انا متجوزه حكـايـات روماني ×3
بربشت عيني وفي جزء من الثانية رجعت خطوة لورا وشيلت إيدي بالورق لفوق قبل ما صوابعه تلمسه. اتمليت بقوة مكنتش أعرف إنها فيا، وزقيته بكل عزمي في صدره رجعته لورا كذا خطوة وهو مذهول من رد فعلي.
— “بتمد إيدك؟ عايز تسرقني عيني عينك كده جوه بيتي؟ ده أنت بجاحتك ملهاش سقف!”
كريم كان هيموت من الغيظ، عينه كانت بتطق شرار وهو شايف ورق فضيحته وضياعه لسه في إيدي. حاول يغير نبرته تاني لما لقى الوش الخشن مش جايب همّه، وقال وهو بيلهث:
— “يا ندى اسمعي بس.. الورق ده مش هيفيدك بحاجة، لو سبرتيني هصلح كل حاجة، والله هصلحها.. هطلقها يا ندى! هطلقها وأجيلك، بس بلاش تخربي بيتي ومستقبلي بالورق ده.”
في اللحظة دي، حسيت بنفور وقرف منه أكتر من الأول.. بني آدم مستعد يبيع أي حاجة وأي حد عشان ينفد بجلده. وبقبل ما أنطق بكلمة، جرس الباب رن. رن برزع وخبط جنوني كأن الباب هيتكسر، نفس الخبط اللي أنا خبطته على شقته التانية من ساعة.
كريم اتسمر في مكانه، وبص للباب برعب، وبدأ يرجع لورا وهو بيهمس:
— “يا نهار أسود.. دول هما.. هما أكيد!”
جريت على الباب وفتحته علطول ومكنتش خايفة من حاجة، ميبقاش في قلبي خوف بعد الوجع اللي شفته. لقيت واقف قدامي راجلين ضخام، باين عليهم ولاد بلد وعينيهم حمرا من الغضب، ووراهم الست الجديدة وهي بتبكي وبتصرخ، ومعاهم أمها اللي كانت بتدعي وتصوت في الممر.
الراجل الكبير فيهم خطى جوه الشقة وزق كريم من صدره لجوّه وهو بيقول بصوت يهز الحيطان:
— “تعالي هنا يا حيلتها! بقا أنت بتغشنا وبتغش الولاية؟ مطلع مطلق ومن غير شغل وواكل شقى حريم ومقعدنا في وهم السفر؟”
كريم تراجع ورا الكنبة وهو بيرعش ورافع إيده:
— “يا حاج جابر افهمني بس.. والله العظيم كل حاجة هتتحل، الموضوع سوء تفاهم..”
أم الست الجديدة دخلت وصرخت في وشه:
— “سوء تفاهم إيه يا أبو عين زايغة؟ بنتي اللي في بطنها حتة منك ذنبها إيه؟ والشقة اللي كاتبها بإسمك والفلوس اللي واخدها مننا تجهيز؟ ده أنت طلعت نصاب وبجلالة قدرك!”
التفتت الأم ليا وهي بتمسح دموعها وقالت بنبرة مكسورة:
— “يا بنتي.. إحنا ملناش ذنب، إحنا ناس على باب الله وجالنا وقالنا مهندس ومسافر ألمانيا وفلوسي جاهزة، وعملنا له هوليلة.. بنتي ضاعت بسببه.”
بصيت للست اللي كانت واقفة سانة ضهرها على الحيطة وبتعيط بكسرة، وبصيت لكريم اللي كان زي الفار المحبوس في النص بيني وبين أهلي مراته الجديدة. لقيت نفسي بقف بكل ثبات، وبطلع تليفوني وبصيت لكريم وقلت له بأعلى صوت عشان الكل يسمع:
— “يا حاج جابر.. ويا أمي.. الراجل ده نصاب عليا وعليكم، والفلوس اللي اتفرش بيها بيت بنتك هي فلوس ورث أبويا.. وأنا حالاً بطلب شرطة النجدة تلمنا كلنا، والورق اللي يوديه ورا الشمس في إيدي أهو!”
كريم صرخ بأعلى صوته وهو بيجري عليا عشان يمنعني أطلب الشرطة، والرجالة هجموا عليه يكتفوه..
الرجالة هجموا عليه زي الأسود، كبّلوه من كتافه ورجعوه لورا وهو بيصرخ ويدبّدب في الأرض زي العيل الصغير. الحاج جابر ثبت إيده وراه وقال بصوت جهوري:
— “اثبت يا روح أمك! الشرطة هي اللي هتفصل بيننا وبينك يا نصاب.. اطلبي النجدة يا بنتي ومتسمعيش للكلب ده!”
كريم لما لقى نبرة التليفون بتجمع، وعيني مفيهاش نقطة رحمة، انهار تماماً وبقى يبكي بنشيج ويصرخ للست الجديدة:
— “الحقيني يا هناء! قولي لأخواتك يشيلوني من تحت إيديهم.. أنا عملت كل ده عشانك وعشان نعيش مستورين!”
هناء بصتله بقرف وكسرة، ومسحت دموعها بكف إيدها المرتعش وقالت بصوت مخنوق:
— “عشاني؟ أنت خربت بيتي وبيت الست دي وتقولي عشانك؟ أنا مش عايزة أشوف وشك تاني.. طلقني يا كريم.. طلقني حالا!”
في دقة الساعة، دخلت قوة من الشرطة الشقة بعد ما البواب دلّهم على مكان الصوت والزعيق. الشقة اتقلبت لمعاينة، والجيران مالية الممر بيتفرجوا على الفضيحة اللي بقت بجلاجل. تقدم الضابط وبدأ يسأل عن اللي بيحصل، وقفت بكامل ثباتي، الثبات اللي بيطلع من قاع الوجع، وقدمت له حافظة الأوراق.. ورق التحويلات، وتذاكر الطيران المضروبة، والرسايل اللي متسجلة بالخط الدولي الوهمي.
— “يا فندم، الراجل ده جوزي، ونصب عليا في مبلغ 450 ألف جنيه بحجة السفر لألمانيا، واستغل الفلوس دي في إنه ينتحل صفة مهندس مسافر ويتجوز بيها الست دي وينصب على أهلها كمان.”
الضابط بص في الأوراق، وبص لكريم اللي كان وشه أصفر زي الليمونة وجسمه كله بيتنفض. الضابط شاير للعساكر وقال بنبرة حاسمة:
— “خلوه قدامي على البوكس.. والكل يتفضل معانا على القسم لعمل المحضر.”
وإحنا نازلين على السلم، كان كريم ماشي والكلبشات في إيده، ومطاطي راسه في الأرض مش قادر يرفع عينه في عيون الجيران اللي كانوا بيبصوا له بقرف ويبصقوا عليه. ركبت التاكسي ورا عربية الشرطة، وجنب المحامي بتاعي اللي كلمته في الطريق.
جوه القسم، الساعات مرت كأنها سنين. كريم كان قاعد في الزاوية، وشه مطفي، ومبقاش فيه أثر للراجل اللي كان شايل الخلاط وبيضحك من قلبه في شوارع روكسي. المحامي بتاعي واجه كريم بكل الأدلة، وبص له وقال بنبرة ثقة:
— “قدامك حل من اتنين يا كريم.. يا تمضي على تنازل عن الشقة الجديدة وتكتب شيكات بالمبلغ اللي فاضل وتطلق ندى في هدوء، يا إما المحضر ده هيتحول للنيابة بتهمة النصب والاحتيال وتبديد أموال، وهتلبس قضية مش هتطلع منها قبل كام سنة سجن.”
كريم بص للمحامي، وعينه جت في عيني، كان بيترجاني بنظرته الأخيرة عشان أرحمه..
بصيت له بنظرة مفيهاش غير البرود الشديد، النظرة اللي بتيجي بعد ما الوجع يحرق كل حتة حية في القلب. مبقاش فيه ندى الطيبة الأصيلة اللي بتضحي بأخر مليم معاها عشان كرامة جوزها، بقى فيه ست تانية خالص، ست أخدت طعنة فوقّتها من وهم الحب.
كريم لما لقى عيني حجر، ولقى أخوات هناء واقفين له برا وعيونهم بتطق شرار، والكلبشات بتاكل في معصمه، نزّل راسه في الأرض ودموعه نزلت على مكتب الظابط وقال بصوت مكسور ومبحوح:
— “أنا موافق.. همضي على كل حاجة.. بس بلاش السجن يا ندى، أبوس إيدك بلاش السجن.”
المحامي بتاعي مكنش مضيع وقت، طلع العقود والورق المجهز، وخلاه يوقع على تنازل كامل عن الشقة الجديدة بكل اللي فيها لصالحي كجزء من سداد الـ 450 ألف جنيه، ومضى على إيصالات أمانة بالمبلغ اللي فاضل، وبإيده اللي كانت بترعش، وقع على وثيقة طلاقي.. الطلاق اللي كان تمنه غالي أوي من عمري وفلوسي.
في اللحظة اللي المأذون قال فيها “أنتِ طالق يا ندى”، حسيت كأن جبل كان كاتم على نفسي وانزاح. بصيت للورق اللي في إيدي، ورق الشقة وورق حريتي، وسبته واقف في مكان ذليل، تعبان ومكسور، وخرجت من باب القسم وأنا رافعة راسي.
الشارع برا كان هادي، والمطر الخفيف بتاع طوبة كان لسه بينزل، بس المرة دي مكنش بيغسل شوارع القاهرة بس.. ده كان بيغسل قلبي من كل ذرة حب وعطف كنت شايلاها للبني آدم ده.
التفت ورايا وبصيت لهناء وأمها اللي كانوا خارجين هما كمان بيبكوا على حظهم، قربت منها وطبطبت على كتفها وقلت لها:
— “الشقة بقت بتاعتي بالقانون يا بنتي، بس أنا مش هرميكي في الشارع وأنتِ في بطنك عيل ملوش ذنب.. اقعدي فيها لحد ما تقومي بالسلامة، وربنا يعوض علينا إحنا الاتنين.”
هناء بصتلي بذهول ودموعها نزلت، وحضنتني وهي بتدعيلي. في اللحظة دي عرفت إن الست لما بتتكسر مابتضيعش، بالعكس، دي بتطلع من وسط الرماد أقوى وأجدع بمليون مرة.
رجعت بيتي، قفلت الباب عليا، ومبكتش.. مكنش فيه دموع باقية للندم. فتحت شبابيك الصالة عشان أدخل الهوا النضيف، وبصيت للسما وقلت: “الحمد لله يا رب.. القرش بيروح وبيجي، بس الكرامة لو راحت مابتتعوضش.”
