها بالكامل.
لاحظ سيف ذلك فورًا.
وقال:
“في إيه؟”
ناولته الهاتف.
نظر إلى الرسالة.
وتجمد.
لأنها لم تكن من داليا.
ولا من سامح.
بل من شخص يفترض أنه مات منذ سنوات.
شخص اختفى من القصة تمامًا.
لكن الرسالة كانت موقعة باسمه.
وتحتها جملة واحدة فقط:
“لو سافرتوا باريس… هتخسروا أكتر مما تتخيلوا.”
أما الاسم أسفل الرسالة…
فكان:
عبد الرحمن محمود.
والد ليلى.
يتبع…
الفصل التاسع عشر: الرسالة المستحيلة
ظل سيف يحدق في شاشة الهاتف.
ثانية.
ثم ثانية أخرى.
وكأن عقله يرفض قراءة الاسم.
أما ليلى…
فكانت تشعر أن قلبها يكاد يتوقف.
لأن الرسالة تحمل اسمًا واحدًا.
اسم والدها.
الرجل الذي دفنته بيديها.
الرجل الذي بكت عليه سنوات.
الرجل الذي قيل لها إنه مات.
همست:
“مستحيل.”
أخذ سيف الهاتف مرة أخرى.
وأعاد قراءة الرسالة.
ثم قال بهدوء:
“الاسم ممكن يتزور.”
نظرت إليه.
فأكمل:
“لكن الرسالة مش صدفة.”
ساد الصمت.
ثم قال:
“السؤال الحقيقي…”
وتوقف.
“…مين اللي بعتها؟”
—
بعد دقائق…
كانا داخل صالة كبار الزوار في المطار.
وأمامهما فريق الأمن الإلكتروني الخاص بالشركة.
تم تتبع الرقم.
وتحليل الرسالة.
وفحص مصدرها.
لكن النتائج كانت غريبة.
غريبة جدًا.
قال الخبير:
“الرسالة اتبعت من جهاز غير مسجل.”
“وده طبيعي.”
أومأ سيف.
فأكمل الرجل:
“لكن الغريب إن الجهاز اتفعل لأول مرة من عشر دقائق بس.”
شعرت ليلى بالتوتر.
ثم سألت:
“ومن فين؟”
نظر الخبير إلى الشاشة.
وشحب وجهه.
قال:
“من القاهرة.”
“فين بالضبط؟”
ضغط عدة أزرار.
ثم رفع رأسه.
وقال:
“من مقبرة الأسرة.”
ساد الصمت.
صمت كامل.
حتى سيف شعر بقشعريرة باردة.
أما ليلى…
فشعرت أن الدم اختفى من وجهها.
لأن المقبرة تضم قبر والدها.
—
بعد ساعة…
كانت الطائرة أقلعت بالفعل.
رغم الرسالة.
ورغم القلق.
ورغم كل شيء.
لأن سيف كان مقتنعًا أن العودة الآن خطأ.
أما ليلى…
فلم تكن مقتنعة بأي شيء.
كانت تنظر من النافذة فقط.
وتفكر في والدها.
ثم فجأة تذكرت شيئًا.
شيئًا صغيرًا جدًا.
لكنها لم تنتبه له وقتها.
التفتت إلى سيف بسرعة.
وقالت:
“الصندوق.”
نظر إليها باستغراب.
“أنهي صندوق؟”
“الصندوق اللي لقيناه في الفيلا.”
عقد حاجبيه.
فأكملت:
“كان فيه رسالة ناقصة.”
شعر سيف بالتوتر.
“إزاي؟”
قالت:
“آخر صفحة كانت مقطوعة.”
تجمد.
لأنه تذكر.
كانت هناك بالفعل صفحة ناقصة.
ولم يعرف أحد وقتها أين ذهبت.
—
وفي باريس…
كان شخص ما يراقب شاشة كبيرة داخل مكتب فاخر.
شاهد صورة سيف وليلى وهما يغادران المطار.
ثم ابتسم.
وأغلق الشاشة.
لم تكن داليا.
ولا سامح.
بل رجل لم يره أحد من قبل.
رجل تجاوز الستين.
شعره رمادي.
ويرتدي بدلة أنيقة جدًا.
نظر إلى مساعده.
وقال:
“وصلوا.”
أومأ المساعد.
فسأله:
“والرسالة؟”
ابتسم الرجل.
وقال:
“وصلت.”
“هيصدقوها؟”
ضحك بخفة.
ثم قال:
“مش مهم.”
“المهم إنهم بدأوا يسألوا الأسئلة الصح.”
—
في اليوم التالي…
دخل سيف المؤتمر الاقتصادي.
تحيط به الكاميرات.
ورجال الأعمال.
والصحافة.
أما ليلى فكانت بجواره.
لأول مرة.
ليس كموظفة.
ولا كخادمة.
بل كشريكته أمام الجميع.
وهو أمر أزعج أشخاصًا كثيرين.
خصوصًا امرأة واحدة.
كانت تقف في نهاية القاعة.
بفستان أسود أنيق.
وعينين مليئتين بالحقد.
داليا مراد.
—
التقت أعين داليا بليلى.
ثم ابتسمت.
ابتسامة جعلت ليلى تشعر بالقلق فورًا.
وقالت بصوت منخفض:
“هي مش خايفة.”
التفت سيف نحو داليا.
ثم قال:
“لأن عندها حاجة مخبياها.”
أومأت ليلى.
لأنها شعرت بذلك أيضًا.
لكنها لم تكن تعرف أن المفاجأة الحقيقية لم تأتِ بعد.
لأن المؤتمر لم يبدأ أصلًا.
وفجأة…
ظهرت صورة ضخمة على الشاشة الرئيسية.
كان من المفترض أن تعرض بيانات اقتصادية.
لكن بدلًا من ذلك…
ظهرت صورة قديمة.
صورة لرجل.
شحب وجه ليلى فورًا.
وتوقفت أنفاسها.
لأن الرجل الموجود على الشاشة كان والدها.
عبد الرحمن محمود.
ثم ظهرت جملة واحدة أسفل الصورة:
“الحقيقة التي دفنت منذ عشرين عامًا ستُكشف الليلة.”
وتحولت القاعة كلها إلى حالة من الذهول.
أما داليا…
فاختفت ابتسامتها لأول مرة.
وكأن هناك شخصًا آخر دخل اللعبة.
شخص لا تسيطر عليه.
وشخص يعرف أسرارًا أخطر منها بكثير.
يتبع…الفصل العشرون: الرجل الذي دخل اللعبة متأخرًا
تحولت القاعة إلى فوضى خلال ثوانٍ.
الصحفيون وقفوا.
رجال الأعمال تبادلوا النظرات.
والكاميرات بدأت تصور كل شيء.
أما سيف…
فكان ينظر إلى الشاشة فقط.
ثم إلى داليا.
ثم عاد إلى الشاشة.
لأن شيئًا واحدًا أصبح واضحًا.
هذا لم يكن من فعلها.
لاحظ ذلك من وجهها.
من الصدمة الحقيقية التي ظهرت في عينيها.
لأول مرة منذ عرفها.
كانت مرتبكة.
—
ثم انطفأت الشاشة.
وساد الصمت.
لكن بعد ثوانٍ…
ظهر فيديو.
قديم.
مهتز.
وكأنه صُوِّر بكاميرا منزلية منذ سنوات.
ظهر رجل يجلس خلف مكتب خشبي.
شعره أسود.
وعيناه حادتان.
وفي اللحظة التي ظهر فيها وجهه بالكامل…
شهقت ليلى.
لأن الرجل كان والدها.
عبد الرحمن محمود.
حيًا.
على الأقل داخل التسجيل.
—
بدأ الفيديو يعمل.
وقال الرجل:
“إذا كنتم تشاهدون هذا التسجيل…”
“فهذا يعني إن خطتي الأخيرة نجحت.”
ساد الصمت في القاعة.
حتى الصحفيون توقفوا عن الكلام.
ثم أكمل:
“اسمي عبد الرحمن محمود.”
“ولو وصلت الرسالة دي للناس…”
“يبقى الحقيقة أخيرًا خرجت للنور.”
شعرت ليلى بالدموع تملأ عينيها.
كانت تسمع صوت والدها لأول مرة منذ أكثر من عشر سنوات.
صوته الحقيقي.
ضحكته الخفيفة.
طريقته في الكلام.
كل شيء.
—
ثم قال:
“أنا ما سرقتش.”
“وما هربتش.”
“وما خنتش حد.”
التفتت الأنظار كلها نحو داليا.
لكنها بقيت صامتة.
متجمدة.
ثم أكمل الرجل:
“في ناس بنت إمبراطوريات كاملة على الكذب.”
“وفي ناس اختفت.”
“واتسجنت.”
“وماتت.”
“عشان الكذبة دي تفضل عايشة.”
شعر سيف أن الصورة بدأت تكتمل.
لكن ليس بالكامل.
بعد.
—
ثم ظهرت أسماء على الشاشة.
عشرات الأسماء.
شركات.
حسابات.
عقود.
مستندات.
كلها موثقة.
وكلها حقيقية.
وفجأة…
ظهر اسم داليا مراد.
وسط القائمة.
شحب وجهها بالكامل.
أما الصحفيون…
فبدأوا يلتقطون الصور بجنون.
—
لكن المفاجأة الأكبر جاءت بعدها.
لأن عبد الرحمن قال:
“لكن داليا مش البداية.”
ساد الصمت.
ثم أكمل:
“ولا النهاية.”
شعر سيف بقشعريرة باردة.
لأن هذه الجملة تعني شيئًا واحدًا.
هناك شخص أكبر.
شخص لم يظهر بعد.
—
ثم ظهرت صورة جديدة.
على الشاشة.
صورة لرجل رمادي الشعر.
رجل في الستينات.
يرتدي بدلة أنيقة.
وفي اللحظة التي ظهر فيها…
تجمدت داليا.
تمامًا.
كأنها رأت كابوسًا.
همست:
“مستحيل.”
لاحظ سيف ذلك فورًا.
وسأل:
“مين ده؟”
لكنها لم تجب.
كانت تحدق في الصورة فقط.
بخوف حقيقي.
الخوف نفسه الذي كانت تزرعه في الآخرين.
—
وفجأة…
جاء صوت من خلف القاعة.
صوت هادئ.
وقوي.
وقال:
“واضح إن حد افتكرني أخيرًا.”
استدار الجميع.
في اللحظة نفسها.
وتوقفت الأنفاس.
لأن الرجل الموجود في الصورة…
كان واقفًا عند باب القاعة.
حيًا.
وحقيقيًا.
وليس مجرد صورة.
دخل ببطء.
وكل العيون تلاحقه.
أما داليا…
فتراجعت خطوة للخلف.
لأول مرة.
ثم ثانية.
ثم ثالثة.
كأنها تريد الهرب.
لكنها تعرف أنها لن تستطيع.
—
اقترب الرجل.
ثم نظر مباشرة إلى ليلى.
وقال:
“أنتِ بنت عبد الرحمن.”
شعرت ليلى بأن قلبها يقفز.
لكنها أومأت فقط.
فابتسم.
وقال:
“أبوك كان أشجع واحد عرفته.”
ساد الصمت.
ثم نظر إلى سيف.
وأضاف:
“وأنت أكيد سيف الحديدي.”
أومأ سيف بحذر.
فمد الرجل يده.
وقال:
“اسمي فؤاد السيوفي.”
تجمدت القاعة.
لأن الاسم كان معروفًا.
معروفًا جدًا.
واحد من أكبر رجال المال في الشرق الأوسط.
رجل اختفى عن الأنظار منذ سنوات.
وكانت حوله مئات الشائعات.
لكن أحدًا لم يكن يعرف الحقيقة.
حتى الآن.
—
جلس فؤاد على المنصة.
ثم قال الجملة التي غيرت كل شيء:
“عبد الرحمن ما ماتش في الحادث.”
ساد الصمت.
أما ليلى…
فشعرت أن العالم كله توقف.
ثم أكمل:
“وللأسف…”
وأخفض رأسه قليلًا.
“…أنا آخر شخص شافه حي.”
الفصل الأخير: الحقيقة… والحياة التي انتظرتهم
ساد الصمت في القاعة.
صمت ثقيل.
حتى أن ليلى كانت تسمع نبضات قلبها.
فؤاد السيوفي جلس بهدوء.
بينما كانت عشرات الكاميرات موجهة نحوه.
أما هي…
فلم تكن تهتم بأي شيء.
إلا بجملة واحدة.
“أنا آخر شخص شافه حي.”
وقفت فجأة.
وقالت بصوت مرتجف:
“أبويا فين؟”
نظر إليها فؤاد طويلًا.
ثم تنهد.
وقال:
“عبد الرحمن مات يا بنتي.”
انكسرت آخر ذرة أمل كانت تتمسك بها.
لكن فؤاد أكمل:
“مات بعد الحادث بست شهور.”
انهمرت دموعها.
أما سيف فاقترب منها فورًا.
وأمسك يدها.
دون أن يقول كلمة.
بدأ فؤاد يحكي.
بعد الحادث…
اكتشف عبد الرحمن أن شبكة كاملة تحاول الاستيلاء على الأرض.
وأن حياة أسرته أصبحت في خطر.
فقرر الاختفاء.
حاول حماية ابنتيه.
وأخفى الأموال.
وأخفى المستندات.
وأخفى الحقيقة.
لكنه كان مريضًا.
وكان يعرف أن وقته قصير.
لذلك ترك عشرات الرسائل.
وعشرات الأدلة.
لكي تصل يومًا ما إلى ليلى.
إذا نجت.
قال فؤاد:
“آخر حاجة قالهالي قبل ما يموت…”
ثم نظر إلى ليلى.
“…كانت اسمك.”
بدأت تبكي.
أما هو فأكمل:
“قال لو بنتي لسه عايشة…”
“قولها إني آسف.”
“وقولها إني كنت بحاول أرجع.”
أغلقت ليلى عينيها.
وشعرت أن كل سنوات الغضب.
والحزن.
والأسئلة.
بدأت تذوب.
ببطء.
أما داليا…
فكانت النهاية تنتظرها.
كل الأدلة ظهرت.
كل الملفات خرجت للنور.
وكل شركائها سقطوا.
وبعد أيام قليلة…
تم القبض عليها رسميًا.
وانتهت الإمبراطورية التي بنتها على الكذب.
مرت الشهور.
ثم سنة كاملة.
في صباح ربيعي هادئ…
كانت حديقة قصر الحديدي مليئة بالورود.
وأضواء صغيرة معلقة بين الأشجار.
وطاولات بيضاء.
وموسيقى هادئة.
أما ليلى…
فكانت تقف أمام المرآة.
ترتدي فستانًا أبيض بسيطًا.
جميلًا.
وأنيقًا.
لكنها لم تكن تصدق ما تراه.
دخلت مريم.
ثم ابتسمت.
وقالت:
“جاهزة؟”
ضحكت ليلى وهي تمسح دموعها.
“مش مصدقة.”
احتضنتها أختها.
وقالت:
“أبويا لو كان موجود كان هيبقى فخور بيكي.”
وفي الخارج…
كان سيف ينتظر.
ببدلته السوداء.
وابتسامته التي لم تفارقه منذ أشهر.
اقتربت منه والدته.
وقالت:
“أخيرًا.”
ضحك.
وقال:
“أخيرًا.”
ثم بدأت المراسم.
وسارت ليلى وسط الحديقة.
والكل ينظر إليها.
مريم.
وابنة مريم.
وأم سيف.
والعاملون في القصر.
الذين أصبحوا عائلتها أيضًا.
أما سيف…
فلم يرَ أحدًا غيرها.
تمامًا كما لم يرها طوال عشر سنوات…
ثم رآها أخيرًا.
عندما وصلت إليه…
أمسك يدها.
وهمس:
“فاكرة أول يوم؟”
ضحكت.
وقالت:
“لما كنت بتعاملني كأني مش موجودة؟”
ضحك.
“كنت غبي.”
هزت رأسها.
“جداً.”
فضحك الاثنان.
وسط دموع الفرح.
وبعد انتهاء الحفل…
جلست ليلى معه وحدهما في الحديقة.
تحت الشجرة نفسها.
التي كانت تجلس تحتها أحيانًا أثناء عملها.
ونظرت إلى القصر.
ثم قالت:
“غريبة الحياة.”
“ليه؟”
ابتسمت.
وقالت:
“دخلته خادمة.”
نظر إليها.
فأكملت:
“وكنت فاكرة إني غير مرئية.”
أمسك يدها.
ثم قال:
“أنتِ عمرك ما كنتِ غير مرئية.”
نظرت إليه.
فابتسم.
وأضاف:
“أنا بس كنت أعمى.”
ضحكت.
ثم أسندت رأسها على كتفه.
بينما كانت الشمس تغرب ببطء.
وكانت أصوات الضحك تصل إليهما من بعيد.
أما في قلب ليلى…
فأخيرًا انتهت الحرب.
وانتهت الأسرار.
وانتهى الانتظار.
وبدأت الحياة التي استحقتها منذ البداية.
النهاية.