صرخة ليلي حكايات اسما

عاد إلى البيت قبل موعده بأسبوع كامل دون أن يخبر أحدًا، فقط ليُفاجئ طفليه… لكن المشهد المرعب الذي اكتشفه لحظة دخوله الحديقة الخلفية جمّد الدم في عروقه بالكامل
الجزء الأول
كان عمر المنياوي، في الواحد والأربعين من عمره، واحدًا من أشهر رجال الأعمال في مصر، والمدير التنفيذي لإحدى أكبر شركات الشحن والنقل البحري في الشرق الأوسط، ومقرها داخل الأبراج الزجاجية الضخمة في القاهرة الجديدة. لكن خلف النجاح والثروة والسيارات الفارهة، كان يخفي جرحًا لم يلتئم أبدًا.
بعد وفاة زوجته “سارة” بمرض خبيث لم يمهلها طويلًا، انهار عالم عمر بالكامل. ولم يبقَ له في الدنيا سوى طفليه: ياسين، الطفل الهادئ ذو التسع سنوات، والصغيرة ليلى، ذات الستة أعوام، التي كانت تشبه أمها بشكل موجع.
أقسم عمر لنفسه أنه مهما انشغل أو تعب، فلن يسمح أبدًا أن ينقص أبناءه شيء واحد. كبر الطفلان داخل فيلا فخمة في التجمع الخامس، محاطين بالخدم، والسائقين، وغرفة ألعاب ضخمة، وحديقة واسعة مليئة بالياسمين الذي كانت سارة تعشقه.
مرّ عامان على وفاة زوجته، ومع ضغط العائلة والمقربين، اقتنع عمر أخيرًا أن أبناءه يحتاجون امرأة تعيد الدفء إلى البيت.
وهكذا دخلت “ريم الكيلاني” حياته.
كانت ريم مشهورة على السوشيال ميديا، جميلة بشكل يخطف الانتباه، تتحدث بنعومة، وتعرف جيدًا كيف تجعل الجميع يثقون بها خلال دقائق.
في أول مرة دعاها عمر إلى الفيلا لتتعرف على الطفلين، جلست ريم أمام ليلى وربتت على شعرها بلطف مصطنع، ثم قالت بابتسامة دافئة: ـ “ماتخافيش يا حبيبتي… أنا يمكن مش مامتك، بس أوعدك إني أحبك وأحافظ عليكي كأنك بنتي.”
أما والدتها، “مدام سهير”، فكانت تبتسم بهدوء وهي تقول: ـ “البيت ده محتاج روح من جديد… وإحنا هنخلي الأطفال يعيشوا مبسوطين. شوف شغلك وإنت مرتاح.”
وعمر… صدق كل شيء.
صدق دموع ريم وهي تتكلم عن الأمومة. صدق حنانها المصطنع. وصدق أن الله ربما أرسل له فرصة جديدة بعد سنوات الحزن.
قبل ثلاثة أشهر، اضطر للسفر إلى دبي ثم لندن بسبب صفقة توسع ضخمة لشركته. وقبل سفره بيوم، وقف في الصالة ينظر لطفليه بحنين، ثم التفت إلى ريم ووالدتها وقال: ـ “هغيب حوالي تلات شهور… أغلى حاجة عندي أمانة في رقبتكم.”
ابتسمت ريم وأمسكت يده قائلة: ـ “لما ترجع… هتلاقيهم أسعد من الأول.”
نجحت الصفقة بشكل أكبر مما توقع، وانتهت الاجتماعات قبل موعدها بأسبوع كامل.
لم يستطع عمر مقاومة شوقه لطفليه، فقرر العودة دون أن يخبر أحدًا ليصنع لهما مفاجأة.
في المطار، اشترى لياسين لعبة إلكترونية نادرة كان يحلم بها، واشترى لليلى عروسة كبيرة بفستان وردي، أما ريم فاشترى لها عقد ألماس باهظ الثمن.
لكن أول ما وصل إلى الفيلا… شعر بشيء غريب.
الصمت.
لم تكن هناك موسيقى. ولا صوت تلفاز. ولا ضحكات الأطفال التي اعتاد سماعها حتى من خارج الباب.
حتى العمال والخدم لم يظهر منهم أحد.
نزل من السيارة ببطء، وبدأ قلبه ينقبض دون سبب واضح.
ثم سمع الصوت.
صرخة حادة قادمة من الحديقة الخلفية.
أسرع بخطواته عبر الممر الحجري، حتى وصل إلى القوس الكبير المؤدي للحديقة…
وهناك…
تجمد مكانه تمامًا.
كانت ليلى واقفة تحت المطر، ترتدي بيجامة خفيفة، ووجهها مغطى بالطين والدموع.
أما ياسين… فكان راكعًا على الأرض، ويداه مرفوعتان فوق رأسه كأنه يحاول حماية نفسه.
وفي المقابل…
كانت ريم تمسك خرطوم المياه وتصرخ بجنون: ـ “هتفضلوا متربين بالطريقة دي لحد ما تتعلموا الأدب!”
بينما كانت أمها، مدام سهير، تقف بجوارها وهي تقول ببرود: ـ “ارمي عليهم الميه أكتر… دول لازم يتكسر غرورهم.”
عمر شعر أن قلبه توقف.
الأكياس سقطت من يده فوق الأرض.
العروسة الوردية تدحرجت وسط المطر. وعقد الألماس ارتطم بالحجر.
ليلى رفعت رأسها فجأة… وما إن رأته حتى شهقت: ـ “بابا!”
الصوت خرج منها مرعوبًا… لا سعيدًا.
وهذا وحده كان كافيًا ليقت*ل شيئًا داخله.
ريم التفتت بسرعة.
وفي اللحظة التي رأت فيها عمر واقفًا أمامها… اختفى اللون من وجهها بالكامل….
لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد

صرخة ليلى اخترقت قلب عمر كالسهم.

لم تكن صرخة طفلة رأت والدها بعد غياب طويل… بل صرخة إنسان صغير رأى النجدة أخيرًا بعد عذاب لم يعد يحتمله.

تجمدت ريم للحظة، وخرطوم المياه ما زال يرتجف بين يديها، بينما كانت المياه الباردة ت*ض*رب جسد ياسين الصغير الذي بدا أضعف بكثير مما تركه عمر قبل سفره.

أما مدام سهير، فابتلعت ريقها بسرعة وهي تحاول تعديل تعبير وجهها، ثم قالت بصوت مرتبك: ـ “عمر؟! إنت… رجعت بدري؟”

لكن عمر لم يرد.

كان ينظر فقط.

ينظر إلى ابنه الذي يرتجف فوق الأرض، وإلى ابنته التي كانت حافية القدمين والطين يغطي ساقيها الصغيرتين، وإلى آثار حمراء واضحة على ذراعها.

شيء مظلم انفجر داخله دفعة واحدة.

تقدم ببطء نحو ليلى أولًا، خلع سترته فورًا ولفها حولها، ثم انحنى وهو يمسك وجهها المرتجف بين يديه: ـ “مين عمل فيكي كده؟”

لكن ليلى لم تتكلم.

فقط انفجرت بالبكاء وألقت نفسها داخل حضنه بقوة حتى كادت تخنقه بذراعيها الصغيرتين.

وعمر شعر وقتها أن قلبه يتمزق.

أما ياسين… فلم يتحرك.

ظل راكعًا كما هو، كأنه تعود ألا يتحرك إلا بإذن.

وهنا فقط لاحظ عمر شيئًا مرعبًا…

الطفل كان يرتجف كلما اقترب صوت خطوات ريم.

اقترب منه بسرعة: ـ “ياسين… حبيبي… قوم.”

لكن ياسين رفع رأسه ببطء شديد، وعيناه مليئتان بالخوف، ثم همس: ـ “أنا آسف يا بابا… والله ما غلطت.”

الجملة سحقت روح عمر بالكامل.

أي طفل يقول لوالده “أنا آسف” بهذه الطريقة… هو طفل يعيش في رعب دائم.

وقف عمر ببطء.

ثم استدار نحو ريم.

كانت تحاول التماسك وهي تقول بسرعة: ـ “إنت فاهم غلط… الأطفال كانوا بيعملوا مصيبة وأنا كنت بعاقبهم بس.”

مدام سهير تدخلت فورًا: ـ “الأولاد لازم يتربوا يا عمر. الدلع الزايد بيبوظهم.”

عمر نظر إليها نظرة جعلتها تتراجع خطوة كاملة للخلف.

ثم قال بصوت منخفض بشكل مرعب: ـ “مين لمس أولادي؟”

الصمت سقط فوق الحديقة.

ريم حاولت الاقتراب منه: ـ “حبيبي اسمعني…”

لكنه أبعد يدها بعنف حتى كادت تسقط.

أول مرة يلمسها بهذه القسوة.

صرخت: ـ “إنت اتجننت؟!”

لكنه لم يكن يسمعها أصلًا.

كل ما كان يراه أمامه هو صورة سارة…

زوجته الراحلة…

كيف كانت تحتضن الأطفال وتبكي لو خدش صغير أصاب أحدهما.

كيف أقسم لها قبل م*وتها أنه سيحميهما مهما حدث.

وها هو يعود ليجد أبناءه يُعذبون داخل بيته.

داخل البيت الذي ائتمنهم عليه.

فجأة، خرج صوت خافت من خلف الأشجار: ـ “بيـه…”

التفت عمر بسرعة.

كانت “أمينة”، الخادمة القديمة التي خدمت سارة لسنوات طويلة.

بدت مرعوبة، وعيناها حمراوان من البكاء.

اقتربت بخوف وهي تهمس: ـ “أنا حاولت أمنعهم والله… بس هددوني بالطرد.”

عمر نظر إليها بصمت.

ثم قالت الجملة التي غيرت كل شيء: ـ “دي مش أول مرة.”

شعر عمر كأن الأرض تميد تحته.

اقترب منها خطوة: ـ “يعني إيه؟”

أمينة بدأت تبكي: ـ “بعد ما حضرتك سافرت… كل حاجة اتغيرت. الهانم كانت بتزعق للأطفال طول الوقت… وكانت بتحبسهم بالساعات. والأستاذ ياسين بطل ينزل المدرسة أسبوع كامل بعد ما…”

توقفت فجأة وهي تنظر نحو ريم بخوف.

لكن عمر صرخ: ـ “بعد ما إيه؟!”

أمينة شهقت: ـ “بعد ما ض/ربته بالحزام.”

ليلى بدأت تبكي بقوة أكبر.

أما ياسين… فخفض رأسه في صمت مخيف.

وعمر شعر أن شيئًا أسود يغطي عينيه.

التفت ببطء نحو ريم.

كانت ترتجف الآن: ـ “هي بتكدب! الخدامة دي بتكرهني من أول يوم!”

لكن أمينة أخرجت هاتفًا قديمًا من جيبها المرتعش وقالت: ـ “صورت علشان محدش يصدقني بعد كده.”

فتحت الفيديو.

وفي اللحظة التالية…

تجمد عمر بالكامل.

الفيديو كان لياسين.

الطفل واقف داخل المطبخ يبكي بينما ريم تصرخ فيه بعنف: ـ “إنت فاكر إن أبوك بيحبك؟! أبوك عمره ما هيختارك لو جبتله طفل جديد!”

ثم ظهرت وهي تدفعه بقوة ليسقط فوق الأرض.

بعدها مباشرة ظهر صوت ليلى وهي تصرخ: ـ “سيبيه!”

ثم انقطع الفيديو فجأة.

الصمت تحول إلى شيء خانق.

ريم شهقت: ـ “أنا… أنا كنت متعصبة بس!”

لكن عمر لم يعد يسمع شيئًا.

اقترب منها خطوة.

ثم خطوة.

حتى أصبحت خلفها مباشرة.

لأول مرة منذ سنوات… بدا كرجل مخيف فعلًا.

رجل بنى إمبراطورية كاملة بوجه لا يعرف الرحمة.

قال بصوت بارد: ـ “طلعي بره بيتي.”

ريم رمشت بصدمة: ـ “إيه؟”

ـ “إنتِ وأمك… بره.”

مدام سهير صرخت فورًا: ـ “إنت متقدرش تعمل كده! ريم مراتك!”

لكنه انفجر أخيرًا: ـ “مـراتي ماتت من سنتين!”

الصوت دوى في أنحاء الحديقة كلها.

حتى المطر بدا وكأنه توقف للحظة.

عمر أكمل وهو يشير نحو الباب: ـ “الست اللي كنت فاكرها هتحمي أولادي طلعت بتعذبهم.”

ريم بدأت تبكي فجأة وهي تمسك ذراعه: ـ “أنا بحبك يا عمر!”

لكنه نظر إلى يدها فوقه وكأنها شيء مقزز.

ثم قال ببطء: ـ “اللي بيحبني… عمره ما يؤذي قطعة مني.”

في تلك اللحظة، ركضت ليلى نحوه وتمسكت بساقه وهي ترتجف: ـ “بابا… متسبناش تاني.”

الجملة كسرت آخر جزء ثابت داخله.

انحنى فورًا وحملها بين ذراعيه، ثم مد يده الأخرى نحو ياسين: ـ “تعالى يا بطل.”

لكن ياسين لم يتحرك.

ظل ينظر نحو ريم بخوف حقيقي.

وهنا فهم عمر الكارثة.

ابنه أصبح يخاف من مجرد الحركة دون إذن.

اقترب منه أكثر: ـ “محدش هيأذيك تاني. أقسم بالله.”

تردد ياسين لثوانٍ طويلة…

ثم أخيرًا اندفع نحو والده فجأة وانهار باكيًا داخل حضنه.

وعمر احتضنهما معًا تحت المطر، بينما دموعه اختلطت بالمياه لأول مرة منذ جنازة سارة.

أما ريم… فكانت تنظر إلى المشهد وعيناها مليئتان بالرعب.

لأنها أدركت أن الرجل الذي خدعته لسنوات… اختفى تمامًا.

والذي يقف أمامها الآن ليس عاشقًا أعمى.

بل أب جريح.

وذلك أخطر شيء في العالم.

بعد أقل من ساعة، كانت الفيلا كلها تتحول إلى ساحة توتر مرعبة.

وصل رجال الأمن الخاص بعمر، وتم طرد جميع العاملين الذين تستروا على ما حدث أو التزموا الصمت.

أما ريم ووالدتها، فرفضتا المغادرة في البداية.

مدام سهير كانت تصرخ داخل الصالة: ـ “إحنا لينا حق هنا! بنتي مراتك!”

لكن عمر كان جالسًا على ركبتيه أمام المدفأة، يلف البطانية حول ليلى التي لم تتوقف عن الارتجاف.

وياسين يجلس بجواره بصمت، يمسك طرف قميص والده كأنه يخشى اختفاءه مرة أخرى.

رفع عمر عينيه أخيرًا نحو الحراس وقال بهدوء: ـ “لو ما خرجوش دلوقتي… اتصلوا بالشرطة.”

وهنا فقط تبدل كل شيء.

ريم اقتربت منه بسرعة، ركعت أمامه وهي تبكي بانهيار: ـ “أنا غلطت… بس والله بحاول أتعلم أكون أم.”

عمر نظر إليها طويلًا.

ثم سألها سؤالًا واحدًا: ـ “ليلى كانت بتعيط وهي بتترش بالمية… ليه كنتِ مبتسمة؟”

ريم فتحت فمها…

لكن لم يخرج أي صوت.

لأنها لم تجد إجابة.

وفي تلك اللحظة، خرج صوت صغير من خلف عمر.

ليلى.

كانت تنظر إلى ريم بعينين ممتلئتين بالرعب، ثم همست: ـ “هي كانت بتقول إن ماما ماتت علشان ترتاح مننا.”

الصمت بعدها كان أبشع من أي صراخ.

حتى الحراس تبادلوا النظرات بصدمة.

أما عمر…

فأغلق عينيه للحظة طويلة جدًا.

وحين فتحهما مجددًا، لم يعد فيهما أي دفء.

أشار بيده نحو الباب وقال: ـ “خدوهم بره.”

بدأت ريم تصرخ وتقاوم، لكن رجال الأمن سحبوها هي ووالدتها بالقوة نحو الخارج.

وقبل أن يُغلق الباب، التفتت ريم فجأة وهي تصرخ بجنون: ـ “إنت فاكر إن أولادك ملايكة؟! اسأل ابنك كان بيعمل إيه في أوضة المكتب!”

الجملة جعلت عمر يتجمد.

ياسين ارتعش فورًا.

ولأول مرة منذ عودته… ظهر الذعر الحقيقي على وجه الطفل.

عمر نظر إليه ببطء: ـ “ياسين؟”

لكن الطفل شحب وجهه فجأة، وبدأ يتراجع للخلف وهو يهمس: ـ “أنا… أنا آسف.”

ثم ركض نحو الطابق العلوي بأقصى سرعة.

وعمر شعر أن هناك كابوسًا أكبر لم ينتهِ بعد… بل ربما بدأ للتو.

 

تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *