بعد خمسين سنه حكـايـات أسمـا ×2
الفصل الثاني: الموعد الأخير
خرجت سعاد من البنك وهي تضم الرسالة إلى صدرها.
لم تعد تسمع ضجيج السيارات.
ولا أصوات الباعة.
كل ما كان يدور في رأسها سؤال واحد:
“هو… لسه عايش؟”
نظرت إلى الساعة مرة أخرى.
الرابعة وعشرون دقيقة.
حديقة الأورمان لن تبعد أكثر من نصف ساعة إذا وجدت سيارة بسرعة.
أوقفت أول سيارة أجرة.
قال السائق:
“على فين يا حاجة؟”
ردت وهي تحاول أن تخفي ارتجاف صوتها:
“حديقة الأورمان… لو سمحت بسرعة.”
ظل الطريق أطول مما تتخيل.
كل إشارة مرور كانت تبدو لها كأنها ساعة كاملة.
وفي كل دقيقة كانت تتذكر لحظة من خمسين سنة زواج.
يوم خطوبتهما.
ليلة زفافهما.
ولادة أول أبنائهما.
ضحكاته وهو يحمل حفيده الأول.
ثم… ذلك اليوم الذي أغلق فيه الباب خلفه ورحل.
وصلت السيارة أخيرًا.
دفعت الأجرة ونزلت مسرعة رغم ألم قلبها.
كانت الساعة تشير إلى الخامسة إلا خمس دقائق.
دخلت الحديقة بعينين تبحثان في كل مكان.
ثم…
رأته.
رجل يجلس على مقعد خشبي قديم، يحمل عصا، وقد غزا الشيب شعره بالكامل.
كان أنحف بكثير.
ووجهه أكثر تعبًا.
لكنها عرفت ملامحه من أول نظرة.
محمود.
رفع رأسه ببطء عندما شعر بخطواتها.
وحين وقعت عيناه عليها، امتلأتا بالدموع.
وقف بصعوبة، مستندًا إلى عصاه.
وقال بصوت مبحوح:
“كنت عارف… إنك هتيجي.”
وقفت أمامه صامتة.
ثم رفعت الرسالة في وجهه.
وقالت وهي تبكي:
“ليه يا محمود؟”
خفض رأسه.
“لأني كنت جبان.”
“الدكاترة قالولي وقتها إن عندي ورم خبيث، وإن فرصتي في الحياة قليلة. خفت أشوفك بتعيشي كل يوم في انتظار خبر موتي.”
صرخت فيه لأول مرة منذ سنوات:
“ومن قالك إنك كنت من حقك تقرر عني؟”
ساد الصمت.
ثم قال بصوت منكسر:
“بعد سنة… عملت العملية.”
“وربنا كتبلي عمر جديد.”
“ولما حاولت أرجع… لقيت الكل مقتنع إني خنتك.”
“كل مرة كنت أقرب من باب البيت… كنت أرجع.”
“كنت شايف إن بعد اللي عملته، مابقاش ليا حق أطلب منك تسامحيني.”
سقطت دموع سعاد.
وقالت بصوت خافت:
“وأنا عشت خمس سنين فاكرة إن خمسين سنة حب انتهت في لحظة.”
أخرج محمود ظرفًا صغيرًا من جيبه.
ناوله لها.
فتحته ببطء.
وجدت بداخله عقد ملكية الشقة باسمها وحدها، ووثيقة تثبت أنه نقل إليها كل مدخراته منذ سنوات.
وقال:
“أنا مش طالب ترجعيلي.”
“ولا حتى تسامحيني.”
“كل اللي كنت عايزه… تعرفي الحقيقة قبل ما أموت.”
في تلك اللحظة، أمسك محمود صدره فجأة.
شحبت ملامحه.
وسقطت العصا من يده.
أسرعت سعاد نحوه وهي تصرخ:
“محمود!”
لكن هذه المرة…
كان قلبه هو الذي يخذله.
الفصل الثالث: نبضة أخيرة
اندفع الناس نحو المقعد الخشبي بمجرد سقوط محمود.
صرخت سعاد وهي تمسك بكتفيه:
“حد يتصل بالإسعاف… بسرعة!”
ركع شاب كان يجري في الحديقة بجواره، ووضع أصابعه على عنقه.
قال بقلق:
“النبض ضعيف… لكنه موجود.”
جلست سعاد على الأرض غير عابئة بملابسها.
كانت تمسك يده بقوة، وكأنها تخشى أن يختفي مرة أخرى.
بعد دقائق وصلت سيارة الإسعاف.
ورافقته إلى المستشفى دون أن تترك يده لحظة.
…
بعد ساعتين خرج الطبيب من غرفة العناية.
ابتسم ابتسامة مطمئنة وقال:
“الحمد لله… الأزمة عدت، لكنه محتاج راحة كاملة.”
أغمضت سعاد عينيها لأول مرة منذ سنوات وهي تحمد الله.
في الصباح التالي، فتح محمود عينيه فوجدها جالسة بجواره تقرأ القرآن بصوت خافت.
نظر إليها طويلًا ثم قال:
“لسه هنا؟”
ابتسمت بحزن.
“المرة دي… مش هسيب حد يمشي من غير ما يتكلم.”
اغرورقت عيناه بالدموع.
قال بصوت مكسور:
“أنا استاهل كل اللي حصل.”
هزت رأسها.
“يمكن… لكن الحقيقة لسه ناقصة.”
تنهد محمود.
ثم قال:
“فاكرة اليوم اللي سبت فيه البيت؟”
أومأت برأسها.
“بعد ما خرجت، رحت للدكتور. وهناك عرفت إن التشخيص الأول كان غلط.”
نظرت إليه في ذهول.
“غلط؟”
“أيوه… الورم طلع حميد، والعملية كانت بسيطة.”
صمت لحظة ثم أكمل:
“كان المفروض أرجع فورًا.”
“لكن وأنا راجع، شوفت الأولاد بيصرخوا في وشي.”
“قالولي إنهم مش هيسمحوا إني أوجعك تاني.”
تجمدت سعاد.
“الأولاد كانوا عارفين؟”
أخرج محمود هاتفًا قديمًا من درج الكومود.
“اسمعي بنفسك.”
ضغط على تسجيل صوتي.
خرج صوت الابن الأكبر، خالد:
“لو رجعت لأمي هنقولها إنك رجعت عشان فلوسها. هي بدأت تتعافى، ومش هنسمحلك تدخل حياتها تاني.”
ثم جاء صوت الابن الأوسط:
“خليك بعيد… هي فاكرة إنك خنتها، وده أهون من إنها تعرف إنك كذبت عليها.”
ارتعشت يد سعاد.
لم تكن تصدق ما تسمعه.
دخل الأبناء الثلاثة إلى الغرفة بعد دقائق، بعدما علموا بخبر دخول والدهم المستشفى.
لكنهم توقفوا في أماكنهم عندما رأوا الهاتف في يد أمهم.
رفعت سعاد رأسها ببطء.
لم تكن غاضبة…
كانت مكسورة.
قالت بصوت هادئ أخافهم أكثر من أي صراخ:
“خمس سنين… كنتوا عارفين الحقيقة وسيبتوني أعيشها لوحدي؟”
لم يستطع أحد منهم الرد.
انخفضت رؤوسهم جميعًا.
اقترب خالد والدموع في عينيه.
“يا أمي… كنا فاكرين إننا بنحميكي.”
قالت وهي تمسح دموعها:
“اللي بيحب… ما يخبيش الحقيقة.”
ساد الصمت داخل الغرفة.
أما محمود، فنظر إلى أولاده وقال بصوت ضعيف:
“الذنب ذنبي أنا… أنا اللي بدأت الكذبة.”
ثم التفت إلى سعاد، ومد يده المرتجفة نحوها.
“مش بطلب منك تنسي الماضي… لكن لو ينفع، اديني فرصة أقضي اللي باقي من عمري وأنا أصلح اللي كسرته.”
نظرت إليه طويلًا.
ثم أمسكت يده للمرة الأولى منذ خمس سنوات.
وقالت بهدوء:
“التسامح مش بيغيّر اللي فات… لكنه ممكن ينقذ اللي باقي.”
وفي تلك اللحظة، انفجر الأبناء بالبكاء، بعدما أدركوا أن الحقيقة التي أخفوها سنوات كانت أثقل من أي خطأ ارتكبه والدهم.