صدفه طارئه حكـايـات أسمـا ×4
الفصل الرابع
ريم فضلت ماسكة الموبايل الجديد في إيد، والورقة الصغيرة في الإيد التانية، كأنها ماسكة دليل جريمة مش هدية.
“علشان ما تركبيش عربية غلط تاني. — س”
الجملة كانت قصيرة، باردة، عملية… وسليمية جدًا.
ومع ذلك، قلبها عمل حركة غبية.
حركة صغيرة كده، زي خضة دافية.
قفلت الورقة بسرعة وحطتها جوه جيب السكرابز كأن حد ممكن يشوفها ويفهم حاجة هي نفسها مش فاهمة.
مها ظهرت فجأة من وراها: — إيه ده؟
ريم اتنفضت. — مافيش.
مها ضيقت عينها. — مافيش إيه؟ ده موبايل جديد في علبة. مين اللي جابه؟
— شركة اتصالات.
— شركة اتصالات بتبعتلك موبايلات للمستشفى؟ يا سلام يا أختي، ابعتي لهم رقمي.
ريم حاولت تعدي من جنبها. — مها، عندي مرور.
مها وقفت قدامها بابتسامة خبيثة. — لا لا. إحنا كده دخلنا في منطقة “مين الراجل؟”
— مفيش راجل.
— دي أكتر جملة بتتقال لما يبقى فيه راجل.
ريم بصتلها بتحذير: — مها.
— طيب اسمه إيه؟
ريم سكتت ثانية غلط.
مها شهقت: — آه! فيه اسم!
— مفيش.
— غني؟
ريم افتكرت العربية، الفيلا، البوابة، الفطار اللي يكفي قسم كامل.
قالت بتوتر: — عادي.
مها ضحكت: — لما البنت تقول “عادي” وهي وشها أحمر يبقى الراجل يا إما غني جدًا يا إما مصيبة جدًا.
ريم اتحركت بسرعة. — أنا رايحة أشوف المرضى.
لكن مها جريت وراها وهي بتهمس: — ابقي احكيلي يا ريم! أنا صديقة السراء والفضايح.
ريم رغم نفسها ابتسمت، لكنها أول ما دخلت الممر الطويل، ابتسامتها اختفت.
لأنها افتكرت حاجة مهمة.
هي مش هتقبل الهدية.
الموبايل ده مش بسيط. وهي مش ناقصة ديون نفسية. مش ناقصة حد يدخل حياتها من باب “أنا ساعدتك”. حتى لو سليم ماقالش كده. حتى لو طريقته ماكانتوش كده. حتى لو عينيه إمبارح وهو بيقول “مش كل مساعدة دين” كانت صادقة أكتر مما تحب تعترف.
لا.
لازم ترجعه.
بس إزاي؟
بصت للموبايل القديم المكسور في إيدها. بعد محاولات كتير اشتغل أخيرًا على نسبة شحن ضعيفة. الشاشة كلها شروخ، لكن لسه بيستجيب بالعافية.
فتحت الكيس، لقت جواه كارت صغير عليه رقم.
رقم مباشر.
مكتوب فقط: “S.H.”
ريم بصت للكارت كأنه بيبصلها.
وبعدين قالت لنفسها: — لا، مش هتتصلي.
بعد خمس دقايق كانت بتتصل.
رن مرة. اتنين.
وقبل الرنة التالتة، صوته جه: — كنت متوقع تتصلي أسرع من كده.
ريم اتلخبطت، وبعدين اتعصبت من إنها اتلخبطت. — هو حضرتك دايمًا واثق في نفسك كده؟
— غالبًا.
— الموبايل ده مينفعش.
— ليه؟
— علشان غالي.
— مش بالنسبة لي.
الجملة استفزتها. — بس بالنسبة لي.
سليم سكت لحظة.
ريم كملت بسرعة: — أنا بشكرك جدًا، بس مش هقدر أقبله. هبعته مع أي حد أو أجي أسيبه للبواب عندك.
— ريم.
— نعم؟
— موبايلك القديم خطر على أعصاب أي إنسان.
— أعصابي أنا، وأنا حرة فيها.
— وممكن يفصل في حالة طوارئ.
— أنا في مستشفى، الطوارئ حواليا في كل حتة.
— وممكن تحتاجي تتصلي بحد.
— أنا عشت بالموبايل المكسور شهور.
— وركبتي عربيتي بالغلط.
صمت.
ريم ضغطت على شفايفها. — دي ضربة تحت الحزام.
— لكنها صحيحة.
— برضه مش هاخده.
— اعتبريه أداة سلامة.
— لا.
— اعتبريه تعويض عن إني سيبتك تنامي في العربية.
— لا.
— اعتبريه دين عليكي وترجعيه لما تبقي استشارية مشهورة.
ريم سكتت.
هو عرف يلمس الحتة الصح.
مش هدية. مش شفقة. دين مؤجل، حتى لو هو مش محتاجه.
قالت بحذر: — يعني هرده؟
— لما تقدري.
— كتابة؟
— تحبي أعمل عقد؟
— أنت ممكن تعملها فعلًا.
سمعت في صوته شبه ابتسامة. — ممكن.
ريم اتنهدت. — ماشي. هاخده… بس كدين.
— تم.
— وهرده.
— مستني.
— وماتجيبليش حاجات تاني.
— حسب الحاجة.
— سليم بيه.
— ريم.
الطريقة اللي قال بيها اسمها من الناحية التانية خلتها تسكت غصب عنها.
في ثانية، كل دوشة المستشفى حوالينها بعدت.
صوته كان هادي، قريب، كأنه واقف قدامها.
قال: — كلي حاجة النهارده.
رمشت باستغراب. — إيه؟
— أكل. مش قهوة بس.
— حضرتك بقيت مسؤول تغذية؟
— بعد اللي شفته إمبارح، آه.
ضحكت رغمًا عنها. — حاضر يا دكتور تغذية.
— وخدي مسكن لرجلك.
— حاضر يا أستاذ سيطرة.
سكت لحظة، وبعدين قال: — هعدي على المستشفى بالليل.
قلبها اتنفض. — ليه؟
— عندي زيارة.
— زيارة لمين؟
— هتعرفي.
الخط اتقفل.
ريم فضلت باصة للموبايل.
“هعدي على المستشفى بالليل.”
الجملة كانت بسيطة.
لكنها قلبت اليوم كله.
في برج الحديدي، الدور الأربعين، كان سليم واقف قدام طاولة اجتماعات طويلة، وحواليه عشرة أشخاص ببدل رسمية ووشوش متوترة.
واحد من المديرين كان بيشرح أرقام مشروع ضخم في العاصمة الإدارية، لكن سليم ماكانش سامعه بالكامل.
ده شيء نادر.
سليم الحديدي عمره ما كان حاضر بجسمه وغايب بعقله. عقله كان دايمًا أسرع من الغرفة كلها. يلقط الغلطة قبل ما تتقال، يشم الخوف قبل ما يظهر، ويعرف مين بيزوّر رقم من طريقة بلعه لريقه.
لكن النهارده…
كان بيفكر في دكتورة امتياز لابسة سكرابز، واقفة في ممر مستشفى، غالبًا بتاكل نفسها بالشغل، ورافضة موبايل كأنه قصر.
— سليم بيه؟
رفع عينه. المدير اتوتر. — حضرتك معانا؟
القاعة سكتت كلها.
مصطفى، اللي واقف عند الباب، حس إن الراجل كتب استقالته بنفسه.
سليم بص للمدير بهدوء. — لا.
المدير وشه اصفر.
سليم قفل الملف. — الاجتماع يتأجل ساعة.
الكل قام بسرعة كأنهم خرجوا من امتحان نار.
بعد ما فضيت القاعة، دخلت فريدة من الباب الجانبي من غير استئذان.
كالعادة.
كانت أنيقة بشكل حاد. شعرها مرفوع، بدلة بيضا، عطر قوي، وابتسامة مصنوعة بدقة.
— تأجل اجتماعاتك دلوقتي؟
سليم رجع يقعد على كرسيه. — صباح الخير يا فريدة.
— ماتسميش أختي باسمها كأننا في مؤتمر.
— لما تدخلي مكتبي من غير ميعاد، هعاملك كضيفة غير مرغوبة.
ابتسامتها اتجمدت. — بابا عايزك النهارده.
— عارف.
— والعشا مع نادين وأهلها الساعة تسعة.
— مش هاجي.
فريدة ضحكت بحدة. — مش هتيجي؟
— واضح إن سمعك كويس.
قربت من المكتب. — سليم، بلاش العند ده. الجواز من نادين مش اقتراح رومانسي. ده قرار عائلي ومالي.
— قراراتي المالية باخدها أنا.
— مش لما سمعة المجموعة على المحك.
عينه بردت. — سمعة المجموعة بخير.
— لأ. بعد تسريبات صفقة الميناء، محتاجين تحالف قوي. والد نادين هيدخل معانا استثمار ينقذ الموقف.
سليم سكت.
فريدة عرفت إنها لمست نقطة حساسة، فكملت: — أنت فاكر نفسك تقدر تشيل كل حاجة لوحدك. بس الحقيقة إن الحديدي مش أنت بس.
رفع عينه لها. — الحديدي بقى موجود لأن أنا شيلت اللي أنتوا كسرتوه.
الجملة خلت وشها يتغير.
لحظة صمت.
فريدة قالت ببرود: — بابا مش هيسيبك تهرب المرة دي.
— بابا على كرسي متحرك ولسه فاكر إن العالم بيقوم له.
— خليك محترم.
سليم قام ببطء. — الاحترام لا يورث يا فريدة. يُكتسب.
دخلت نادين فجأة من الباب قبل ما فريدة ترد.
كانت لابسة فستان ناعم، وشعرها معمول بعناية، ووشها كله ابتسامة مرسومة.
— أنا دخلت في وقت غلط؟
سليم بص لها بدون أي تعبير. — آه.
نادين اتوترت لحظة، لكن غطتها بسرعة بدلع. — وحشتني.
فريدة ابتسمت بانتصار صغير. — هسيبكم تتكلموا.
خرجت.
نادين قربت من سليم، وحاولت تحط إيدها على دراعه، لكنه اتحرك خطوة للخلف قبل ما تلمسه.
الجرح بان في عينيها. — لسه برضه؟
— نادين، إحنا اتكلمنا في الموضوع ده.
— لا. أنت اتكلمت وأنا سمعت. في فرق.
— مفيش جواز.
ضحكت بمرارة. — أنت بتقولها كأنك تقدر تقرر لوحدك.
— أقدر.
— باباك مش هيسمح.
— بابا جرب يتحكم فيا قبل كده.
— ونجح.
الكلمة وقعت تقيلة.
سليم سكت.
نادين عرفت إنها وجعته، لكنها كملت بصوت أوطى: — أنا مش عدوك يا سليم. أنا أكتر واحدة فاهمة أنت بتهرب من إيه.
عينه بقت أخطر. — ماتتكلميش عن حاجات ماتعرفيهاش.
— أعرف أكتر مما تفتكر. وأعرف إنك بعد اللي حصل زمان بقيت بتخاف من القرب. بس مش كل الناس هتخونك.
سليم بص لها ببرود: — القرب مش مشكلتي. الاختيار هو المشكلة.
— وأنا اختيار سيئ؟
— أنتِ اختيار مش اختياري.
وشها شحب.
وبعد لحظة قالت: — في واحدة تانية؟
سليم سكت ثانية واحدة زيادة.
ثانية واحدة بس.
لكن نادين شافتها.
ابتسامتها اختفت. — مين؟
— مفيش حد.
— كداب.
سليم مشى ناحية الباب. — الاجتماع خلص.
نادين وقفت مكانها، عينيها مليانة غيرة وغضب. — لو فيه واحدة… فخليها تعرف إن عيلة الحديدي مش بتسيب اللي يخصها بسهولة.
سليم وقف عند الباب، والتفت بنظرة باردة جدًا. — أنا لا أخص أحد.
وخرج.
لكن رغم كلمته… صورة ريم جات في دماغه.
وهو لأول مرة حس بالخوف الحقيقي.
مش على نفسه.
عليها.
اليوم في المستشفى كان جحيم صغير.
ريم ماكانتش فاضية تفكر في سليم، أو هكذا حاولت تقنع نفسها.
لكن الموبايل الجديد في جيبها كان كل شوية يذكرها.
كل ما تلمسه وهي بتطلع قلم. كل ما تحس بوزنه. كل ما تفتكر الورقة.
“— س”
كان إمضاءه شبهه. مختصر. واثق. مستفز.
في نص اليوم، دخلت حالة حادث. شاب صغير، نزيف داخلي، أهله بيصرخوا، والدته ماسكة في إيد ريم وهي بتترجاها: — بالله عليكي الحقي ابني.
ريم نسيت كل حاجة.
وقفت في الطوارئ، صوتها عالي وواضح، إيديها بتتحرك بسرعة، عقلها سابق خوفها.
— جهزوا نقل دم. نادي الجراحة. الضغط بينزل، بسرعة!
لساعات، اتحولت من بنت مرهقة لآلة إنقاذ.
لحد ما الحالة دخلت العمليات.
خرجت ريم بعد كده سندت ضهرها على الحيطة، إيديها بتترعش من الأدرينالين.
مها جات جنبها. — أنقذتيه.
ريم هزت راسها. — لسه.
— بس عملتي اللي عليكي.
ريم بصت للأرض. — دايمًا بحس إن اللي عليا مش كفاية.
مها لمست كتفها. — عارفة إيه مشكلتك؟ إنك بتفتكري إن كل روح بتتعب قدامك مسؤوليتك لوحدك.
ريم ابتسمت بتعب. — أهو تدريب مبكر على الأمومة.
— أمومة إيه؟ الأول نلاقي العريس صاحب الموبايل.
ريم بصتلها بنظرة قاتلة. — مها.
— خلاص خلاص.
لكن قبل ما تمشي، مها قالت بجدية: — خلي بالك من نفسك يا ريم. الناس اللي بتفضل تنقذ غيرها، ساعات محدش بيلحقها لما تقع.
الجملة دخلت في قلب ريم أكتر مما توقعت.
ولسبب غريب… افتكرت سليم وهو بيمسكها قبل ما تقع.
الساعة كانت قربت تسعة بالليل لما ريم خرجت من الطوارئ.
وشها شاحب، عينيها محمرة، شعرها مربوط بأي شكل، ورجلها بتوجعها أكتر من الصبح.
كانت نازلة الممر وهي بتفكر في سندوتش فول من عربية قدام المستشفى، لما لقت حركة غريبة عند الاستقبال.
رجالة ببدل. حراسة. مدير المستشفى بنفسه واقف مرتبك. دكاترة كبار ظهروا فجأة كأنهم كانوا مستخبيين طول اليوم.
ريم وقفت.
وبعدين شافته.
سليم الحديدي داخل المستشفى.
لكن مش لوحده.
كان معاه راجل كبير على كرسي متحرك، وشه صارم، عينيه حادة رغم المرض.
جلال الحديدي.
والده.
وراه فريدة، ونادين.
ريم حسّت بحاجة غريبة في معدتها.
نادين كانت جميلة بشكل مزعج. أنيقة وناعمة، واقفة قريبة من سليم كأن مكانها الطبيعي جنبه.
ريم رجعت خطوة.
مش عارفة ليه.
هي مجرد دكتورة هنا. وهو جاي زيارة. مفيش أي سبب يخليها تحس كأنها اتقفشت في مكان غلط.
لكن عيني سليم لقتها وسط الزحمة فورًا.
وسط كل الناس… بص لها.
نظرة واحدة.
هادية، قصيرة، لكنها كافية تخلي قلبها يتهور.
فريدة لاحظت.
ونادين لاحظت أكتر.
مدير المستشفى كان بيقول: — نورتنا يا جلال باشا. طبعًا الجناح جاهز، وكل الفريق الطبي في خدمتكم.
جلال قال بصوت خشن: — مش جاي سياحة. عايز دكتور شاطر.
مدير المستشفى ابتسم بتوتر: — طبعًا يا فندم. الدكتور سامح رئيس القسم—
لكن جلال قاطعه وهو بيبص ناحية ريم: — البنت دي.
الكل بص لريم.
ريم اتجمدت.
مدير المستشفى ارتبك: — دي دكتورة امتياز يا فندم، ممتازة طبعًا، لكن—
جلال رفع إيده. — شوفتها من شوية في الطوارئ. صوتها كان ثابت. إيديها ما اترعشتش. عايزها ضمن الفريق.
ريم حسّت إن الأرض اتسحبت من تحتها.
سليم بص لأبوه باستغراب خفيف. فريدة ضيقت عينيها. نادين بصت لريم من فوق لتحت بابتسامة باردة.
مدير المستشفى قال بسرعة: — طبعًا، تحت أمرك.
ريم حاولت تتكلم: — بس يا دكتور، أنا—
مدير المستشفى همس لها من بين سنانه: — وافقي.
ريم بلعت ريقها. — حاضر.
سليم قرب منها خطوة بعد ما الزحمة اتحركت ناحية الجناح. — أنتِ كويسة؟
ريم بصت حواليها، شايفة عيون كتير. — أيوه.
— أكلتي؟
رفعت حاجبها رغم توترها. — بجد؟ وسط الحراسة ووالدك ونادين هتسألني أكلت؟
زاوية فمه اتحركت. — الإجابة؟
— نص سندوتش جبنة.
وشه اتقفل. — ريم.
— ده يعتبر تقدم.
قبل ما يرد، صوت نادين جه من وراهم: — مش هتعرفنا يا سليم؟
ريم التفتت.
نادين واقفة بابتسامة ناعمة، لكن عينيها مش ناعمة خالص.
سليم قال ببرود: — الدكتورة ريم عبدالسلام.
نادين مدت إيدها. — نادين المنشاوي.
ريم صافحتها. — أهلاً.
نادين ضغطت على إيدها ثانية أطول من اللازم. — سمعت إنك ساعدتي سليم إمبارح.
ريم سحبت إيدها بهدوء. — أظن هو اللي ساعدني.
نادين ابتسمت. — سليم بيحب يساعد أحيانًا… بس نادرًا ما يهتم.
الجملة كانت سهم.
ريم فهمته. وسليم فهمه. وفريدة من بعيد فهمت إن فيه شيء يستحق المراقبة.
ريم قالت بابتسامة مهنية: — حضرتك محظوظة إذن.
نادين رمشت. — ليه؟
— لأن واضح إنه بيهتم بالعيلة.
الرد كان ذكي.
محترم. وبارد بما يكفي.
سليم خبّى ابتسامته بصعوبة.
نادين ابتسامتها شدت. — طبعًا.
ريم قالت بسرعة: — بعد إذنكم، عندي شغل.
ومشت.
لكن وهي ماشية، سمعت صوت جلال الحديدي من آخر الممر: — يا دكتورة ريم.
وقفت.
جلال بص لها بنظرة فاحصة. — تعالي.
ريم قربت بحذر.
قال: — أنتِ اللي كنتي بتصريخي على الممرضين في الطوارئ؟
ريم اتوترت. — كنت بوجه الفريق يا فندم.
— لا. كنتي بتصريخي.
ريم رفعت راسها. — لما حياة مريض بتبقى بين ثانية والتانية، الصوت العالي مش قلة أدب. ده إنذار.
الصمت وقع.
مدير المستشفى كاد يفقد وعيه.
فريدة رفعت حاجبها. نادين ابتسمت بسخرية. وسليم… ثبت عينه على ريم بفخر صامت لم يفهمه.
جلال فضل باصص لها لحظات.
ثم ضحك.
ضحكة قصيرة خشنة. — عاجباني.
ريم تنفست بعد ما كانت حابسة نفسها.
جلال قال: — هتتابعي حالتي الليلة.
— مع الفريق المختص، طبعًا.
— مع الفريق. بس عينك تبقى موجودة.
— حاضر.
فريدة تدخلت ببرود: — بابا، دي طبيبة امتياز. مش مناسب—
جلال قاطعها: — أنا اللي أحدد المناسب.
سليم بص لفريدة بنظرة هادية كأنها صفعة.
ريم حسّت إنها دخلت معركة عائلية من غير ما تطلب.
وبصراحة… ده كان آخر شيء ناقصها.
بعد ساعة، كان جلال في جناح VIP.
ريم واقفة بتراجع العلامات الحيوية مع الدكتور سامح، تحاول تبقى مهنية لأقصى درجة. سليم واقف عند الشباك. فريدة على الكنبة. نادين جنبها، وعيونها كل شوية تروح لريم.
جلال كان عنده أزمة ضغط شديدة مع مشاكل قلب مزمنة. مش حالة بسيطة، لكن مستقرة حاليًا.
الدكتور سامح خرج يجيب تقرير قديم، وبقيت ريم تراجع المحاليل.
جلال قال فجأة: — أنتِ منين؟
ريم رفعت عينها. — من القاهرة.
— أهلك؟
سليم اتنبه.
ريم قالت بهدوء: — والدتي متوفية. والدي موجود. عندي أخت.
— ومخطوبة؟
ريم كادت تختنق. — لا يا فندم.
جلال هز راسه كأنه بيجمع معلومات. — كويس.
فريدة قالت بحدة: — بابا!
ريم وشها احمر. سليم اتحرك من مكانه. — كفاية يا بابا.
جلال بصلها كأن سليم مش موجود. — ليه طب؟
ريم سكتت لحظة، ثم قالت: — علشان أمي.
الغرفة هديت.
جلال، رغم قسوته، لمعت عينه بشيء غريب. — كانت دكتورة؟
— ممرضة.
قالها بثبات.
فريدة رفعت حاجبها بخفة متعالية. نادين بصت في موبايلها كأنها فقدت الاهتمام.
لكن جلال سكت.
وبعدين قال: — الممرضات أشجع من نص الدكاترة اللي شفتهم.
ريم ابتسمت لأول مرة. — هي كانت أشجع من ناس كتير.
سليم بص لها.
الابتسامة دي… كانت مختلفة.
ناعمة. مليانة ذكرى.
نادين شافت نظرته.
وفي اللحظة دي، قررت إن ريم عبدالسلام مشكلة.
مش لأنها جميلة فقط. ولا لأنها قريبة من سليم. لكن لأنها جعلته ينظر.
وسليم الحديدي لا ينظر إلى أحد بهذه الطريقة.
قرب منتصف الليل، خرجت ريم من الجناح بعد ما استقرت حالة جلال.
كانت هتروح الاستراحة، لكن لقت سليم واقف في الممر مستنيها.
قالت بتعب: — والدك مستقر.
— عارف. سمعت الدكتور سامح.
— طيب.
حاولت تمشي، لكنه قال: — ريم.
وقفت.
— أنتِ زعلانة؟
ضحكت باندهاش. — من إيه؟
— من نادين.
القلب الغبي اتحرك تاني.
ريم بصتله بهدوء مصطنع. — وأنا أزعل ليه من خطيبتك؟
وشه اتغير. — هي مش خطيبتي.
— هي قالت جوازكم.
— العيلة قالت.
— وهي قالت “حبيبي”.
— نادين بتقول حاجات كتير.
ريم هزت راسها. — مش محتاج تشرحلي.
— محتاج.
الكلمة خرجت حادة أكتر مما توقع.
ريم بصتله.
الممر كان هادي. نور أبيض خفيف. أصوات بعيدة من المستشفى. وبينهم شيء بيكبر رغم إنهم لسه بالكاد يعرفوا بعض.
سليم قال بصوت منخفض: — مفيش جواز. ولا في خطوبة. ولا في وعد.
ريم حاولت تبتسم. — ده شأنك.
— لأ.
— نعم؟
اقترب خطوة واحدة. — مش لما أنتِ فهمتي غلط.
نفسها اتلخبط.
قالت بسرعة: — أنا مفهمتش حاجة. أنا بس دكتورة في المستشفى، وحضرتك مرافق مريض.
— حضرتك؟
— أيوه. لازم نخلي الأمور واضحة.
سليم نظر لها طويلًا.
ثم قال: — واضح.
لكن صوته قال العكس.
ريم كانت على وشك الرد، لما صوت نادين جاء من آخر الممر: — سليم.
الاتنين التفتوا.
نادين واقفة، ووشها هادي جدًا.
هادئ أكثر من اللازم.
— والدك عايزك.
سليم لم يتحرك فورًا.
ظل ينظر لريم ثانية، ثم قال: — ارتاحي.
ومشى.
نادين بقيت مكانها لحد ما سليم دخل الجناح، ثم اقتربت من ريم.
الابتسامة اختفت.
— اسمعيني كويس يا دكتورة.
ريم رفعت حاجبها. — نعم؟
— سليم مش من عالمك.
ريم سكتت.
نادين كملت بنعومة سامة: — ممكن يكون مهتم دلوقتي لأنك مختلفة. بسيطة. مرهقة. حقيقية. النوع اللي يخلي الراجل المعقد يحس إنه إنسان. لكن ده بيعدي.
ريم حاولت تحافظ على هدوئها. — أنا مش فاهمة حضرتك بتقولي الكلام ده ليه.
— لأنك لو ذكية، هتبعدي قبل ما تتعبي.
ريم بصت لها بثبات. — وأنا لو أذكى، هعرف إن الكلام ده مش نصيحة. ده خوف.
وش نادين اتجمد.
ريم كملت بهدوء: — أنا هنا علشان أتابع مريض. لا جاية أخطف حد، ولا أدخل عالم حد. فاطمني.
نادين قربت خطوة. — سليم هيتجوزني.
ريم ابتسمت ابتسامة صغيرة حزينة، رغم الوخزة اللي جواها. — يبقى ربنا يتمم لكم بخير.
الكلمة ضربت نادين لأنها لم تجد فيها غيرة ظاهرة.
ريم مشيت.
لكن أول ما دخلت الاستراحة وقفلت الباب… سندت ضهرها عليه.
وحطت إيدها على صدرها.
لأنها كانت بتكذب.
في شيء وجعها.
وجعها أكثر مما يحق لها.
في الجناح، جلال كان صاحي، وسليم واقف جنبه.
جلال قال: — البنت دي مش سهلة.
سليم رد ببرود: — مريضتك، مش موضوع نقاش.
جلال ضحك. — أول مرة من سنين أشوفك بتتوتر علشان حد.
— أنا مش متوتر.
— كداب.
سليم سكت.
جلال نظر له بحدة: — إياك.
— إياك إيه؟
— إياك تقرب منها لو مش هتقدر تحميها من عيلتك.
الكلمة دخلت في صدر سليم كأنها سكين.
جلال كمل بصوت منخفض: — إحنا ناس وحشة يا سليم. وأنت عارف.
سليم بصلُه.
لأول مرة، أبوه قال الحقيقة بدون زينة.
جلال أغمض عينيه بتعب. — لو دي بنت عادية… سيبها عادية. ماتشدهاش لعالمنا.
سليم لم يرد.
لكنه خرج من الجناح بعد دقائق، ومشى ناحية الاستراحة.
وقف قدام الباب.
كان عايز يخبط. يقول لها إن نادين لا تعني شيئًا. إن عائلته لا تملك قراره. إنه لا يعرف ماذا يحدث، لكنه لا يريد أن يختفي.
لكن جملة أبيه وقفت قدامه.
“لو مش هتقدر تحميها…”
وسليم، للمرة الأولى منذ سنوات، لم يكن متأكدًا من قدرته على الحماية.
لذلك لم يخبط.
ابتعد.
ومن داخل الاستراحة، ريم كانت واقفة خلف الباب… وسمعت خطواته وهو يمشي.
وماعرفتش ليه حسّت إن في حاجة بدأت بينهم… وفي نفس اللحظة بدأت تبتعد.
يتبع