حقيقه مؤلمه حكـايـات أسمـا ×2
بعد ست شهور…
المطر كان بينزل بهدوء على شوارع القاهرة، والساعة كانت داخلة على عشرة بالليل لما سلوى كانت قاعدة في البلكونة الصغيرة بتاعتها، لابسة شال صوف خفيف، وماسكة كوب شاي بالنعناع بإيديها الاتنين.
لأول مرة من سنين… الليل ماكانش مخيف.
مافيش فواتير متكومة فوق الترابيزة.
مافيش مكالمات من المدرسة.
مافيش قلق على ابن ممكن يتصل في أي لحظة يقول: “محتاج فلوس ضروري.”
حياتها بقت أهدى… لكن الهدوء ساعات كان بيكشف وجع أعمق.
لأنها مهما حاولت تقنع نفسها إنها اتخطت اللي حصل… كانت لسه كل ما تفتكر ليلة الفرح، تحس بحاجة بتشد قلبها من جواه.
رن الجرس.
قامت بهدوء وفتحت الباب.
كريم.
واقف قدامها بشعر مبلول من المطر، ماسك كيسين خضار وعلبة دوا.
قال بابتسامة خفيفة: — الصيدلية اللي تحت كانت هتقفل… جبتلك دوا الضغط.
بصتله ثواني.
في وقت من الأوقات، كانت هتموت من الفرحة على تصرف بسيط زيه.
دلوقتي… بقت حذرة.
لكنها أخدت الكيس بهدوء وقالت: — ادخل.
دخل وهو يبص حواليه كعادته الجديدة… كأنه كل مرة بيحاول يحفظ تفاصيل البيت من أول وجديد.
البيت اللي زمان كان بيعتبره “بسيط ومحرج” بقى المكان الوحيد اللي يحس فيه بالأمان.
حط الخضار على الرخامة وقال: — جبنالك كمان البرتقال اللي بتحبيه.
رفعت حاجبها: — غالي اليومين دول.
ضحك بخفة: — أهو بنتعلم يعني إن الفلوس بتتعب علشان تيجي.
الكلام كان بسيط… لكن سلوى لاحظت التغيير.
زمان، كريم ماكنش يعرف أسعار أي حاجة.
مايعرفش اللبن بكام.
ولا أنبوبة البوتاجاز سعرها إيه.
ولا يعني إيه حد يقعد يحسب آخر الأسبوع علشان يعرف يكمل للشهر.
دلوقتي بقى يعرف.
الحياة علمته بسرعة قاسية.
دخلت المطبخ تحضر الأكل، وكريم فضل واقف يراقبها شوية قبل ما يقول بتردد: — ماما…
توقفت إيديها للحظة.
الكلمة لسه بتوجعها.
خصوصًا بعد ما حاول ينكرها قدام الناس.
لكنها ماعلقتش.
قال وهو يبص للأرض: — ياسمين رفعت قضية خلع.
ماستغربتش.
ولا حتى اتصدمت.
ردت بهدوء وهي بتقطع الخيار: — كنت متوقع إيه؟
ضحك ضحكة قصيرة كلها مرارة. — كنت متخيل إنها بتحبني.
سلوى بصتله أخيرًا.
وشه كان مرهق بطريقة ماكانتش موجودة زمان. تحت عينيه هالات غامقة، ودقنه طالعة بشكل عشوائي، والغرور اللي كان مالي ملامحه اختفى تقريبًا.
قال بصوت منخفض: — طلع كل اللي كانوا حواليا بيحبوا النسخة اللي معاها فلوس بس.
سلوى رجعت تبص للسلطة وقالت بهدوء: — أهو يمكن دي أول مرة تشوف الناس بجد.
سكت شوية، وبعدها قال: — وإنتِ؟… لسه زعلانة مني؟
السؤال كان طفولي بشكل وجعها.
حطت السكينة على الرخامة ببطء وقالت: — أنا زعلت منك يوم الفرح بس؟
لف ناحيتها.
كملت بهدوء: — أنا كنت بتكسر حتة حتة من سنين يا كريم… وإنت ماكنتش واخد بالك.
سكت.
ماقدرش ينكر.
لأنها عندها حق.
افتكرت أول مرة رجع البيت من الجامعة رامي شنطته بعصبية وقالها: — ماتجيش الكلية تاني لو سمحتي… شكلك بيحرجني قدام صحابي.
وقتها ضحكت وقالت إنها مش زعلانة.
لكنها عيطت طول الليل بعد ما نام.
وافتكرت يوم ما اشترتله بدلة التخرج بالقسط، وبعد الحفلة أخد صور مع أهل صحابه كلهم… إلا هي.
قال وقتها إنه “اتسحب بسرعة”.
وكانت بتصدق.
دايمًا بتصدق.
لأن الأم أحيانًا بتكذب على نفسها علشان قلبها يستحمل.
قال كريم بصوت مبحوح: — أنا كنت غبي.
ردت بهدوء: — لا… كنت أناني.
الكلمة نزلت عليه تقيلة.
لكن لأول مرة… ماحاولش يدافع عن نفسه.
بعد العشا، قام يساعدها يشيل الأطباق.
قالت باستغراب خفيف: — إيه ده؟ معجزة؟
ابتسم بحرج: — أهو بنحاول نكفر عن الماضي.
ولأول مرة من سنين…
البيت حس دافي بطريقة طبيعية.
مش لأن كل حاجة اتصلحت.
لكن لأن الأقنعة وقعت.
بعد أسبوع…
سلوى كانت قاعدة في محل صغير لبيع الأدوات الفنية.
واقف قدامها راجل في أوائل الستينات، شعره أبيض خفيف ونظارته على طرف مناخيره، بيبصلها بابتسامة هادية.
قال: — واضح إنك محتارة بين نوعين الألوان.
ضحكت بخفة: — باين عليا؟
— جدًا.
كان اسمه عادل.
أرمل من خمس سنين، ومدرس رسم متقاعد.
بدأ الكلام صدفة عن الألوان… وبعد نص ساعة كانوا قاعدين يشربوا قهوة في الكافيه اللي جنب المحل.
سلوى ماافتكرتش آخر مرة ضحكت فيها وهي مرتاحة كده.
من غير خوف.
من غير ما تكون مطلوبة منها حاجة.
عادل كان بيسمع فعلًا.
ماكانش بيقاطعها.
ماكانش بيقلل من نفسها.
ولما عرف إنها كانت بتربي ابنها لوحدها، قال بإعجاب صادق: — الستات اللي زيك نادرين.
الجملة البسيطة دي هزتها أكتر من المتوقع.
لأنها قضت عمرها كله تسمع إنها “أوفر” و”متحكمة” و”لازمة تخف تعلق بابنها.”
وفي نفس الليلة…
كريم عدى عليها فجأة.
ولأول مرة لقى أمه لابسة فستان بسيط وكاتمة ضحكتها وهي بتبص للموبايل.
رفع حاجبه: — في إيه؟
ارتبكت للحظة… وده ماكنش شبهها.
قالت بسرعة: — مافيش.
لكن عينه لمحت الاسم على الشاشة.
“أستاذ عادل.”
سكت ثواني.
وبعدين قال بنبرة غريبة: — مين عادل؟
بصتله باستغراب. — واحد صاحبي.
“صاحبي.”
الكلمة ضربته فجأة بإحساس مش مفهوم.
يمكن لأنه عمره ما تخيل إن أمه ممكن يكون عندها حياة خارج دايرته.
خارج دور “الأم”.
قال بتردد: — صاحب إزاي يعني؟
ضحكت لأول مرة وهي شايفة غيرته الطفولية. — زي ما أي بني آدم عنده أصحاب يا كريم.
اتضايق من نفسه… لكنه ماقدرش يمنع الإحساس اللي طلع جواه.
الخوف.
لأنه فجأة بدأ يستوعب قد إيه كان واخدها كأمر مسلم بيه.
ثابتة.
موجودة.
مستنية.
لكن دلوقتي… أمه بتتغير.
وبتبعد عن الدور اللي حبسها فيه عمر كامل.
بعدها بأيام…
كريم كان قاعد في شغله الجديد، مكتب صغير في شركة متواضعة، لما شاف صورة نازلة على فيسبوك.
سلوى.
واقفة في معرض رسم صغير، لابسة أبيض، وبتضحك جنب لوحاتها.
وعادل واقف جنبها مبتسم.
فضل باصص للصورة وقت طويل.
حاسس بحاجة غريبة في صدره.
مش غيرة كرجل.
لكن خوف طفل.
الخوف إنه يفقد الشخص الوحيد اللي فضل يحبه مهما عمل.
وفجأة افتكر نفسه وهو صغير، لما كان يصحى بالليل يجري على أوضتها علشان يتأكد إنها لسه موجودة.
“إنتِ هتسيبيني أنا كمان؟”
نفس السؤال القديم رجع يرن في ودنه.
وفي اللحظة دي…
استوعب أبشع حاجة عملها.
هو خلاها تحس بنفس الخوف ده يوم الفرح.
خلاها تحس إنها مش مرغوب فيها.
ولا مهمة.
ولا حتى “مناسبة.”
في الليل، راحلها من غير ما يتصل.
فتحت الباب باستغراب: — كريم؟ خير؟
دخل وهو متوتر بشكل واضح.
قال فجأة: — إنتِ سعيدة؟
تفاجأت من السؤال.
— أعتقد آه.
بلع ريقه. — يعني… مش محتاجاني؟
الصمت نزل بينهم تقيل.
وسلوى أخيرًا فهمت.
هو مش خايف من عادل.
هو خايف من الاستغناء.
نفس الرعب اللي عاشه وهو طفل في دار الرعاية.
قربت منه بهدوء وقالت: — بص يا كريم… أنا هفضل أحبك طول عمري. بس الحب مش معناه إن حياتي تقف عليك.
عينه لمعت بوجع.
كملت: — أنا ضيعت سنين فاكرة إن الأم الكويسة لازم تلغي نفسها… بس اكتشفت متأخر إن ده بيخلق أبناء أنانيين، وأمهات مكسورة.
نزل رأسه.
وقالت بابتسامة حزينة: — وأنا تعبت من الكسر.
دموعه نزلت بصمت.
— أنا آسف إني أخدتك كأمر مضمون.
مدت إيدها لمست خده لأول مرة من شهور. — وأنا آسفة إني علمتك إنك تقدر تعمل كده من غير عواقب.
الاتنين سكتوا.
لكن لأول مرة…
السكوت ماكانش مليان غضب.
كان مليان فهم.
ومع مرور الشهور…
العلاقة بينهم بدأت تتبني من جديد.
مش كأم بتضحي بكل حاجة وابن بياخد من غير حساب.
لكن كبني آدمين بيتعلموا يحبوا بعض بشكل صحي.
كريم بدأ يزور دار الأيتام اللي اتربى فيها.
بدأ يتبرع بوقته، مش فلوسه بس.
وبقى كل ما يشوف طفل متعلق في هدوم المشرفة بخوف… قلبه يوجعه.
لأنه أخيرًا فهم الطفل اللي كان جواه.
أما سلوى…
ففي يوم شتوي دافي، كانت قاعدة في معرضها الصغير، وعادل بيعلق لوحة جديدة على الحيطة، لما تليفونها رن.
كريم.
ردت بابتسامة: — أيوه يا حبيبي؟
وصوته جه دافي وهادي: — كنت بس عايز أقولك حاجة.
— إيه؟
سكت لحظة… وبعدها قال بصوت مكسور خفيف:
— شكرًا إنك اخترتيني وأنا صغير… حتى بعد كل اللي عملته.
دموعها نزلت بهدوء.
لكن المرة دي…
ماكانتش دموع وجع.
كانت دموع أم أخيرًا…
ابنها اتعلم يشوفها.
يتبع