الرجل البارد بسلامته حكايات أسما

مدّت ميار إيدها بحيرة ناحية نص اللاونج، ناحية المسرح الخفي اللي كان لسه من دقايق مغير فهمها للحياة كلها.
شدّ فكه.
قال ببرود:
“هتنسَي اللي شفتيه.”
ردت فورًا:
“قطعًا لأ.”
حاجة غريبة لمعت في عينيه.
مش غضب.
حاجة أعقد.
ميار عدّلت وقفتها، مسحت تحت عينها من أثر الضحك، وظبطت هدومها. كانت لابسة بنطلون زيتوني واسع، قميص أبيض مكوي بأكمام مرفوعة، كارديجان طويل بلون بني فاتح، بوت جملي، وسلاسل دهب رفيعة على رقبتها. بصت له بثبات واحدة ماكانتش من دقايق واقفة تضحك لحد ما نفسها اتقطع على أقوى راجل في المبنى.
قالت:
“أستاذ أدهم، أحب أقول لحضرتك، وبكل مهنية واحترام، إن حركة رجلك أحسن من سبعين في المية من الرجالة اللي كبرت وسطهم في إسكندرية… وإحنا مش بندّي المجاملة دي بالساهل.”
سكت.
زودت:
“ودي مش مجاملة شفقة. دي ملاحظة واقعية.”
هو بص لها.
وهي بصت له.
قال:
“إنتِ دخلتي لاونج الإدارة من غير تصريح.”
ردت:
“استعرت ماكينة القهوة.”
“عملتي كده قبل كده.”
ماكانش سؤال.
وهي ماعاملتوش كسؤال.
قالت ببساطة:
“كل يوم شغل بقالى تلات أسابيع. من سبعة ونص لسبعة وخمسة وأربعين. بنضف ورايا. مابزعجش حد. ماكينة القهوة في الدور التامن والتلاتين ج*ر*يمة ضد الروح المعنوية، وأنا أرفض أكون ضحية.”
كرر ببطء:
“بترفضي تكوني ضحية؟”
قالت:
“للقهوة الوحشة… آه.”
“دي مخالفة دخول.”
“دي مشكلة تنظيم مواعيد.”
ضيّق عينيه.
ابتسمت.
وقالت:
“مش هتكلم عن اللي شوفته النهارده… بشرط.”
الجو اتغير.
ودي كانت النظرة اللي هتعرف بعدين إنها بتيجي قبل ما أدهم الكيلاني يدمّر أي حد في التفاوض.
قال:
“عندك شرط؟”
“آه.”
“في شركتي؟”
“آه.”
“وفي دور دخلتيه من غير تصريح؟”
“أفضل أقول دخلته بشكل غير رسمي.”
“ميار.”
“أدهم.”
أول ما اسمه طلع من بُقها، حصل تغيّر صغير جدًا في ملامحه.
هي لاحظت.
وهو لاحظ إنها لاحظت.
لكنها كملت عادي.
“عايزة دخول صباحي ثابت لماكينة القهوة. من سبعة ونص لتمانية وربع. همشي قبل أي مدير تنفيذي يوصل. ومش هقول لحد على اللي شوفته. سرك هيدفن معايا.”
الصمت طال لدرجة إنها سمعت صوت كلاكس من الشارع، تلاتة وأربعين دور تحتهم.
قال:
“إنتِ بتفاوضيني… بالابتزاز.”
ردت:
“لأ. بفاوضك بمبدأ الإحراج المتبادل المؤكد.”
لثانية خطيرة، افتكرت إنه ممكن يضحك.
لكنه ماضحكش.
بس كان فيه حاجة قريبة جدًا من الضحك حصلت ومكملتش.
قال أخيرًا:
“من سبعة ونص لتمانية وربع. ولا دقيقة زيادة.”
ابتسمت ميار بجد. ابتسامة دافية تغيّر شكل الأوضة.
“سعيدة بالتعامل معاك.”
وبعدها مشت ناحية ماكينة القهوة، لأنها ماطلعتش تلاتة وأربعين دور على الفاضي.
أدهم فضل يبص لها وهي بتتحرك حوالين الماكينة بثقة واحدة عاملة كده كتير. حطت البن، ضغطته، شغلت الماكينة، واستنت باستمتاع هادي وهي بتطلع البخار.
كان بيبص لها كأنها متغير غريب دخل معادلة كان فاكر إنه مسيطر عليها بقاله سنين.
وبعدين، بشكل غير متوقع، مسك جاكيته، قعد على الترابيزة الطويلة، وفتح موبايله.
ميار أخدت الإسبريسو ووقفت عند الشباك.
القاهرة كانت بتلمع تحتها.
هو ما اتكلمش.
وهي ما اتكلمتش.
وكان ده أريح صمت عاشته من يوم ما نقلت القاهرة.
يوم الأربعاء بعد الضهر، الشركة كلها عرفت إن ميار جمال اتكلمت مباشرة مع أدهم الكيلاني… وخرجت عايشة.
يارا همست لها وقت الغدا، وعينيها واسعة فوق علبة أكل جايباها من البيت:
“هو كلمك؟”
قالت ميار وهي بتاخد لقمة من أكلها:
“كام كلمة.”
“بمزاجه؟”
“تقريبًا.”
“عن إيه؟”
“مواعيد.”
يارا ضيقت عينيها.
“مواعيد؟”
“تنظيم.”
“ميار.”
“نعم؟”
“فيه ناس شغالة هنا بقالها أربع سنين وماخدتش منه نظرة عين بإرادته. الراجل ده مابيعملش كلام صغير، ولا كلام متوسط، ده بالعافية بيعمل الكلام الضروري.”
قالت ميار:
“يمكن طاقتي كويسة.”
“طاقتك فوضوية.”
“الاتنين ينفع يجتمعوا.”
اللي ميار ماقالتوش، إن تاني يوم الصبح الساعة 7:38، لما دخلت لاونج الإدارة، لقت ماكينة القهوة شغالة، وكوباية نضيفة محطوطة جنبها، وطبق صغير فيه أكياس سكر قريب من الماكينة.
وقفت لحظة طويلة.
وبعدين ابتسمت لنفسها.
الساعة 7:51 دخل أدهم.
هو ماشرحش الكوباية.
وهي ماشكرتهوش عليها.
قعد على الترابيزة يراجع ملفات على موبايله، وهي وقفت عند الشباك تشرب الإسبريسو.
المدينة كانت بتتحرك تحتهم.
وفي اللحظة دي بدأ شيء.
صغير.
من غير إعلان.
من غير احتفال.
بالطريقة اللي أخطر الحاجات بتبدأ بيها.
الجزء الثاني
أول مرة ميار تحدّت مدير كبير قدام أدهم الكيلاني، نص اللي في الطرقة كانوا شكلهم مستعدين يطلبوا الإسعاف.
حصلت يوم جمعة بعد اجتماع شراكات كان ناجح جدًا. من النوع اللي يخلي ميار تخرج وهي حاسة إن السقف اللي فوقها اترفع بهدوء من غير ما حد ياخد باله.
لفت من جنب قاعات الاجتماعات التنفيذية، وكانت هتخبط في أدهم.
كان واقف مع تلات رجالة كبار ببدل غامقة، وكلهم عليهم توتر ناس كانوا بيتخانقوا من شوية وبيمثلوا إن مفيش حاجة حصلت.
قال أدهم:
“آنسة ميار.”
ردت:
“أستاذ أدهم.”
اتحركت على جنب.
واحد منهم، لؤي البارودي، بص لها بالنظرة اللي هي عارفاها كويس. نظرة الناس اللي فاكرين إن المبنى فيه حدود غير مرئية، وإن حد زيها عداها بالغلط.
قال بابتسامة مش لطيفة:
“قسم الشراكات في الدور التامن والتلاتين.”
ردت ميار بنفس الهدوء:
“فعلاً. اجتماعي خلص ولسه راجعة.”
قال:
“كويس. أستاذ أدهم بيحافظ على نظام صارم جدًا. مهم كل واحد يعرف مكانه.”
ميار ابتسمت.
بس ابتسامتها كان فيها سنان.
أدهم، اللي كان بدأ يلف ويمشي، وقف.
قالت ميار:
“كل واحد يعرف مكانه. مفهوم. أنا مألوف عندي جدًا.”
وش لؤي اتشنج.
بصت لأدهم وقالت:
“هل دي رسالة رسمية من حضرتك يا أستاذ أدهم؟ ولا الأستاذ بيجتهد من نفسه؟”
التلاتة اللي واقفين بقوا تماثيل.
لؤي وشه احمر.
“أفندم؟”
قالت ميار بهدوء:
“عايزة أرد عن طريق التسلسل الإداري الصح. لو أستاذ أدهم بيبلغني إني كسرت حدود شغل، هتقبل الملاحظة. لكن لو حضرتك بتلمّح إن مكاني أقل من مكانك لمجرد إن مكتبي خمس أدوار تحت، فأنا هعتبر الجملة دي ما اتقالتش.”
الطرقة سكتت.
أدهم بص لها لحظة طويلة.
وبعدين لف راسه سنة.
قال من غير ما يبص للؤي:
“أستاذ لؤي، إحنا متأخرين.”
ومشي.
والمديرين مشيوا وراه.
لؤي مشي آخر واحد، ووشه مشدود من الإهانة.
ميار طلعت نفسها، عدلت الكارديجان، ورجعت الدور التامن والتلاتين.
صباح الاثنين، لاونج الإدارة كان مختلف.
مش أبرد.
أحدّ.
أدهم كان هناك قبل ما توصل.
عملت قهوتها في صمت.
وبعدين قال:
“كنتِ مباشرة مع لؤي.”
قالت:
“كان قليل الذوق.”
“معظم الناس بتتجنب تكون مباشرة معاه.”
ردت وهي بتبص له من فوق كتفها:
“معظم الناس خايفة منك بالتبعية. أنا مش خايفة منك، فالمعادلة مختلفة.”
رفع عينه.
“ليه مش خايفة؟”
ابتسمت في كوبايتها.
“لأني شوفت حركة رجلك يا أستاذ أدهم. صعب جدًا أخاف من راجل بعد كده.”
الصوت اللي طلع منه كان شبه لا شيء.
نَفَس.
شرخ صغير خارج عن السيطرة في الجليد.
في راجل تاني، كان هيبقى بداية ضحكة.
ميار خزّنته بعناية.
كان هيبقى فيه أكتر.
أول ضحكة حقيقية حصلت بعد تلات أسابيع، أثناء عرضها لتوقعات الربع التالت.
قسم الشراكات كان مطلوب منه يعرض قدام أكتر من إدارة، وده لوحده كان مسبب توتر للجميع. وبعدين ظهر أدهم الكيلاني على رأس ترابيزة الاجتماعات، فتحول التوتر لعاصفة.
كان لابس بدلة رمادي غامق، قميص أبيض، ووشه مافيهوش أي تعبير. مساعده، دانيال حمدي، كان قاعد على بعد كرسيين بهدوء متأهب كأنه راجل قضى سنين بيقرأ الصمت بالرادار.
كل واحد قدم عرضه بترتيب تصاعدي من الرعب.
وبعدين وقفت ميار.
كانت لابسة بنطلون أسود واسع، بلوزة حرير زمردي، بليزر أسود بأزرار دهب، حذاء أسود مدبب، وإكسسوارات دهب ناعمة. شعرها كان مرفوع بتسريحة هندسية قضت فيها اتنين وعشرين دقيقة وما ندمتش ولا ثانية.
فتحت أول سلايد.
العنوان كان:
توقعات الربع الثالث… أو كيف تركت الكيلاني جروب المال على الترابيزة وأنا وجدته
الأوضة سكتت.
عين أدهم اتحركت من السلايد ليها.
قالت:
“عارفة. عنوان جريء. وأنا متمسكة بيه.”
وبعدين قدمت خمسة وأربعين دقيقة من أدق وأقسى وأغنى تحليل استراتيجي القسم شافه من سنين.
حددت تلات فرص شراكة متجاهلة. شرحت إزاي اتفوتوا من غير ما تهاجم أشخاص، لكنها ركزت على خلل في العمليات. عملت نماذج للعائد المتوقع بطريقتين مختلفتين. توقعت الاعتراضات قبل ما تتقال. وختمت بمصفوفة أولويات كانت، بصراحة، استعراضية شوية.
بس كانت تستحق الاستعراض.
عند الدقيقة التلاتين، مدير كبير فتح اللابتوب وبدأ يكتب ملاحظات.
عند الدقيقة التمانية وتلاتين، أدهم مال لقدام نص بوصة.
دانيال شاف الحركة وكان هيوقع القلم من إيده.
لما ميار خلصت، الصمت ماكانش خوف.
كان إعادة حساب.
قالت:
“أسئلة؟”
مدير رفع إيده:
“الجدول الزمني للشراكة التالتة واضح إنه طموح زيادة.”
قالت ميار:
“فعلاً. وده سبب إنه لسه قابل للتحقيق.”
فتحت سلايد ملحق محضراه تحديدًا للاعتراض ده، وفككته بهدوء.
أدهم ما اتحركش.
لما الاجتماع خلص والناس بدأت تلم حاجتها، صوته قطع الهمهمة.
“سلايد سبعة.”
الكل وقف.
ميار رفعت عينيها.
قال:
“تحليل الفجوة. إنتِ قارنته بفترة إعادة الهيكلة في 2019.”
قالت:
“أيوه.”
“ليه مش 2021؟”
“لأن 2021 كانت سنة استثنائية بسبب ظروف السوق. استخدامها كمعيار كان هيصغر الفجوة بشكل غير حقيقي. أنا كنت عايزة دقة، مش راحة.”
حاجة عدّت على وشه.
مش ابتسامة.
الحاجة اللي قبلها.
قال:
“عنوان العرض بتاعك.”
قالت:
“مغرور؟”
“دقيق.”
مالت راسها:
“الاتنين ممكن يكونوا صح.”
وهنا حصلت.
طرف بقه اتحرك.
وبعدين عينه نزلت لآخر سلايد سبعة.
ميار كانت ناسية الفوتر.
كان مكتوب بخط رمادي صغير جدًا، تقريبًا غير مرئي إلا لو حد ركز:
نعم، وجدت ماكينة القهوة الإيطالي. لا، لا أشعر بأي ندم.
أدهم ضغط شفايفه على بعض.
كتفه اتحرك مرة.
وبعدين ضحكة هربت منه.
واطية.
حقيقية.
غير مصرح بها.
قاعة الاجتماعات كلها استقبلتها كأنها زلزال صغير.
حجمها صغير.
لكن أثرها ضخم.
أدهم رجع لتماسكه في ثانيتين.
الباقيين احتاجوا وقت أطول.
ميار قفلت اللابتوب بهدوء مهني وقالت:
“شكرًا على وقت حضرتك يا أستاذ أدهم.”
وقف، زرّر جاكيته، وخرج.
دانيال وهو خارج عدّى جنب ميار وبص لها بنظرة فيها رواية كاملة.
بعد كده، لاونج الصبح بقى حاجة محدش فيهم سماها.
في الأول، كانوا بيتشاركوا الصمت.
بعدها جُمل.
بعدها أحاديث.
مش دايمًا. ومش بالإجبار. أدهم ماكانش بيسأل أسئلة فارغة. كل سؤال منه كان له وزن، كأنه بيعتبر الكلام مادة نادرة مايحبش يهدرها.
سألها عن إسكندرية في صباح رمادي من نوفمبر.
حكت له عن البحر في الشتاء، عن شوارع سيدي بشر، عن سندوتشات الكبدة اللي بتتاكل واقف بعد نص الليل، عن صوت الترام، عن جمال مدينة عنيدة وحزينة وفيها كبرياء غريب.
قال:
“وحشاك.”
قالت:
“كل يوم. بس المفروض أكون هنا دلوقتي.”
“عرفتي إزاي؟”
بصت على القاهرة من الشباك.
“لأني لسه ماحبتش أمشي.”
ماقالش حاجة.
لكن الصمت مع أدهم كان اتغير.
ما بقاش فاضي.
بقى مفروش.
حتة حتة. كرسي كرسي. لمبة لمبة. لحد ما في صباح من الصبحيات بصت حواليها وحست إنه مكان تعرفه.
اللي ميار عرفته عن أدهم الكيلاني خلال الشهور اللي بعدها كان الآتي:
هو ماكانش بارد.
كان مسيطر على نفسه.
وفي فرق.
كبر في عيلة الحب فيها بييجي متنكر في شكل توقعات، والرضا ما يوصلش غير بعد الإنجاز. جده بنى الشركة. أبوه وسعها. وأدهم ورث مش بس الإمبراطورية، لكنه ورث عبء إنه ما يكسفش اسم العيلة أبدًا.
اتعلم بدري وبقسوة إن أي رغبة شخصية لازم تبرر نفسها قدام اسم العيلة.
الموسيقى ماكانتش بتبرر نفسها.
والرقص بالتأكيد لا.
كان نفسه يدرس تأليف موسيقي في الجامعة.
أبوه دخله إدارة أعمال.
كان بيحب أفلام الأكشن الأمريكية الرديئة من التسعينات، اللي فيها انفجارات مستحيلة وجمل مافيش إنسان طبيعي يقولها. وكان بيعرف يطبخ، بجد. مش استعراض. كان فاهم الحرارة، الدهون، الحموضة، الوقت. علم نفسه في العشرينات وهو بيسافر لوحده، واكتشف إن الأكل اللي يتعمل بانتباه واحد من الحاجات الصادقة القليلة اللي الفلوس ماتقدرش تقلدها.
ماكانش قال الحاجات دي لحد.
وميـار ما انتزعتهاش منه.
كانت بتطلع واحدة واحدة. من إشارة لفيلم. من مرة عمل لها قهوة وضبط النسبة بالمللي. من تعليق عن الس*ك*ينة والتقطيع. من التوقف الصغير المندهش بعد ما يقول حاجة ماكانش ناوي يقولها.
قالت له مرة:
“إنت بتحب الطبخ.”
قال:
“أنا أعرف أطبخ.”
“مش ده اللي قلته.”
بص في قهوته.
وهي ابتسمت في قهوتها.
أول مرة يشوفوا بعض بره الشغل ماكانتش متخطط لها.
على الأقل، ميار ماكانتش مصدقة إنها متخطط لها.
كان يوم سبت في ديسمبر، البرد فيه يخلي الناس تمشي أسرع. كانت في سوق قديم في الزمالك، ماسكة جاكيت جلد بني وبتفحصه بتركيز جراح.
وفجأة وقف حد جنبها.
رفعت عينها.
أدهم الكيلاني واقف هناك، بجينز غامق، بلوفر أسود بسيط، بالطو رمادي طويل، وكوتشي أبيض.
من غير كرافتة.
من غير درع المدير التنفيذي.
مجرد راجل في سوق، باين عليه الذنب قليلًا لأنه موجود خارج التوقعات.
قالت:
“أستاذ أدهم.”
قال:
“آنسة ميار.”
“بتعمل إيه في الزمالك يوم السبت؟”
سكت لحظة.
“بتمشى.”
“لحد سوق قديم؟”
“في اتجاه واحد.”
درسته بعينيها.
حافظ على وش محايد.
بشكل سيئ.
قالت:
“تحب تتفرج؟ أنا بقالي ساعة هنا ولقيت تلات حاجات تستحق الحكم عليها.”
حاجة ارتاحت جواه.
بص على الجاكيت وقال:
“جربيه.”
جربته.
طلع كأنه مستنيها.
واسع بالمقاس الصح. ناعم من سنين حياة حد تاني. جلد بني غني يخليها حاسة إنها لازم تبقى واقفة جنب جهاز موسيقى قديم سنة 1978.
أدهم بص له بتقييم جاد.
قال:
“كويس.”
“اللون لايق؟”
“اشتريه.”
فاشترته.
بعد عشرين دقيقة، لقته ماسك أسطوانة قديمة، غلافها متآكل من الأطراف، وصباعه بيتحرك مرة فوق العنوان.
قالت:
“عندك مشغل أسطوانات؟”
“لأ.”
“عايز واحد؟”
سكت أطول.
“مش عملي غالبًا.”
“مش ده اللي سألته.”
بص للأسطوانة.
“آه.”
قالت:
“اشتريها.”
اشتراها.
قضوا أربع ساعات في الزمالك.
أكلوا من عربية صغيرة، اتناقشوا بأدب عن أنهي كافيه شكله أقل ادعاء، وقفوا يسمعوا عازف شارع حول الرصيف لقاعة موسيقى، ومشوا جنب جداريات ألوانها كانت كفاية تكسف الشتاء.
عند الناصية اللي طريقهم اتقسم فيها، قال أدهم:
“كان مقبولًا.”
ضحكت ميار:
“مديح عالي من الرجل نفسه.”
قال:
“أنا لا أمدح بلا استحقاق.”
“إذن هقبله.”
مشيت وهي شايلة الجاكيت على دراعها.
في نص الشارع، سمعته ينادي:
“الجاكيت جميل جدًا يا ميار.”
ما التفتتش.
لكنها ابتسمت ابتسامة واسعة لدرجة إن شخص غريب معدي ابتسم هو كمان.
مع يناير، المكتب بدأ يطلع نظريات.
مش عن اللاونج.
السر ده فضل مقفول.
لكن عن ميار جمال، البنت اللي جاية من إسكندرية، اللي بطريقة ما بقت الشخص الوحيد في المبنى القادر يخلي أدهم الكيلاني يتصرف كإنسان تقريبًا.
دانيال لاحظ أكتر من الكل.
لاحظ إن جدول أدهم بقى فيه فراغات غامضة يوم السبت. لاحظ إن رئيسه اللي كان بيرد على الإيميلات الساعة 11 ونص مساء الأحد، بعت مرة رد بيقول:
“سأتعامل مع الأمر يوم الاثنين. أنا مشغول.”
مشغول.
دانيال قعد يبص للكلمة عشرين ثانية.
وبعدين حفظها في دماغه بغريزة راجل عاش أربع سنين كمساعد أدهم الكيلاني.
ولاحظ كمان الطريقة اللي أدهم بيبص بيها لميار وهي بتتكلم في الاجتماعات.
مش كموظفة.
مش كمشكلة.
لكن كباب ماكانش يعرف إنه موجود.
الكلام عن الرقص حصل في صباح قاسٍ من يناير، السما صافية وحادة كأنها تقدر تقطع زجاج.
ميار كانت واقفة عند الشباك بقهوة الإسبريسو.
وأدهم قاعد على الترابيزة يراجع تقرير.
سألته:
“بقالك قد إيه؟”
ما احتاجش تسأله تقصد إيه.
قال:
“اتناشر سنة.”
لفت من الشباك.
“بترقص بقالك اتناشر سنة ومحدش يعرف؟”
“عيلتي هتعتبره إهانة.”
“عيلتك غلطانة.”
عينه قابلت عينها.
سألته:
“أنهي ستايل؟”
“أكتر من نوع. معاصر الأول. بعدين عناصر هيب هوب. حركات قدم. شوية ستايلات شارع.”
“بتتمرن فين؟”
“عندي مساحة في البيت.”
هزت راسها ببطء.
“عمرك قدمت عرض؟”
“لأ.”
“نفسك؟”
الصمت اللي جه بعدها كان أطول صمت اتشاركوه.
وبعدين قال بهدوء:
“آه.”
الكلمة نزلت بينهم.
مش درامية.
مش عالية.
لكن حية.
وأضاف:
“نفسي من وأنا عندي اتنين وعشرين سنة.”
ميار حطت القهوة.
كان شكله راجل سلّمها حاجة هشة ومتوقع إنها تكسرها.
ماكسرتهاش.
قالت:
“أدهم.”
كانت أول مرة تستخدم اسمه من غير سخرية، من غير تحدي، ومن غير تختبئ ورا هزار.
ثبت مكانه تمامًا.
قالت:
“إنت واقف تلاتة وأربعين دور فوق القاهرة في مبنى عليه اسمك. بتوظف آلاف الناس. قراراتك بتحرك السوق قبل الغدا. ومع ذلك مخبي أفضل جزء فيك عشان عيلتك ممكن تتكسف؟”
شد فكه مرة.
قالت:
“إنت تستحق تقدم عرض.”
بص لتحت.
وبعدين فوق.
قال:
“إنتِ مباشرة جدًا.”
“أنا من إسكندرية. ده في الميه.”
وللمرة التانية، أدهم الكيلاني ضحك.
الجزء الثالث
العرض كان فكرة ميار.
وهي رفضت تتحمل مسؤولية الفوضى اللي حصلت بعدها.
مش مسؤوليتها إن الفيديو انتشر على السوشيال ميديا كأنه انفجار.
ولا مسؤوليتها إن صفحات الفن والبيزنس كتبت عناوين زي:
“رجل الأعمال الملياردير يخفي موهبة رقص مذهلة”
و“أبرد مدير تنفيذي في مصر يذيب الإنترنت”.
ولا مسؤوليتها عن التعبير اللي ظهر على وش نازلي الكيلاني، والدة أدهم، لما اكتشفت إن الجمهور مش محرج من ابنها… ده مفتون بيه.
ميار مش هتنسب كل ده لنفسها.
لكن البداية؟
آه.
دي كانت بتاعتها.
بدأت في فبراير، في لاونج الإدارة، في صباح ناعم رمادي.
أدهم كان موجود قبل ما توصل.
ده مش غريب.
لكن الغريب إنه كان بيتكلم بالفعل.
قال وهو بيبص في موبايله:
“في عرض فني.”
ميار صبت الإسبريسو.
استنت.
كمل:
“مستقل. رقص معاصر وستايلات شارع. آخر ويك إند في مارس.”
قالت:
“ودانيال اللي لقى العرض؟”
قال:
“نعم. من غير ما أطلب منه.”
“دانيال عبقري ولازم يتدفع له أكتر.”
“هو بيتدفع له كويس جدًا.”
“أقصد عاطفيًا.”
قعدت قصاده.
وده كمان كان بقى طبيعي.
ما بقاش هي عند الشباك وهو على الترابيزة. بقوا على نفس الترابيزة، كأنهم متساويين. وفي جغرافيا صباحاتهم الخاصة والغريبة… كانوا فعلًا كده.
قالت:
“احكيلي عن العرض.”
“مسرح متوسط في الزمالك. التقديم باختيار لجنة. مش مسابقة بالضبط، لكن تصويت الجمهور بيختار أفضل أداء.”
“إنت هتقدم.”
“لسه ماقررتش.”
“إنت قررت قبل ما تحكيلي الساعة 7:42 صباح يوم ثلاث. بتفكر فيه من امبارح بالليل على الأقل.”
حط الموبايل.
سألته:
“إيه اللي موقفك؟”
قال:
“لو عملت ده، مش هيعدي بهدوء. أنا مش مجهول.”
قال كلمة مجهول كأنها كلمة كان عايزها طول عمره وما امتلكهاش.
قالت:
“لأ. أدهم الكيلاني بيقدم عرض رقص في الزمالك؟ ده عنوان.”
“عيلتي—”
قاطعته بهدوء:
“عيلتك كان لها أربعين سنة رأي في المفروض تعمل إيه بحياتك. دي ليلة واحدة.”
بص لها.
وهي بصت له.
قالت:
“قدّم.”
“أسوأ احتمال؟”
“مايتقبلوش طلبك ونمثل إن الكلام ده كله كان عن القهوة.”
“أفضل احتمال؟”
“تقف قدام ناس جاية تقدّر الفن، وتعمل الحاجة اللي نفسك تعملها من وأنت عندك اتنين وعشرين سنة.” مالت لقدام. “مش نفسك تعرف إحساسها؟”
الضوء الرمادي لمس وشه.
قال:
“آه.”
“يبقى قدّم.”
وقدم.
واتقبل بعد تلات أسابيع.
بعت لها إيميل القبول من غير أي تعليق.
كانت وسط مراجعة ميزانية، وقعدت تبص للشاشة تلاتين ثانية قبل ما ترد:
قلتلك.
بعد دقيقتين كتب:
أنتِ تقولين لي أشياء كثيرة.
ردت:
وأطلع صح كل مرة.
قال:
هذا شبه مزعج.
كتبت:
شبه؟
رد:
تمامًا.
كتبت:
ومع ذلك… ها نحن هنا.
بعد صمت صغير، رد:
ومع ذلك… ها نحن هنا.
التحضير كان بالليل.
مش كل ليلة. أدهم لسه بيدير مجموعة شركات. جدوله كان إنجاز معماري ماسكه دانيال حمدي بعبقريته الهادية وجداول إكسيل مرعبة. لكن تلات ليالي في الأسبوع، وأحيانًا أربعة، ميار كانت تركب وتروح بيته في التجمع، في عمارة من النوع اللي الريسبشن بتاعها شيك لدرجة تخليك تشك أخلاقيًا.
البواب عرف اسمها من تالت زيارة.
غرفة تمرين أدهم كانت في الدور التاني من الشقة. أرضية مناسبة للرقص. مرايات على حيطتين. نظام صوت يخلي الباص يتحس في الجسم. وأضواء القاهرة ورا الشبابيك الواسعة.
في الأوضة دي، أدهم كان مختلف.
لأ.
مش مختلف.
مكشوف.
ميار فهمت فورًا هو ليه خبّى ده.
مش لأنه كويس.
هو كان أبعد من كويس.
كان بيتحرك بدقة تقنية، آه، لكن تحت الدقة كان فيه إحساس. إحساس حقيقي. النوع اللي عمره ما سمح له يدخل قاعات الاجتماعات. النوع اللي بيطلع من كتافه، من إيديه، من هبوط وزنه المفاجئ، من جدال رجله الحاد مع الأرض.
ده ماكانش ترفيه.
ده كان اعتراف.
وفهمت وقتها إن الرقص كان الحاجة الوحيدة في حياته اللي ماكانت تخص حد غيره.
هي ماكانتش راقصة.
ولا مصممة رقصات.
لكنها كانت بتلاحظ.
وكانت بتقول الحقيقة.
وطلع إن ده بالضبط اللي محتاجه.
قالت له ليلة وهي قاعدة على الأرض قدام المراية، لابسة سويت بانتس رمادي وسويت شيرت قديم، وشعرها سايب على كتفها وكيس شيبسي جنبها:
“الجزء التالت… إنت بتمسك نفسك.”
وقف وبص لها في المراية.
“لأ.”
“آه.”
“أنا حافظ الحركة.”
“جسمك حافظ الحركة. خوفك بيمنتجها.”
ضيّق عينيه.
قامت، مشت لنص الأوضة، وحاولت تقلد الحركة اللي هو كل مرة بيقصّرها.
بشكل سيئ.
سيئ جدًا.
وشه عمل حاجة رائعة.
حاول ما يتفاعلش.
وفشل بالتدريج.
قالت وهي بترمي دراعها بحماس كارثي:
“إنت بتعمل كده… وبعدين أول ما الحركة تبقى على وشك تتحول للحاجة الصح، ترجع لورا.”
قال:
“أنا مش بتحرك كده.”
“واضح طبعًا، لأني شكلي فزاعة متلبسة. ركز.” شاورَت عليه. “اللي بتعمله كويس. لكن اللي كنت هتعمله قبل ما توقف نفسك كان هيبقى مذهل. بطل توقف نفسك.”
“إنتِ أصلًا ما تعرفيش—”
“أرقص؟ أكيد لأ. عيلتي وزعت الإيقاع على كل الناس غيري. كانت مأساة واتقبلناها كلنا. بس ده مالوش علاقة باللي أنا شايفاه.”
بص لها.
قالت:
“عيدها.”
عادها.
المرة دي، لما اللحظة وصلت، ماعملش مونتاج لنفسه.
كمل الحركة.
الجزء كله اتغير.
اتفتح.
بقى شيء ضر*ب صدر ميار زي الرعد.
ضمت شفايفها.
قالت بهدوء:
“أيوه. كده.”
أدهم وقف بيتنفس بسرعة، بيبص لنفسه في المراية كأنه بيتعرف على شخص جديد.
قالت تاني:
“دي الحاجة.”
لف ناحيتها.
وشه كان مفتوح بالطريقة اللي بقت تشوفها في تلات أماكن بس: لاونج الصبح، مشاوير السبت، والأوضة دي.
الأماكن اللي مش لازم يبقى فيها اسم الكيلاني.
قال:
“مش عارف أعمل ده قدام الناس.”
قالت:
“أنت عارف.”
“أنا بعمله قدامك.”
“عارفة.” صوتها رق. “بس الرقص هو هو.”
قال:
“إنتِ مختلفة.”
الجملة ض*ربت مكان تحت ضلوعها.
قعدت تاني، لأن الوقوف فجأة بقى خطر.
قالت:
“لازم تخلّي الناس تحس إنها بتشوف حاجة حقيقية. مش حاجة متدربة ومتدارة ومتوافق عليها. حاجة حقيقية. والطريقة الوحيدة تعمل كده إنك تبقى جوه الحركة فعلًا.”
مدت له كيس الشيبسي.
أخد واحدة.
أدهم الكيلاني، الملياردير والمدير التنفيذي، واقف حافي في أوضة تمرين بياكل شيبسي من كيسها.
ميار حبت المشهد ده أكتر مما كانت مستعدة تعترف.
قالت:
“بطل تؤدي الرقص. ارقص وخلاص.”
بص لها لحظة طويلة.
كان فيه شيء بيتجمع هناك من شهور.
نقطة نقطة.
ببطء يخليها تقنع نفسها إنها مش واخدة بالها.
لكن الوعاء كان امتلأ.
هو لف الأول.
عاد الجزء.
والمرة دي، ماوقفش نفسه ولا مرة.
قبل العرض بأسبوعين، أمه اتصلت.
ميار عرفت قبل ما يقول.
دخلت أوضة التمرين ولقته واقف عند الشباك بلبس الشغل، الجاكت لسه عليه، والكرافتة لسه مشدودة.
الصمت كان فيه طقس سيئ.
قالت:
“عيلتك عرفت.”
قال:
“أمي.”
“إزاي؟”
“هي تعرف كل الناس.”
“قالت إيه؟”
بص على المدينة.
“إنه غير مناسب. وإنه هيعمل ارتباك حوالين صورة الشركة. وإن راجل في منصبي ماينفعش يطلع يرقص في عرض عام. وإن فيه حاجات عيلة الكيلاني ببساطة ما بتعملهاش.”
ميار حطت شنطتها.
“وإنت قلت إيه؟”
“قلت لها إني هفكر في مخاوفها.”
“وهتفكر؟”
الصمت طال.
وهي سابته.
قال:
“لأ.”
دفء جرى فيها بسرعة لدرجة إنها اضطرت تبص بعيد.
“كويس.”
“هتصعّبها.”
“دي أمك. قضت أربعين سنة بتقرر لك المفروض تعوز إيه. طبيعي تصعّبها.”
لف ناحيتها.
ميار قربت ووقفت قدامه.
قالت:
“بس إنت راجل كبير بيدير شركة اسمه على مبناها. اللي هي شايفة إن المفروض تعوزه، واللي إنت عايزه فعلًا، مسموح لهم يكونوا حاجتين مختلفتين.”
بص لها طويلًا.
قال:
“إنتِ دايمًا بتقولي بالضبط اللي بتفكري فيه.”
“تقريبًا دايمًا.”
“وده واحد من الحاجات اللي أنا…”
وقف.
الأوضة سكتت.
ميار استنت.
ماكملش.
بدل كده قال بهدوء:
“شكرًا يا ميار.”
طريقة نطقه لاسمها عملت فيها حاجة.
وكانت بتعمل كده بقالها أسابيع.
هي حطت الإحساس في ملف اسمه: راقبي، لا تتصرفي.
الملف كان بيطفح.
قالت:
“غيّر هدومك. عندنا شغل.”
غيّر هدومه.
واشتغلوا.
وهي ما فتحتش الملف.
لسه.
ليلة العرض، ميار لبست الجاكيت الجلد البني فوق فستان أسود طويل، بوت بكعب عريض، سلاسل دهب، وشعرها سايب وفيه دبوسين دهب صغيرين.
كان شكلها واحدة رايحة حاجة مهمة.
لأنها كانت فعلًا مهمة.
أدهم كان سألها بحذر عادي لو هتحضر.
قالت:
“هقعد قدام وأحرجك.”
قال:
“أنا مش محتاج مشجع.”
“حظك وحش.”
ماقالش حاجة.
لكن حاجة فيه ارتاحت.
وكان ده رد كفاية.
المكان كان مسرحًا صغيرًا متجددًا في الزمالك، حميم ودافي، فيه طوب مكشوف وإضاءة ناعمة وطاقة ناس جاية فعلًا عشان الفن.
ميار اختارت الصف التالت.
الصف الأول كان ضغط.
الصف التالت كان حضور.
العرض استمر ساعتين قبل فقرته. شافت كل حاجة. ثنائي رقص معاصر بيتحركوا كالمياه. شاعر جعل الصمت مقدس. فرقة رقص شارع تقنيتهم كانت صادمة لدرجة إن الجمهور ضحك من الانبهار.
ثم صعد المقدم للميكروفون.
“الفقرة القادمة… أدهم الكيلاني.”
المكان اتغير.
همهمة عدت بين الجمهور.
الكل يعرف الاسم.
الكل يعرف الشركة.
الكل يعرف الوش من المجلات والقنوات الاقتصادية وعناوين الصفقات الكبيرة.
وبعدين أدهم طلع على المسرح.
لابس أسود كله.
بنطلون مضبوط. تيشيرت أسود بكم طويل وخامة مميزة. كوتشي أسود اشتراه من مصمم مستقل في وسط البلد لأنه، حسب كلامه، “عملي”.
شعره كان خارج قليلًا عن كماله المعتاد.
وده خلاه يبدو حاضرًا.
إنسانًا.
الهمهمة زادت.
وقف في نص المسرح.
ثابت.
ميار عرفت الثبات ده.
شافته أسابيع.
اللحظة اللي قبل ما يلاقي الإذن.
بطل تؤدي الرقص.
ارقص وخلاص.
الموسيقى بدأت.
لمدة أربع دقائق وسبعتاشر ثانية، أدهم الكيلاني بطل يكون عنوانًا، ثروة، ابنًا، مديرًا تنفيذيًا، اسمًا على مبنى.
بقى راجل.
رقص بدقة، نعم. حركات القدم كانت مدمرة، والسيطرة واضحة. لكن الإحساس اللي تحت ده هو اللي فتح الأوضة. القطعة عدّت على التقييد، الغضب، الحزن، الفرح، ثم شيء يشبه التحرر. الجزء التالت، اللي كان كل مرة بيقصقصه، وصل كأنه باب اتفتح بركلة من جوه.
ميار حطت إيدها على فمها.
الجمهور كان ساكت.
مش لأنه محتار.
لأنه مخطوف.
عند الدقيقة التانية، شافت اللحظة اللي بطل فيها يدير الأداء ودخل فيه تمامًا.
عينيها اتمليت دموع.
وما مسحتهاش.
عند أربع دقائق وسبعتاشر ثانية، الموسيقى خلصت.
أدهم وقف.
ثبات تاني.
وبعدين المكان انفجر.
مش تصفيق مجاملة.
ضجة.
الناس وقفت قبل ما حتى تقرر. فرقة الرقص صرخوا من الجنب. الثنائي المعاصر صفقوا بإيديهم فوق راسهم. ست في الصف الأول كانت بتعيط علنًا.
ميار كانت واقفة كمان، بتصفق لحد ما كفوفها وجعتها.
أدهم بص للجمهور.
ولأول مرة من يوم ما عرفته، شافته يستقبل حاجة.
ما صدّهاش.
ما حللهاش.
ما سيطرش عليها.
استقبلها.
عينه لقت ميار في الصف التالت.
كانت بتبتسم وسط الدموع.
بص لها، وعدّى على وشه شيء ماكانش المفروض الغرباء يشوفوه.
راحة.
دهشة.
حنان مفتوح لدرجة إنه كاد يبعثرها.
جائزة أفضل أداء ماكانتش فيها منافسة.
لما أدهم استلم القطعة الخزفية الصغيرة، المصنوعة يدويًا والبسيطة والجميلة، وقف عند الميكروفون لحظة.
ثم قال:
“أنا كنت عايز أعمل ده من زمان. شكرًا إنكم سمحتوا لي.”
بس كده.
وكان كفاية.
الإنترنت لقى الفيديو قبل ما يخرج من المكان.
قبل نص الليل، كان في كل حتة.
الصبح، صفحات الفن والبيزنس اتكلمت عنه. صحفيين الاقتصاد حاولوا يبانوا مهنيين وفشلوا. التعليقات ظهرت بالعربي والإنجليزي والفرنساوي ولغات ميار ماعرفتهاش، وكلها بتقول نفس المعنى:
ماكانش عندي فكرة.
إزاي خبّى ده؟
شكله سعيد.
شكله حر.
نازلي الكيلاني اتصلت صباح اليوم التالي.
ميار ماكانتش موجودة وقت المكالمة.
سمعت عنها وهي قاعدة تشرب القهوة في مطبخ أدهم، لأن صباحات الأحد بقت واحدة من حاجاتهم الهادية الصغيرة.
قال أدهم بدقته المعتادة:
“قالت إن رد فعل الجمهور لم يكن كما توقعت.”
ميار مسكت المج بإيديها الاتنين.
“وده أقرب اعتراف منها إنها كانت غلطانة، صح؟”
“نعم.”
“خده.”
“أخدته.”
بصت له من ناحية الترابيزة.
الجائزة الخزفية كانت على رف وراه.
ضوء الصبح داخل بهدوء في الشقة.
سألته:
“حاسس بإيه؟”
سكت.
قال:
“حاسس إن في حاجة اتغيرت. كأن شيء كان مقفول واتفتح له هوا.”
هزت راسها.
قال:
“إذن.”
قالت:
“إنت اللي اديت لنفسك الإذن.”
“إنتِ ساعدتيني.”
“أنا قلت لك بطل توقف نفسك.”
بص لها وقتها.
بص بالكامل.
نفس التركيز اللي بيديه للحاجات المهمة فقط.
قال:
“ميار.”
“أدهم.”
حط القهوة.
إيديه كانوا ثابتين جدًا.
قال بحذر:
“أنا عايز اللي بينا ده… يبقى له اسم.”
قلبها عمل حاجة مافيش لغة شركات تقدر توصفها.
قالت:
“هو له اسم بالفعل.”
قال:
“الاسم اللي أقصده… مش صداقة.”
المدينة كانت بتتحرك تحتهم، ضخمة وغير مهتمة.
الصباح حبس نفسه.
قالت بهدوء:
“لا. مش صداقة.”
مد إيده فوق الترابيزة وحطها على إيدها.
هي قلبت إيدها ومسكته.
قال:
“أنا عمري ما عملت ده قبل كده.”
“أنهي جزء؟”
“أي جزء.”
ماكانش اعتذار.
كان حقيقة.
ميار ابتسمت وقتها. الابتسامة الحقيقية. اللي بتغيّر الأوض. نفس الابتسامة اللي ادتهاله أول صباح مستحيل، لما قفشت أبرد مدير تنفيذي في مصر بيرقص لوحده، واتخذت أفضل قرار سيئ في حياتها المهنية.
قالت:
“حلو إني قلت لك بطل توقف نفسك.”
بص لها كأنها كلمة كان بيدور عليها من سنين.
قال:
“حلو فعلًا.”
بعد ست شهور، محدش في الكيلاني جروب قدر يمثل إنه مش عارف.
مش بعد ما أدهم وميار حضروا حفلة مستشفى الأطفال مع بعض، وضحك على حاجة همستها له أثناء المزاد الخيري.
ومش بعد ما دانيال حدّث جدول المدير التنفيذي وأضاف مواعيد متكررة باسم “شخصي”، وتحدى أي حد يسأله.
ومش بعد ما أدهم موّل منحة فنون للشباب اللي محتاجين أماكن تدريب للرقص، مش كدعاية، لكن لأنه عرف معنى إن الموهبة تستخبى في أوض مقفولة.
نازلي الكيلاني دعت ميار للغدا في النهاية.
كان غدا مرعبًا وراقيًا كما توقعت.
في آخره، بصت نازلي من الناحية التانية للترابيزة وقالت:
“ابني يبدو أخف.”
ميار حطت الكوباية.
قالت:
“هو فعلًا أخف.”
سكتت نازلي لحظة.
“هل تنسبين الفضل لنفسك؟”
قالت ميار:
“لا. أنا فقط رأيته.”
نازلي بصت لها طويلًا.
ثم قالت بهدوء:
“وربما هذا فضل أكبر مما تدركين.”
ميار ماقالتش لأدهم الجزء ده غير بعدين.
لما قالت له، سكت فترة.
وبعدين مسك إيدها.
وفي هدوء شقته، والمدينة بتلمع تحتهم، والجائزة على الرف، والموسيقى مستنية في أوضة التمرين، واتناشر سنة من الرغبة المخفية أخيرًا بتتنفس في الهوا…
أدهم الكيلاني ماعادش يشبه راجل بيطلب إذن عشان يريد.
هو أراد.
ورقص.
وأحب.
والمرة دي…
ماوقفش نفسه.
النهاية.

تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *