وحدي اسما السيد 1
٤كنت وحدي في حفل زفاف أختي عندما دعاني رجل غريب للرقص… ولم أكن أعرف وقتها أن الرجل الذي جلس على الكرسي الفارغ بجانبي لم يكن مجرد ضيف عابر، بل صاحب الفندق نفسه… وأن تلك الليلة ستغيّر حياتي كلها.
كان هناك كرسيان فارغان على الطاولة المستديرة الأقرب إلى ساحة الرقص، ورغم إن محدش قالها بصوت عالي… إلا إن الكرسيين كان ليهم أسماء.
واحد مكانه فاضي علشان كريم… الراجل اللي كان المفروض يبقى جوزي قبل ما يختفي من حياتي قبل الفرح بثلاث أسابيع برسالة طويلة على الواتساب قال فيها إنه “مش جاهز للجواز”.
والكرسي التاني حطته أختي الصغيرة مريم علشان متخليش شكل الترابيزة يقول الحقيقة اللي الكل عارفها: إني حضرت فرح أختي لوحدي.
اسمي ياسمين الشاذلي. عندي 25 سنة، وبشتغل مترجمة في دار نشر صغيرة في وسط البلد بالقاهرة. وأختي مريم كانت لسه متجوزة من شريف، مهندس هادي من النوع اللي يسمع أكتر ما يتكلم.
الفرح كان في فندق “النيل الملكي” في الزمالك…
كنت قاعدة بفستان أخضر غامق. ماما قالت إنه “محتشم وشيك”. وكان في إيدي كوباية مياه غازية وابتسامة علشان محدش يسألني: “عاملة إيه بعد اللي حصل؟”
مر ست شهور على آخر رسالة من كريم. آخر مرة شفته فيها كانت قبل كتب الكتاب بثلاث أسابيع. وبعدها عرفت إنه سافر مع بنت تانية على الساحل.
كنت فاكرة الوجع خلص… بس الأفراح دايمًا تعرف تفتح الجروح القديمة.
الفرقة خلصت أغنية سريعة، وبعدها قعد العازف على البيانو. في اللحظة دي، مريم بصتلي من بعيد بعينين مرتبكين.
فهمت قبل ما أول نغمة تشتغل.
دي كانت أغنية بابا المفضلة.
أبويا، الأستاذ محمود الشاذلي، كان بيعزفها في كل فرح في العيلة. كان مدرس موسيقى في مدرسة حكومية بشبرا. راجل هادي… صوته دافي… وإيده عمرها ما رفعت على حد. كان دايمًا يقول لي: “الترجمة مش كلمات يا ياسمين… الترجمة إحساس.”
مات من سبع سنين بأزمة قلبية وهو راجع من المدرسة.
ومن يومها… محدش شغل الأغنية دي تاني.
أول نغمة ضربت قلبي كأن الزمن رجع فجأة. شفت بابا قدام البيانو القديم في الصالة. ريحة القهوة. صوته. ضحكته.
وقفت مكاني من غير ما أتحرك.
مريم كانت هتيجي ناحيتي، لكن شريف حط إيده على ضهرها وسحبها للرقص. أشرتلها إني بخير.
ودي كانت كذبة.
بعد الأغنية بدأ الرقص تاني. الناس ضحكت. الأنوار اتحركت. وأنا فضلت قاعدة بين الكرسيين الفاضيين.
لحد ما راجل غريب عدى ناحية الترابيزة…ووو
لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد
لحد ما راجل غريب عدى ناحية الترابيزة، وقف لحظة كأنه كان بيدور على مكان بعينه، وبعدين بص للكرسي الفاضي اللي جنبي، الكرسي اللي عليه كارت صغير مكتوب عليه “ضيف”، وابتسم ابتسامة هادية كأن الكلمة دي تخصه هو بالذات. كان طويل، لابس بدلة سوداء بسيطة لكنها غالية من غير ما تصرخ بكده، وشعره مسرح بعناية، وعينيه فيها هدوء غريب يخوف ويطمن في نفس الوقت. قال بصوت منخفض: “الكرسي ده فاضي؟” بصيتله وأنا بحاول أجمع نفسي. قلت: “واضح إنه فاضي.” ابتسم أكتر، مش بسخرية، لكن كأنه فهم إن ردي كان دفاع مش قلة ذوق. سحب الكرسي وقعد من غير ما يستأذن زيادة، وقال: “أحيانًا الكراسي الفاضية بتكون أتقل من الكراسي اللي عليها ناس.” الجملة نزلت عليا بغرابة. بصيتله باستنكار خفيف وقلت: “حضرتك شاعر ولا ضيف تايه؟” ضحك ضحكة قصيرة وهادية وقال: “ضيف تايه غالبًا.” سكتنا لحظات. حواليّ الناس بترقص وتضحك، ومريم كانت في حضن شريف بتلف ببطء تحت الإضاءة الذهبية، وأنا كنت قاعدة جنب رجل ماعرفوش وكأني فجأة بقيت أقل وحدة من دقيقة واحدة فاتت. سألني: “أنتِ أخت العروسة؟” قلت: “واضح من الشبه ولا من الحزن اللي على وشي؟” قال: “من الطريقة اللي بتبصي بيها عليها… فيها حب وقلق ووداع.” قلبي اتقبض. ماكنتش مستعدة إن حد غريب يقرأني بالسهولة دي. قلت وأنا ببص بعيد: “هي مش مسافرة، هي اتجوزت بس.” قال: “الجواز أحيانًا سفر برضه.” رجعت بصيتله وقلت: “حضرتك بتتكلم كده مع كل الناس في الأفراح؟” قال: “لا. بس أنتِ قاعدة بين كرسيين فاضيين، وده يخلي الواحد يحس إنه لازم يقول حاجة أذكى من ألف مبروك.” حاولت أمنع ابتسامتي، لكنها ظهرت غصب عني. لمحها، لكن ماعلقش. كان عنده رقي غريب، مايضغطش، مايتطفلش، مايحاولش يثبت إنه جذاب. العازف بدأ يعزف مقطوعة هادية تانية، مش أغنية بابا، لكنها قريبة منها في الحزن. حسيت عيني بتلمع، فبصيت على الكوباية قدامي. قال بهدوء: “مش لازم تبقي قوية طول الوقت.” الكلمة دي كسرتني أكتر من أي مواساة. رديت بسرعة: “ومين قال إني قوية؟” قال: “الناس الضعيفة بتعيط بسهولة. الناس اللي زيك بتفضل تبتسم لحد ما التعب يبان في عينيها.” اتنهدت وقلت: “حضرتك تعرفني منين عشان تحكم؟” قال: “ماحكمتش. لاحظت.” سكتّ. كنت عايزة أقوله يمشي، أو أسأله اسمه، أو أقوم أهرب للحمام زي ما عملت مرتين من بداية الفرح، لكني فضلت مكاني. يمكن لأن صوته كان هادي. يمكن لأن الكرسي اللي جنبي أخيرًا ما بقاش فاضي. يمكن لأن الليلة دي كنت محتاجة حد مايعرفش حكايتي كلها يسمع الجزء اللي باين منها من غير ما يسأل أسئلة توجع. فجأة مريم بصت ناحيتي، شافت الراجل، ووشها اتغير للحظة. مش صدمة، مش اعتراض، لكن ارتباك. همست حاجة لشريف، وشريف بص هو كمان ناحية الترابيزة. الرجل لاحظ نظراتهم، لكنه ما التفتش. سألني: “تحبي ترقصي؟” ضحكت بمرارة وقلت: “أنا؟ لا. واضح إن حضرتك فعلًا ضيف تايه.” قال: “ليه؟” قلت: “لأن كل اللي في القاعة عارفين إن ياسمين الشاذلي آخر واحدة ممكن تطلع ترقص النهارده.” قال: “وأنا مش من كل اللي في القاعة.” مد إيده بهدوء، من غير إجبار، من غير ثقة زيادة، وقال: “رقصة واحدة. لو حسّيتي إنك مش قادرة، ترجعي مكانك.” بصيت لإيده. كان طلب بسيط، لكنه بالنسبة لي كان أكبر من رقصة. كان معناه إني أسيب الكرسيين الفاضيين. أسيب مكان كريم. أسيب نظرات الناس. أسيب حزني خمس دقايق وأقف في النور. قلت: “أنا مش بعرف أرقص.” قال: “وأنا مش بطلب عرض باليه. بس امشي معايا على الموسيقى.” ماعرفش ليه حطيت إيدي في إيده. يمكن لأن بابا كان دايمًا يقول لي إن أحيانًا الموسيقى بتاخدنا من المكان اللي بنغرق فيه. قام وسحبني بلطف. وأنا واقفة حسيت بعشرات العيون بتلتفت. ماما عند الطاولة البعيدة رفعت حاجبها، خالتي همست للي جنبها، ومريم حطت إيدها على صدرها كأنها خايفة عليا من حاجة. أما أنا فكنت ماشية كأني مش أنا. وصلنا لساحة الرقص. إيده كانت ثابتة، محترمة، ماسكة إيدي كأنها حاجة ثمينة مش كأنها فرصة. حط إيده التانية بخفة على مسافة آمنة من ضهري، وقال: “اتبعي الإيقاع بس.” قلت بتوتر: “لو دوست على رجلك ماتلومنيش.” قال: “أنا صاحب رجلين، أقدر أضحي بواحدة.” ضحكت. ضحكت بجد لأول مرة من شهور. رفعت عيني لقيته بيبصلي كأنه كان مستني الضحكة دي. مش بنظرة طمع، لكن بنظرة انتصار صغير على الحزن. الموسيقى مشيت بينا. خطوة. خطوة. نور القاعة بقى أنعم. صوت الناس بقى أبعد. لوهلة حسيت إن الكرسيين الفاضيين اختفوا. إن كريم مش موجود. إن الرسالة الطويلة اللي ودعتني على واتساب اتحرقت من الذاكرة. إن بابا لو كان موجود كان هيبتسم ويقول: “أهو كده يا ياسمين… خلي الإحساس يترجمك.” الرجل قال: “اسمك ياسمين، صح؟” اتفاجئت. قلت: “عرفت منين؟” قال: “مكتوب على كارت المكان اللي قدامك.” ابتسمت بخجل من غبائي. “وأنت اسمك إيه؟” لحظة صمت قصيرة جدًا مرت بينا. قال: “آدم.” “آدم إيه؟” قال: “آدم بس يكفي الليلة.” حسيت إن في حاجة وراه، لكني ما ضغطتش. يمكن لأن أنا كمان كنت عايزة أبقى ياسمين بس، مش ياسمين اللي اتسابَت، ولا ياسمين اللي الناس صعبانة عليها، ولا ياسمين أخت العروسة اللي قاعدة لوحدها. سألني: “بتشتغلي إيه؟” قلت: “مترجمة.” قال: “جميل.” قلت: “ليه؟” قال: “لأن المترجمين بيعيشوا أكتر من حياة.” هزيت راسي وقلت: “أحيانًا بيتعبوا أكتر من حياة.” قال: “من طريقة كلامك واضح إنك بترجمي الحزن كويس.” قلت: “والفرح وحش معايا شوية.” قال: “يبقى نتدرب عليه.” الكلمة وقعت في قلبي كأنها وعد صغير. خلصت الرقصة، لكن إيده ما سابتش إيدي فورًا. سألني: “تحبي نتمشى؟ في تراس هادي بره.” عقلي قال لا. قلبي قال محتاجة نفس. بصيت ناحية مريم، لقيتها متابعة من بعيد. رفعتلها إيدي إشارة إني بخير، ومشيت معاه. خرجنا من القاعة لممر طويل مفروش بسجاد ناعم، جدرانه عليها صور قديمة للقاهرة والنيل والزمالك زمان. رائحة الورد اختلطت برائحة الخشب المصقول. التراس كان واسع، مفتوح على النيل، والهواء بارد شوية، كأنه بيغسل سخونة القاعة من وشي. وقفت عند السور وبصيت للمياه. القاهرة بالليل كانت عاملة زي واحدة متزينة رغم تعبها. قال آدم: “هنا المكان المفضل عندي في الفندق.” التفت له بسرعة. “في الفندق؟ أنت مقيم هنا؟” ابتسم وكأنه أدرك إنه قال زيادة عن اللازم. “نوعًا ما.” قبل ما أسأله، ظهر مدير القاعة من آخر الممر، رجل خمسيني أنيق، كان باين عليه التوتر. قرب وقال باحترام شديد: “آدم بيه، المعذرة، في مشكلة بسيطة مع جناح كبار الضيوف.” تجمدت مكاني. آدم بيه؟ المدير بيكلمه كده ليه؟ آدم بصله بنظرة هادية لكنها حاسمة وقال: “مش دلوقتي يا أستاذ نبيل. اتصرفوا بهدوء، وأنا هاجي بعد شوية.” الرجل انحنى تقريبًا ومشي بسرعة. فضلت باصة لآدم. هو تنهد كأنه عرف إن اللحظة اتكسرت. قلت: “آدم بيه؟” قال: “كنت هقولك.” “تقول إيه بالضبط؟” سكت لحظة ثم قال: “أنا آدم النجار. مالك فندق النيل الملكي.” رجعت خطوة من غير ما أحس. مش خوف، لكن صدمة. الرجل الغريب اللي قعد على كرسي “ضيف” كان صاحب الفندق. يعني مش ضيف تايه. يعني مريم وشريف كانوا عارفين؟ يعني كل اللي حصل صدفة ولا ترتيب؟ ضحكت بسخرية خفيفة وقلت: “أكيد دي عادة عندك؟ تقعد جنب البنات الحزينة في أفراح عيلتهم وتقول جمل عميقة وبعدين تطلع صاحب المكان؟” ملامحه اتغيرت، وظهر عليه ضيق حقيقي. قال: “لا. ومش بالشكل اللي فهمتيه.” قلت: “أمال إيه الشكل؟” قال: “أنا كنت معدي على القاعة أتأكد إن كل حاجة ماشية كويس. شوفتك قاعدة لوحدك. شوفت الكرسيين. ماكنتش أعرف قصتك، لكن…” قاطعته: “لكن حبيت تعمل مشهد لطيف؟” قال بهدوء: “لا. حبيت ما أسيبكيش لوحدك.” الجملة خلت غضبي يتلخبط. كان ممكن تكون تمثيل، لكن عينيه ماكانش فيها تمثيل. قلت: “أنا مش محتاجة شفقة.” قال بسرعة: “عارف. وعلشان كده ما قدمتهالكش.” سكت. الهوا حرك خصلة من شعري على وشي. رفعتها بإيدي المرتعشة. هو ما قربش، ما لمسنيش. اكتفى بالوقوف على مسافة تحترم ارتباكي. قال: “أنا آسف لو حسستك إني خدعتك. كان المفروض أقول اسمي كامل من الأول.” قلت: “كان المفروض.” ابتسم بحزن بسيط وقال: “معاكي حق.” كان الاعتذار بلا تبرير مفاجئًا. كريم عمره ما اعتذر كده. كريم كان يحول كل خطأ لاتهام. لو زعلت أبقى حساسة. لو عاتبت أبقى خانقاه. لو بكيت أبقى بضغط عليه. أما آدم، الرجل اللي يقدر يأمر كل موظف في المكان، وقف قدامي ببساطة وقال إن معايا حق. الصوت الداخلي اللي جوايا قال: اهربي قبل ما تتعلقي بأي لطف. لكن رجلي ما اتحركتش. رجعنا القاعة بعد دقائق. طول الطريق ما اتكلمناش. عند الباب، قال: “ممكن أرجعك لترابيزتك؟” قلت: “أقدر أرجع لوحدي.” هز راسه باحترام وقال: “طبعًا.” مشيت خطوتين، ثم التفت وقلت: “شكرًا على الرقصة.” ابتسم وقال: “شكرًا إنك قبلتيها.” رجعت مكاني، لكن الكرسيين ماكانوش زي الأول. كرسي كريم فضل فاضي، لكن كرسي الضيف بقى عليه أثر. كأن وحدة المكان اتكسرت. مريم جتلي بعد شوية، فستانها الأبيض بيتحرك وراها زي غيمة. قعدت جنبي وهمست: “إنتِ كويسة؟” قلت: “أيوه.” عينيها لمعت. “آدم النجار رقص معاكي؟” قلت: “واضح إن الخبر انتشر.” قالت: “ياسمين، ده صاحب الفندق. وناس كتير بتحاول تقرب منه ومابيعبرش حد.” قلت بنبرة دفاع: “ماحصلش حاجة. رقصة وخلاص.” مريم مسكت إيدي وقالت: “أنا مش بقول إن حصل حاجة. أنا بس… أول مرة أشوفك بتضحكي من زمان.” قلبي وجعني. بصيت لها وقلت: “كان يومك يا مريم. ماتخليش حاجة تخصني تسرق فرحتك.” دمعت وقالت: “إنتِ مش حاجة تخصك بس. إنتِ أختي.” حضنتها بسرعة قبل ما أبكي. في نهاية الفرح، كنت واقفة عند الباب بودع الضيوف مع ماما ومريم وشريف. آدم ظهر من بعيد بيتكلم مع موظفين، لكنه كل شوية عينيه تلمحني. ما قربش. ما استغلش. بس قبل ما أمشي، وجدت موظف صغير بيقرب مني ومعاه ظرف عاجي. قال: “آنسة ياسمين، ده لحضرتك.” فتحت الظرف في العربية بعد إلحاح مريم. كان فيه كارت بسيط مكتوب بخط رجل واضح: “أحيانًا لا تتغير الحياة كلها في ليلة واحدة، لكنها تبدأ بخطوة واحدة بعيدًا عن الكرسي الفارغ. شكرًا على الرقصة. آدم.” تحت الجملة كان فيه رقم هاتف. ماما سألت: “إيه ده؟” قفلت الكارت بسرعة وقلت: “ولا حاجة.” لكن مريم شافت، وابتسمت ابتسامة عارفة. في تلك الليلة، رجعت شقتي في وسط البلد متعبة بطريقة غريبة. خلعت الفستان الأخضر وعلقته على باب الدولاب بدل ما أرميه على الكرسي كالعادة. غسلت وشي، وقفت قدام المراية، وشوفت امرأة مش سعيدة تمامًا، لكنها مش مكسورة زي الصبح. مسكت الكارت. قرأته مرة. اتنين. عشرة. وبعدها حطيته في درج المكتب. قلت لنفسي: مش هتتصلي. مش هتدخلي حكاية جديدة علشان رقصة. مش هتصدقي رجل لطيف ظهر في لحظة ضعف. لكن قبل ما أنام، فتحت الدرج تاني وبصيت للرقم. مر يوم. اتنين. أسبوع. آدم ما اتصلش لأنه ماكانش معاه رقمي. وأنا ما اتصلتش لأني كنت بخاف من كل بداية شكلها جميل. رجعت حياتي لطبيعتها: دار النشر، كتب مترجمة، شاي بالنعناع، زحمة المترو، رسائل ماما، وصور مريم من شهر العسل. لكن حاجة صغيرة كانت اتغيرت. بقيت أسمع الموسيقى اللي كان بابا بيحبها من غير ما أقفلها فورًا. بقيت ألبس الفستان الأخضر في خروجات عادية. بقيت أبص لنفسي في المراية وأقول إن كريم ماخدش مني كل حاجة. في يوم خميس، بعد حوالي عشرة أيام من الفرح، وصلت دار النشر بدري. مديري الأستاذ سامح كان مستنيني بملف كبير وقال: “ياسمين، عندنا عرض ترجمة مهم. فندق النيل الملكي عامل كتاب تذكاري عن تاريخ الفندق والقاهرة القديمة، وعايزين مترجم شاطر يحول النص للعربي والإنجليزي بشكل أدبي.” قلبي وقع قبل ما أسمع باقي الكلام. قال: “رشحتك. الاجتماع النهارده الساعة خمسة في الفندق.” حاولت أبدو عادية. قلت: “ليه أنا؟” قال: “لأنك أحسن واحدة عندنا في النصوص اللي فيها روح.” روح. الكلمة دي كانت بتاعة بابا. طول اليوم كنت مشتتة. قلت لنفسي دي شغل. آدم يمكن مش هيكون موجود. فندق كبير، مالك مش لازم يحضر اجتماع ترجمة. لكن لما دخلت قاعة الاجتماعات الصغيرة المطلة على النيل، كان آدم واقف عند الشباك. التفت أول ما دخلت. ما ابتسمش ابتسامة انتصار، ما قالش “كنت عارف إنك هتيجي”. قال فقط: “مساء الخير يا ياسمين.” قلت: “مساء النور.” الأستاذ سامح كان معايا، ومعاه مسؤولة التسويق في الفندق. الاجتماع بدأ رسمي جدًا. ملفات وصور قديمة وحكايات عن الفندق منذ بنائه في الأربعينيات، عن مطربين غنوا في قاعاته، رؤساء نزلوا في أجنحته، أفراح بدأت فيه وبيوت اتبنت بعده. آدم كان بيتكلم عن المكان كأنه بيت قديم مش مشروع استثماري. قال: “أنا مش عايز ترجمة حرفية. عايز اللي يقرأ يحس إن الجدران دي كانت شاهدة.” من غير ما أقصد، قلت: “الترجمة مش كلمات… الترجمة إحساس.” آدم بصلي فورًا. سأل بهدوء: “دي جملتك؟” بلعت ريقي وقلت: “جملة بابا.” تغيرت نظرته، بقت أنعم. قال: “يبقى والدك كان فاهم.” بعد الاجتماع، الأستاذ سامح مشي مستعجل، ومسؤولة التسويق خرجت تجيب نسخة من العقد. فضلت أنا وآدم وحدنا لدقيقة. قال: “ماحبتش أتدخل في اختيار المترجم. اسمك جه من دار النشر.” قلت: “أنا ما اتهمتكش.” قال: “عارف، بس حبيت أسبق الخوف اللي في عينيك.” اتضايقت من دقته، وقلت: “إنت دايمًا بتقرأ الناس كده؟” قال: “لا. أنتِ بس واضحة لما بتحاولي تخبي.” ابتسمت رغمًا عني. قال: “لسه زعلانة إني ماقولتش أنا مين؟” قلت: “أقل شوية.” قال: “تقدم.” رجعت مسؤولة التسويق، ووقعت العقد. ومن يومها بدأت أروح الفندق مرتين في الأسبوع لجمع المواد ومراجعة النصوص. كنت أقابل آدم أحيانًا في الممرات، في المكتبة القديمة، في البهو. لم يطلب مني خروج، لم يضغط، لم يكرر قصة الرقصة. كان يعاملني كأنني محترفة أولًا، وامرأة لفتت انتباهه ثانيًا بطريقة مهذبة لا تخيف. وهذا أخافني أكثر. لأن الرجل الذي يقترب بهدوء قد يدخل القلب من غير صوت. مع الوقت عرفت عنه أشياء من العاملين قبل ما أعرفها منه. عرفت إن والده مات وهو صغير، وإن أمه أسست الفندق مع جده، وإنه رجع من لندن من خمس سنين بعد أزمة مالية كادت تبيع الفندق لمستثمر خليجي، وإنه أنقذ المكان لكنه دفع ثمنًا كبيرًا. عرفت إنه كان مخطوبًا قبل سنوات لامرأة من طبقة عالية تركته وقت الإفلاس، ثم حاولت الرجوع بعد نجاحه. عرفت إنه صارم مع الإدارة لكنه كريم مع العمال. وفي يوم، كنت في أرشيف الفندق أراجع صورًا قديمة، وجدت صورة لرجل يعزف بيانو في قاعة تشبه قاعة فرح مريم. تجمدت. الرجل في الصورة كان أبي. أصغر سنًا، يبتسم وهو يعزف. كتبت خلف الصورة: “الأستاذ محمود الشاذلي، حفل رأس السنة 1999.” لم أشعر بنفسي إلا وأنا أبكي. آدم دخل بالصدفة، أو هكذا ظننت. وقف عند الباب، ولما شاف الصورة في إيدي فهم. قال: “كنت ناوي أوريهالك لما تبقي مستعدة.” رفعت وجهي المبلل وقلت: “أنت عرفت؟” قال: “بعد الفرح سألت عن الأغنية. مريم قالت لي إن والدك كان يعزفها. بعدها دورت في أرشيف الفندق، ولقيت صورته.” لمست الصورة بإيدي كأنني ألمس وجه بابا. “هو عزف هنا؟” قال: “كتير. أمي كانت بتحبه جدًا. كانت تقول إن الأستاذ محمود لا يعزف للنزلاء، هو يعزف للذكريات.” بكيت أكثر. ولأول مرة لم أحاول أكون قوية. آدم لم يلمسني. فقط قرب كرسيًا وجلس على مسافة، كأنه يحرس حزني من غير ما يقتحمه. قلت بصوت متقطع: “كنت فاكرة الليلة دي أخدت بابا مني تاني. لكن يمكن جابتهولي.” قال: “يمكن بعض الأماكن بتحتفظ بالناس لحد ما نرجع ناخدهم منها.” بعد ذلك اليوم، لم يعد الفندق مجرد شغل. صار مكانًا فيه أبي، وفيه موسيقى، وفيه رجل يعرف كيف يصمت بجانبي. بدأت علاقتنا تتشكل ببطء. قهوة بعد الاجتماعات. حديث عن الكتب. تمشية قصيرة على التراس. مرة سألني عن كريم، فحكيت. لم أحك كل التفاصيل دفعة واحدة. قلت له عن الرسالة. عن الإلغاء. عن الشماتة المغلفة بالشفقة. عن الليالي التي كنت أفتح فيها صور فستان الزفاف وأغلقها كأنها جرح. آدم سمع حتى النهاية ثم قال: “هو لم يتركك لأنك ناقصة. هو هرب لأن وجودك كان يحتاج رجلًا كاملًا.” لم أعرف كيف أرد. وفي المقابل، حكى لي عن خطيبته السابقة، داليا، التي أحبته وهو ابن مالك الفندق وتركت آدم الإنسان حين خسر كل شيء. قال: “بعدها بقيت أخاف من أي حد يحب الضوء اللي حواليا لا الشخص اللي جواه.” قلت له: “وأنا بقيت أخاف من أي شخص يقول إنه باقٍ.” نظر للنيل وقال: “إذن نحن اثنان نخاف من الشيء نفسه بأسماء مختلفة.” بعد شهرين، انتهت ترجمة الكتاب. في حفل إطلاق صغير داخل الفندق، قرأ آدم جزءًا من المقدمة التي كتبتها: “كل فندق يملك غرفًا، لكن القليل من الأماكن يملك ذاكرة. النيل الملكي لا يطل على النهر فحسب، بل يحفظ انعكاسات الذين مروا أمامه: عروس خبأت دمعتها، أب عزف لابنته أغنية، رجل جلس على كرسي فارغ فتغير معنى الغياب.” عندما قرأ الجملة الأخيرة، نظرات كثيرة اتجهت إليّ. احمر وجهي، لكنه أكمل بثبات. بعد الحفل، خرجنا للتراس نفسه. قال: “الجملة دي تخصنا؟” قلت: “تخص الكتاب.” قال: “والكتاب يخص الذاكرة.” قلت: “آدم…” قاطعني بلطف: “أنا مش هطلب منك حاجة تخوفك. لكن لازم أكون صريح. أنا ارتحتلك من أول ليلة. وبعدها أعجبت بعقلك. وبعدها خفت، لأن وجودك بدأ يبقى مهم.” قلبي دق بقوة. قلت: “أنا لسه بخاف.” قال: “وأنا كمان.” “طب وبعدين؟” قال: “نمشي بخوفنا واحدة واحدة. من غير وعود كبيرة. من غير ضغط. لكن من غير هروب.” لم أقل نعم، ولم يقل أحبك. لكن في تلك الليلة، تركت يدي تستريح في يده للحظة أطول من اللازم. وكان ذلك كافيًا كبداية. لكن الحكايات الجميلة لا تكتمل بلا اختبار. بعد أسبوع، عاد كريم. ظهر فجأة أمام دار النشر، بسيارته الجديدة، ونظارته الشمسية، وثقته القديمة التي كنت يومًا أظنها رجولة. قال: “ممكن نتكلم؟” جسدي كله برد. قلت: “مافيش كلام.” قال: “ياسمين، أنا غلطت. كنت مضغوط. البنت اللي سافرت معاها ماكانتش زي ما فهمتي.” ضحكت بمرارة. “يعني أنا فهمت غلط إنك سبتني قبل كتب الكتاب بثلاث أسابيع؟ فهمت غلط إنك اختفيت؟ فهمت غلط إنك خليتني أواجه الناس لوحدي؟” حاول يمسك إيدي، فسحبتها. قال: “أنا عرفت إنك ماشية مع صاحب الفندق. واضح إنك نسيتي بسرعة.” الجملة ضربت مكانًا قديمًا. لكنه لم يعد ينزف بنفس الطريقة. رفعت رأسي وقلت: “أنا ما نسيتش بسرعة. أنا اتوجعت ببطء. فرق كبير.” وشه اتغير. قال: “هو فاكر نفسه هيحبك؟ الناس دي بتتسلى.” قلت: “حتى لو كلامك صح، مش هيرجعك ده محترم.” لأول مرة شفت كريم عاجز. كان معتادًا أن يهزني بجملة، أن يعيدني للذنب، أن يجعلني أدافع عن نفسي. لكنه أمام ياسمين الجديدة لم يجد مدخلًا. مشيت وتركته واقفًا. لكن رغم قوتي الظاهرة، رجعت بيتي وانهرت. الخوف القديم عاد: ماذا لو كان آدم فعلًا مرحلة؟ ماذا لو كنت أكرر الغلطة؟ ماذا لو قلبي الذي بالكاد لملمته يتكسر مرة أخرى؟ ابتعدت عن آدم يومين. لم أرد إلا برسائل قصيرة تخص العمل. في اليوم الثالث، جاءني إلى دار النشر، لا كمالك فندق، بل كرجل قلق. وقف عند المدخل وقال: “لو محتاجة مساحة هحترمها. لكن ماتختفيش من غير ما تقولي إنك بخير.” بكيت. لم أستطع التظاهر. حكيت له عن كريم، عن كلامه، عن خوفي. آدم سمع، ثم قال: “أنا لا أقدر أضمن لك إن الحياة مش هتوجعك تاني. بس أقدر أضمن لك إني مش هستخدم خوفك ضدك.” قلت: “كلهم بيقولوا كده في الأول.” قال: “يبقى ماتصدقيش كلامي. صدقي أفعالي. وخدي وقتك.” ثم تركني. لم يحاول أن ينتصر على كريم بكلام. لم يقل إنه أفضل. لم يطلب مني إثبات ثقة. فقط ترك لي الباب مفتوحًا. وفي ذلك المساء، اتصلت به لأول مرة من نفسي. قلت له: “تحب تتمشى؟” سكت لحظة، ثم قال بصوت دافئ: “أحب جدًا.” مرت الشهور بعدها كأن القاهرة نفسها صارت أحن. مريم حملت في طفلها الأول. ماما بدأت تسأل عن آدم بطريقة مترددة، ثم أحبته حين زارنا ومعه أسطوانة قديمة لموسيقى أبي كان الفندق محتفظًا بها. جلس في صالون بيتنا الصغير في شبرا، يستمع لأمي وهي تحكي عن بابا كأنه يسمع حكاية ملك. لم يتأفف من الشقة القديمة، لم يتعامل مع بساطتنا كغرابة لطيفة، ولم يبالغ في التواضع المزيف. قبل يد أمي عند المغادرة، فقالت لي بعد أن مشى: “الراجل ده عينه فيها أمان يا ياسمين.” خفت من الجملة لأنها كانت تشبه مباركة. وفي يوم ميلاد أبي، دعاني آدم إلى الفندق. القاعة كانت خالية إلا من بيانو مضاء بنور ناعم، وعلى البيانو صورة أبي التي وجدتها في الأرشيف، وقد وضعها في إطار فضي. قال: “ماحبتش اليوم يعدي تقيل.” اقتربت من البيانو ببطء. لمست المفاتيح. قلت: “بابا كان يتمنى أتعلم، بس أنا كنت بمل بسرعة.” قال: “تحبي نسمع الأغنية؟” أشار لعازف عجوز كان يجلس في زاوية القاعة. بدأ يعزف أغنية أبي المفضلة. هذه المرة لم أشعر أن قلبي ينكسر. شعرت كأن أبي يفتح نافذة. آدم مد يده كما فعل في فرح مريم. “رقصة؟” ضحكت والدموع في عيني. “تاني؟” قال: “لحد ما تبطلي تخافي من الأغنية.” رقصنا في القاعة الخالية. لا عيون. لا شفقة. لا كرسي كريم. فقط موسيقى وذكرى ورجل تعلم ألا يلمس قلبي إلا برفق. في نهاية الرقصة، قال آدم: “ياسمين، أنا بحبك.” الكلمة خرجت منه هادئة لا درامية، لكنها ملأت المكان كله. أغمضت عيني. كنت أنتظر أن أرتعب، لكني لم أرتعب. كنت أنتظر أن أهرب، لكني لم أهرب. قلت بصوت مبحوح: “وأنا بحبك… بس بخاف.” ابتسم وهو يلمس أطراف أصابعي فقط. “نحب بخوفنا إذن.” بعد عام من فرح مريم، عدنا إلى القاعة نفسها. هذه المرة لم أكن جالسة بين كرسيين فاضيين. كنت واقفة عند الباب بفستان أبيض بسيط، ومريم تعدل طرحة شعري وهي تبكي وتضحك في الوقت نفسه. ماما كانت ممسكة بصورة بابا الصغيرة وتهمس: “كان لازم يشوفك.” قلت لها: “هو شايف.” في القاعة، كان هناك كرسي واحد فارغ في الصف الأول، عليه صورة أبي ووردة بيضاء. لم يكن كرسي غياب موجع، بل كرسي حضور بطريقة أخرى. أما الكرسي الذي كان يومًا مكتوبًا عليه “كريم”، فلم يعد له مكان في الحكاية. قبل أن أدخل، وقفت لحظة عند الباب. رأيت آدم في آخر الممر، ينتظرني بعينين لامعتين. ليس صاحب الفندق. ليس الرجل الغريب. بل الرجل الذي جلس بجانبي حين كنت أظن أنني انتهيت، وعلمني أن الفراغ لا يعني النهاية، أحيانًا يعني أن هناك مكانًا يستعد لشخص يستحقه. بدأت الموسيقى. نفس أغنية بابا. لكن هذه المرة لم تطعنني. حملتني. مشيت نحو آدم، وكل خطوة كانت تترجم شيئًا لم أستطع قوله من قبل: أنني نجوت، أنني لم أعد الفتاة التي تُترك برسالة، أن الكرسي الفارغ لم يكن إهانة، كان مساحة للقدر. وعندما وصلت إليه، مد يده لي. همس: “جاهزة؟” نظرت حولي. مريم وشريف، ماما، أصدقاء قليلون، وجدران الفندق التي حفظت وجعي وفرحي. ثم نظرت له وقلت: “جاهزة.” ابتسم وقال: “للرقص ولا للحياة؟” وضعت يدي في يده وقلت: “للاتنين.” وفي تلك اللحظة، عرفت أن الليلة التي بدأت بوحدة وكرسيين فارغين لم تكن نهاية حكاية حب فاشلة، بل بداية حكاية امرأة تعلمت أن من يرحل لا يأخذ معه قيمتها، وأن القلب لا يموت من الخذلان، فقط ينتظر من يطرق بابه بأدب، ويجلس على الكرسي الفارغ دون أن يدعي أنه يملك المكان، ثم يثبت يومًا بعد يوم أنه لم يأتِ ليملأ فراغًا مؤقتًا، بل ليصنع بيتًا كاملاً من الأمان.
يتبع
