بدون سبب حكـايـات أسمـا ×1

الميه نزلت مني على أرضية الرخام الساعة ٢:١٣ الفجر

مسكت درابزين السلم وأنا نفسي بيتقطع من الوجع اللي كان بيمزق بطني.همست بصعوبة: كريم… الحقني بولد اتصل بالإسعاف.

جوزي كان واقف في الطرقة لابس روب حرير أسود، ماسك موبايله في إيد وملف في الإيد التانية. وراه أمه، سامية الهانم، واقفة بتبتسم كأنها مستنية اللحظة دي بقالها تسع شهور كاملة.

قال ببرود: مافيش إسعاف.

بصيتله وأنا العرق نازل على ضهري. البيبي بينزل…

رد من غير ما يرمش: يبقى تخلصي بسرعة.

ورمى الملف على الترابيزة اللي جنب الحيطة.

— امضي على التنازل عن أملاك المنصوري.

في اللحظة دي… الطلق اختفى من الصدمة.

كل أملاك عيلة المنصوري كانت بتاعة أبويا.

بعد ما مات، كل حاجة بقت باسمي أنا… الأراضي، الشركات، الحسابات، الأسهم… كل حاجة.

وكريم؟ اتجوز الفلوس… وسماه حب.

سامية رفعت موبايلها وبدأت تصور.

بصيتلها بعدم استيعاب: إنتِ بتصوري؟!

قالت بابتسامة باردة: احتياطي… لو عملتي نفسك منهارة ولا حاجة.

كريم قرب مني بسرعة.

إيده غرست في شعري وشدني بعنف لدرجة حسيت فروة راسي بتتحرق.

صرخت وهو بيجرني على السلم.

ركبي خبطوا في الأرض. وخدي اتخبط في آخر درجة.

وبعدين… نزل بالقلم على وشي لدرجة الدنيا لفت بيا.

زق القلم في إيدي وهو بيقول من بين سنانه: امضي… وإلا هتولدي هنا على الأرض يا بهيمة.

طعم الدم ملي بوقي من شفايفي اللي اتفتحت.

طلق جديد كسر ضهري وخلاني أتني من الوجع.

ومن ورا الموبايل، حماتي ضحكت وقالت: شوفيها… كل الثروة دي ولسه بتزحف زي الشحاتين.

أنا ما ترجيتش.

كنت ترجيت مرة واحدة بس… من ست شهور، لما كريم زقني في الحيطة لأول مرة وقال إن ده “عصبية شغل”.

ساعتها بطلت أترجى…وبدأت أجمع الأدلة.

صور. تسجيلات. تحويلات بنكية. تزوير توقيعات. واجتماعات مع أستاذة نهى، المحامية القديمة بتاعة أبويا، اللي بصت على الكدمات في جسمي وقالتلي: أول ما يتحركوا… خليهم يفتكروا إنك لوحدك.

علشان كده… مديت إيدي للقلم.

وكريم ابتسم.بس أنا مسكته بإيدي الشمال.

ابتسامته وسعت أكتر، لأنه افتكر إن الرعشة خوف.

لكنها ما كانتش خوف.

كانت….لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيدكانت رعشة غضب.
غضب متخزن جوايا من يوم ما اكتشفت إن الراجل اللي اتجوزته كان بيعد الأيام لحد ما يمسك كل حاجة تخص أبويا. من يوم ما سامية الهانم بدأت تبصلي كأن بطني اللي شايلة حفيدها فيها مجرد خزنة هتتفتح قريب. من يوم ما كريم رفع إيده عليا لأول مرة… وبعدها باس راسي وقال إنه متوتر بسبب الشغل، وأنا صدقته لأن الحب ساعات بيخلي الست تكذب على نفسها أكتر من أي حد.
لكن الليلة دي…
وأنا نازلة دم ومية فوق رخام بيتي…
كل الأكاذيب ماتت.
كريم انحنى قدامي وهو ماسك شعري بإيده وقال بصوت واطي مخيف: — يلا يا هنا… خلينا نخلص الليلة دي على خير.
بصيتله وأنا حاسة الطلق بيرجع تاني يمزق ضهري. همست: — إنت شيطان.
ضحك ضحكة قصيرة. — والشيطان ده اللي هيربي ابنك ويصرف عليه بعد ما تبقي ولا حاجة.
سامية قربت بالموبايل أكتر. الكاميرا كانت في وشي مباشرة. قالت بسخرية: — امضي يا حبيبتي بدل ما الواد يطلع ميت وتبقي خسرنا الفلوس والوريث سوا.
جملة “الوريث” خلت معدتي تتقلب.
ماحدش فيهم كان بيشوف ابني كطفل. كانوا شايفينه مفتاح حسابات وبنوك وشركات.
طلق جديد ضربني بعنف لدرجة إني صرخت غصب عني. إيدي ارتجفت فوق الورق.
وكريم ابتسم.
افتكر إن النهاية قربت.
بس اللي ماكانش يعرفه… إن أستاذة نهى قالتلي حاجة مهمة جدًا قبل شهر: “الناس اللي بتجري ورا الطمع… عمرها ما تبص تحت رجليها.”
علشان كده… وأنا ماسكة القلم بإيدي الشمال… إيدي اليمين كانت بتتحرك ببطء ناحية زر صغير تحت الترابيزة.
زر أسود صغير جدًا.
كريم ماخدش باله. ولا سامية.
لأنهم كانوا مركزين مع الإمضاء.
ضغطت الزر.
في اللحظة دي تحديدًا…
نور الفيلا كله قطع.
سامية شهقت. — إيه ده؟!
كريم لف بسرعة ناحية السقف. — الكهربا قطعت؟!
لكن أنا كنت عارفة إن دي مش كهربا.
دي بداية.
ثانيتين بالظبط… وبعدين البيت كله اتقلب لصوت إنذار حاد مرعب.
كريم بصلي بصدمة. — عملتي إيه؟!
ابتسمت رغم الدم اللي نازل من شفايفي.
أول مرة يشوف الابتسامة دي.
ابتسامة واحدة ما فيهاش خوف.
قلت: — افتكرتني لوحدي؟
وقبل ما يرد…
باب الفيلا الخارجي اتفتح بعنف.
صوت رجالة كتير دخل المكان. خطوات سريعة. وأوامر حادة.
سامية رجعت لورا بفزع وهي حاضنة موبايلها: — مين دول؟!
ثم ظهر أول واحد.
رجل ضخم لابس بدلة سوداء وسماعة في ودنه.
وراه أربعة غيره.
وفي آخرهم… دخلت أستاذة نهى.
بنفس هدوئها المعتاد. بنفس شعرها الأبيض القصير. ونظرتها اللي دايمًا كانت تخوف كريم أكتر من الشرطة نفسها.
بصتلي أولًا. ولما شافت الدم على وشي… وشعرى الممسوك… والماية حواليا على الرخام…
وشها اتغير.
أول مرة أشوفها غضبانة بالشكل ده.
قالت بصوت هادي جدًا: — سيب شعرها يا كريم.
كريم سابني تلقائيًا كأنه اتلسع.
بص حواليه بعصبية: — إنتوا دخلتوا هنا إزاي؟!
نهى طلعت ورقة من شنطتها الجلد. — بأمر نيابة.
سامية صرخت: — نيابة إيه؟ دي حرامية! دي بتلفق لابني!
نهى بصتلها ببرود. — التسجيلات اللي عندي فيها ابنك وهو بيضرب مراتِه الحامل من شهرين. والتحويلات اللي خرجت من حسابات المنصوري لحسابات وهمية باسمك. والتوكيلات المزورة اللي حاولتوا تمرروها. نكمّل؟
وش كريم شحب.
وأنا… كنت بحاول أتنفس.
الطلق بقى أسرع. أقوى. حاسّة ابني بينزل فعلًا.
همست بالعافية: — نهى…
جريت ناحيتي فورًا. ركعت على الأرض جنبى. — الإسعاف تحت يا هنا. استحملي دقيقة واحدة.
كريم قرب بعصبية: — محدش هياخدها من هنا!
واحد من رجال الأمن وقف قدامه فورًا. — ارجع لورا.
كريم زعق: — دي مراتي!
أنا رفعت عيني ليه وأنا بتلوى من الألم. وقلت: — لا… أنا ضحيتك.
الجملة نزلت عليه كأنها كف.
سامية حاولت تمسك دراع نهى. — إنتوا فاكرين إنكم هتاخدوا حاجة؟! كل حاجة باسم جوزها!
نهى قامت ببطء. ثم بصتلها بابتسامة صغيرة. — كان زمان.
قلبى دق بعنف.
كريم اتجمد. — يعني إيه؟
نهى رفعت ملف تاني. — من تلات شهور، هنا نقلت كل أملاك المنصوري لصندوق أمان قانوني غير قابل للبيع أو التنازل أثناء الحمل… بإشراف المحكمة الاقتصادية.
سامية فتحت بقها. — مستحيل!
نهى كملت: — وأي محاولة ضغط أو عنف لإجبارها على التوقيع تعتبر جريمة ابتزاز موثقة.
بصيت لكريم.
وشه بدأ ينهار قدامي.
لأول مرة… التحكم اختفى من عينه.
قال بصوت مهزوز: — هنا… إنتِ لعبتِ بيا؟
ضحكت رغم الوجع. — لا يا كريم… أنا بس صحيت بدري عنك.
طلق جديد ضربني بعنف رهيب. صرخت ومسكت بطني.
نهى لفت فورًا: — يلا حالًا! هي بتولد!
رجال الأمن اتحركوا بسرعة. واحد فيهم فتح الطريق. واتنين سندوني.
لكن كريم فجأة اندفع ناحيتي بعصبية هستيرية. — مش هتمشي بابني!
قبل ما يوصلني… رجل الأمن لكمه في صدره بعنف خلاه يقع على الترابيزة.
الملفات وقعت. الكاميرا طارت من إيد سامية. وصوتها ملأ الفيلا وهي بتصرخ: — ابنييي!
أنا كنت شبه غايبة.
الألم بقى بحر كامل بيغرقني.
لكن وسط الدوشة… شفت كريم واقع على الأرض. وشه مليان رعب.
مش خوف عليا. ولا على ابنه.
خوف على الفلوس.
ولأول مرة… ما حسيتش بأي حب ناحيته.
ولا ذرة.
نزّلوني بالمصعد بسرعة. المطر بره كان عنيف. الإسعاف واقفة قدام الفيلا بأنوارها الحمرا والزرقا.
أول ما خرجت… كاميرات الصحافة ضربت في وشي.
شهقت.
صحافة؟
نهى كانت ذكية زيادة عن اللزوم.
همست وأنا بتتنفس بصعوبة: — إنتِ بلغتي الإعلام؟
قالت وهي بتساعدني أطلع العربية: — لما الناس الأغنيا بيقعوا… لازم يقعوا قدام الكل.
وفي اللحظة دي… شفت كريم بيجري نازل ورا العربية وهو بيزعق باسمي.
لكن رجال الشرطة مسكوه.
وكان أول مرة في حياتي… أشوفه ضعيف.
اتقفلت أبواب الإسعاف.
وابتدت العربية تتحرك.
الممرضة كانت بتقيس النبض بسرعة. — الطلق كل دقيقتين! لازم نلحق.
غمضت عيني وأنا حاسة الدنيا بتلف.
لكن فجأة… افتكرت حاجة.
فتحت عيني بسرعة. — موبايل سامية…
نهى بصتلي. — ماله؟
ابتسمت بتعب. — كانت بتصور كل حاجة.
ثانية صمت… وبعدين نهى ابتسمت لأول مرة الليلة دي.
— ممتاز.
وصلنا المستشفى بعد أقل من عشر دقايق.
والدنيا هناك كانت فوضى.
أطباء. ممرضات. أسرة بتتحرك. وأصوات أجهزة.
الدكتورة أول ما كشفت عليا شهقت: — دي كانت هتولد في البيت فعلًا! ضغطها واقع والنزيف بدأ.
نهى مسكت إيدي. — إنتِ قوية يا هنا.
بصيتلها بدموع. — أنا تعبت.
ضغطت على إيدي بحنان نادر منها. — خلاص… كله هيخلص.
لكن ما خلصش بسهولة.
الولادة استمرت أربع ساعات كاملة.
أربع ساعات من الصراخ والدم والوجع.
في نصهم تقريبًا… قلبي بدأ يضعف.
سمعت الدكتورة بتقول بخوف: — لو النبض نزل أكتر هندخل عمليات فورًا.
كنت بغرق.
غرقانة في صوت الأجهزة. وفي خوف واحد بس: ابني.
همست وأنا شبه فاقدة الوعي: — أنقذوا ابني…
الدكتورة قربت مني. — هننقذكوا إنتوا الاتنين.
صرخت آخر صرخة طلعت مني…
وفجأة…
سمعت صوت بكاء.
بكاء عالي. غاضب. حي.
ابني.
الدموع نزلت من عيني فورًا.
الدكتورة ضحكت بتعب: — ولد زي القمر.
حطوه على صدري.
دافي. صغير. وبيعيط بعنف كأنه زعلان من الدنيا اللي دخلها.
حضنته وأنا ببوس راسه الصغيرة. وفي اللحظة دي… فهمت إن كل حاجة قبل الليلة دي ماتت.
أنا مش الست اللي كانت بتستخبى من الكدمات بالمكياج. ولا اللي بتقول “معلش أصل أعصابه تعبانة.” ولا اللي بتخاف من الوحدة أكتر من الإهانة.
أنا بقيت أم.
والأم لما بتصحى… بتبقى أخطر من أي حاجة.
بعد يومين… القضية انفجرت في كل مكان.
“رجل أعمال شاب ووالدته متهمان بابتزاز زوجته الحامل وإجبارها على التنازل عن ثروتها أثناء الولادة.”
الفيديو اللي سامية صورته بنفسها اتسرب بالكامل.
صوت كريم وهو بيقول: “امضي وإلا هتولدي هنا على الأرض يا بهيمة.”
اتعرض على كل القنوات.
الناس اتجننت.
الشركات اللي كانت بتتعامل معاه بدأت تنسحب. أسهمه وقعت. وأصدقاءه اختفوا.
أما سامية… فالست اللي كانت عاملة نفسها ملكة المجتمع… بقت بتستخبى من الكاميرات وهي داخلة النيابة.
وأنا؟
كنت قاعدة في أوضة المستشفى… وابني نايم جنبي.
سميته “آدم”.
لأن أول نفس أخده… كان بداية حياة جديدة ليا أنا كمان.
نهى دخلت عليا عصر يوم هادي. وحطت ملف كبير فوق الترابيزة.
— مبروك.
بصيتلها بتعب. — على إيه؟
— كسبنا أول جولة.
فتحت الملف.
أوامر تجميد حسابات. تحقيقات. بلاغات تزوير. وقرار بمنع كريم وسامية من التصرف في أي ممتلكات.
رفعت عيني ليها. — هو كان بيخوني؟
سكتت ثانية.
وده كان كفاية.
ضحكت ضحكة صغيرة مكسورة. — طبعًا.
نهى قعدت قدامي. — هنا… بصيلي.
بصتلها.
قالت: — أسوأ حاجة عملهالك مش الخيانة. أسوأ حاجة إنه خلاكي تشكي في نفسك.
الكلمة ضربتني مباشرة.
لأنها كانت صح.
كريم ماكسرش عظمي… كسر ثقتي في نفسي.
خلاني أحس إني قليلة. تقيلة. صعبة الحب. وإن أي راجل ممكن يسيبني لو ما تحملتوش.
لكن وأنا ببص لآدم… عرفت إن ابني لازم يشوف أم مختلفة.
مش أم مكسورة.
بعد شهر… طلعت من المستشفى.
الصحافة كانت واقفة بره. الكاميرات في كل مكان.
لكن المرة دي… ما استخبتش.
خرجت شايلة ابني. رافعة راسي.
واحدة من الصحفيات سألت: — مدام هنا! عندك رسالة لجوزك؟
وقفت. بصيت مباشرة للكاميرات.
وقلت: — الراجل اللي يمد إيده على ست حامل… عمره ما يبقى راجل. واللي يفتكر إن الفلوس تحميه من الحساب… عمره ما قابل أم بتدافع عن ابنها.
وفي نفس الليلة… شفت اللقاء من التلفزيون.
وكريم كان بيتفرج عليه من زنزانته.

بتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *