عوده من الماضي حكـايـات أسمـا ×3
قبل شروق الشمس بساعتين كان سيف الشاذلي واقفًا أمام النافذة الزجاجية الضخمة في مكتبه أعلى برج الشاذلي للأعمال بينما بدت القاهرة تحته كبحر من الأضواء البعيدة لكن للمرة الأولى منذ سنوات لم يكن يفكر في العقود ولا الأسهم ولا الاجتماعات ولا الأرباح كان يفكر في طفل صغير أعطاه ملصق ديناصور لأنه ظن أنه حزين فقط كان يفكر في طفل آخر يراقبه بنفس النظرة الهادئة التي كان ينظر بها إلى العالم عندما كان في الخامسة كان يفكر في خمس سنوات كاملة سُرقت منه دون أن يعلم ثم أغلق عينيه بقوة عندما تذكر وجه ليلى وهي تقول له في المول “إنت ما سألتش أصلًا” لأن تلك الجملة كانت أقسى من كل الملفات التي اكتشفها وأثقل من كل الخيانات التي عرفها
في الجهة الأخرى من المدينة كانت ليلى تجلس على سريرها بينما نام آدم وعمر داخل غرفتهما أخيرًا لكن النوم رفض الاقتراب منها كانت تمسك إحدى الصور القديمة التي وجدتها داخل الظرف الذي أعطتها إياه نادية صورة حديثة لوالدها كان شعره قد اشتعل بالشيب أكثر مما تتذكر وكانت التجاعيد تملأ وجهه لكن عينيه بقيتا كما هما نفس العينين اللتين كانتا تلمعان فخرًا كلما نظر إليها وهي صغيرة شعرت بحرقة في صدرها وهي تتخيل كم مرة جلس وحده يتمنى رؤيتها وكم مرة حاول الاتصال بها ثم تذكر التهديد الذي أخبرتها به نادية فشعرت بالغضب يعود من جديد
أما نادية الشاذلي فلم تكن تنام هي الأخرى كانت جالسة وحدها داخل جناحها الكبير في القصر تتأمل صورة زوجها الراحل المعلقة فوق المدفأة الرخامية وتدرك أن كل شيء ينهار كانت تعلم أن عودة والد ليلى تعني نهاية اللعبة وأن المستندات التي يحتفظ بها المحامي قادرة على تدميرها تمامًا لكنها لم تكن خائفة على نفسها بقدر خوفها من نظرة ابنها تلك النظرة التي رأتها في عينيه للمرة الأولى عندما واجهها بالحقيقة كانت تعرف أن المال يمكن تعويضه والسمعة يمكن ترميمها أما ثقة الابن إذا ماتت فلا تعود أبدًا
مر يومان كاملان دون لقاء جديد بين سيف وليلى لكن شيئًا كان يتغير خلال هذين اليومين سيف لم يتوقف عن المتابعة لم يرسل محققين ولم يفرض مراقبة ولم يستخدم نفوذه بل كان يكتفي بالجلوس داخل سيارته أحيانًا بعيدًا عن مدرسة الطفلين يشاهدهما وهما يخرجان في نهاية اليوم كان يراهما يركضان نحو ليلى ويقفزان في حضنها فيشعر بشيء يعتصر قلبه ثم يعود إلى سيارته دون أن يقترب
وفي مساء اليوم الثالث حدث ما لم يكن يتوقعه
كان عمر يلعب بالكرة أمام المنزل بينما كان آدم يجلس على الدرج يقرأ كتابًا صغيرًا عندما انطلقت الكرة فجأة نحو الشارع الرئيسي وفي اللحظة نفسها كانت سيارة مسرعة تقترب
صرخ آدم
وصرخت ليلى التي كانت تخرج من الباب
لكن شخصًا آخر كان أقرب
سيف
لم يفكر
لم يتردد
اندفع نحو الطريق بكل قوته وخطف عمر قبل ثوانٍ من وصول السيارة
توقفت السيارة بعنف وسط أصوات الفرامل
وسقط سيف أرضًا وهو يحتضن الطفل بقوة
ركضت ليلى نحوهما وقلبها يكاد يخرج من صدرها
أما عمر فكان يبكي من الخوف
ظل سيف يحتضنه لثوانٍ طويلة قبل أن يهمس
“أنت كويس؟”
هز الطفل رأسه
ثم فجأة لف ذراعيه الصغيرتين حول عنق سيف
وكانت تلك أول مرة يلمسه فيها بهذه الطريقة
أول مرة يحتضنه فيها ابنه دون أن يعرف الحقيقة
شعر سيف بأن العالم كله توقف
أما ليلى فوقفت صامتة تنظر إلى المشهد غير قادرة على الكلام
في تلك الليلة لم يسأل عمر كثيرًا عن الرجل الذي أنقذه لكنه قال جملة واحدة قبل النوم جعلت ليلى تجلس في مكانها طويلًا بعد أن أغلق عينيه
قال
“الراجل ده طيب يا ماما”
ولم تعرف كيف ترد
في صباح اليوم التالي وصلت رسالة إلى هاتف سيف
لم تكن من ليلى
بل من المحامي الذي عاد مع والدها
كانت الرسالة قصيرة
“حان الوقت”
وبعد ساعات قليلة انعقد اجتماع داخل مقر المجموعة
اجتماع حضره أعضاء مجلس الإدارة والمحامون والمراجعون الماليون
وكانت نادية الشاذلي حاضرة
دخلت بثبات حاولت الحفاظ عليه
لكنها عندما رأت الرجل الذي دخل خلف المحامي شعرت بأن الدم ينسحب من وجهها
والد ليلى
حيًا
يقف أمام الجميع
ساد الصمت داخل القاعة
ثم بدأ الرجل الكلام
روى كل شيء
كيف استدعته نادية قبل سنوات
كيف أخبرته أن ابنته ستُدمر إذا لم يوافق
كيف عرضت عليه المال
كيف هددته بالنفوذ
كيف أجبرته على الرحيل
وكيف ظل يراقب حياة ابنته من بعيد عاجزًا عن الاقتراب منها
كان صوته يرتجف أحيانًا لكنه لم يتوقف
أما سيف فكان يستمع وكأن كل كلمة خنجر جديد
ثم جاء دور المحامي
وأخرج المستند الأخير
المستند الذي أخفته نادية سنوات طويلة
كان عبارة عن سلسلة تحويلات مالية ضخمة تمت من حسابات تابعة للمجموعة
لكنها لم تُسجل كمصروفات رسمية
ولم يوافق عليها مجلس الإدارة
ولم يكن سيف يعلم عنها شيئًا
تجاوز مجموعها مائة وثمانية وعشرين مليون جنيه
وكلها استخدمت لإخفاء القض*ية وإسكات الشهود ومراقبة ليلى ووالدها
ساد الصمت الثقيل
ثم نظر الجميع نحو نادية
لأول مرة لم تجد ما تقوله
لم تنكر
لم تدافع عن نفسها
فقط جلست صامتة
وكأن السنوات كلها سقطت فوق كتفيها دفعة واحدة
بعد ساعات خرج الخبر إلى الصحافة
وانفجرت العاصفة
عناوين المواقع الإخبارية
برامج التوك شو
وسائل التواصل
الجميع يتحدث عن القض/ية
الجميع يتحدث عن نادية الشاذلي
لكن المفاجأة أن أسهم المجموعة لم تنهَر كما توقع البعض
لأن سيف خرج بنفسه أمام الإعلام
وأعلن فتح تحقيق كامل
وتحمل المسؤولية
وتعاون الشركة مع الجهات المختصة
فبدأت الثقة تعود تدريجيًا
لكن شيئًا واحدًا لم يكن يشغله
المال
ولا الشركة
ولا السمعة
بل ليلى
والطفلان
بعد أسبوع كامل
وقف سيف أمام منزلها مرة أخرى
هذه المرة لم يطلب شيئًا
ولم يحمل ملفات
ولم يقدم أعذارًا
كان يحمل فقط صندوقًا صغيرًا
فتحت ليلى الباب
ونظرت إليه بصمت
ناولها الصندوق
وقالت بحذر
“إيه ده؟”
أجاب
“افتحيه بعدين”
ثم استدار ليغادر
لكنها أوقفته
“استنى”
التفت إليها
فقالت
“أنت ليه بتعمل كده؟”
نظر نحو الأرض للحظة
ثم رفع عينيه إليها
وقال بصراحة لم تسمعها منه من قبل
“عشان مفيش حاجة أقدر أرجع بيها اللي ضاع”
سكت لحظة
ثم أكمل
“بس يمكن أتعلم أكون أحسن من الراجل اللي ضيعه”
ورحل
دون أن ينتظر ردًا
دخلت ليلى إلى المنزل وفتحت الصندوق
فوجدت بداخله شيئًا جعل الدموع تمتلئ عينيها فورًا
كان ملصق الديناصور الصغير الذي أعطاه له عمر
محفوظًا داخل إطار زجاجي أنيق
وتحته ورقة كتب عليها بخط يده
“أول هدية من ابني”
وظلت تنظر إليها طويلًا
طويلًا جدًا
بينما بدأ الجدار الذي بنته حول قلبها طوال خمس سنوات يتشقق للمرة الأولى
وفي الغرفة المجاورة كان آدم يسأل عمر
“هو الراجل ده هييجي تاني؟”
فكر عمر قليلًا
ثم ابتسم
وقال بثقة الأطفال البسيطة
“أيوة”
أما في الخارج فكان سيف يقف بجوار سيارته ينظر إلى المنزل للمرة الأخيرة قبل أن يغادر
دون أن يعرف أن نافذة صغيرة في الطابق العلوي كانت مفتوحة
وأن ليلى كانت تراقبه من خلف الستار
لأول مرة منذ سنوات
ليس كعدو
ولا كشبح من الماضي
بل كرجل يحاول أخيرًا أن يصلح ما كسره بيده
يتبع…