مقعد طائره حكـايـات أسمـا ×5

الفصل السابع

 

ظل الجميع ينظر إلى الهاتف بعد انقطاع المكالمة.

 

أما أنا…

 

فلم أعد أسمع شيئًا.

 

كل ما كان يتردد داخل رأسي هو جملة واحدة.

 

“فين بنتي؟”

 

بنتي.

 

لأول مرة سمعت سيف يقولها.

 

لكن ياسمين لم تكن هنا لتسمعها.

 

ولم يكن هذا الوقت المناسب لأي مشاعر.

 

كان الوقت يمر.

 

وابنتي كانت في مكان مجهول.

 

انتزع سيف هاتفه واتصل بأحد رجاله.

 

“أقفلوا كل الطرق المؤدية للمطار.”

 

ثم اتصل بآخر.

 

“عايز موقع الرقم ده خلال دقايق.”

 

كان يتحدث بسرعة وعنف لم أرهما فيه من قبل.

 

أما أنا فكنت أتشبث بأرنب ياسمين الصغير وكأنني أتشبث بها.

 

اقترب مني جدي.

 

“هنلاقيها يا ليلى.”

 

لكن عينيه لم تكونا مطمئنتين.

 

وبعد أقل من عشر دقائق عاد أحد رجال الأمن.

 

كان وجهه متوترًا.

 

“لقينا موقع المكالمة.”

 

رفع سيف رأسه فورًا.

 

“فين؟”

 

“مصنع قديم مهجور على طريق السويس.”

 

ساد الصمت.

 

لكن الرجل أكمل:

 

“في مشكلة.”

 

“إيه؟”

 

“الإشارة اختفت بعد أقل من دقيقة.”

 

أغلق سيف عينيه.

 

“يعني كان مستنينا.”

 

هز الرجل رأسه.

 

“أيوة.”

 

ثم أضاف:

 

“وفي حاجة تانية.”

 

ناول سيف ظرفًا أبيض صغيرًا.

 

“ده وصل من خمس دقايق.”

 

فتح سيف الظرف بسرعة.

 

ثم تجمد مكانه.

 

انتزعت الورقة من يده.

 

وكانت صورة.

 

صورة حديثة جدًا.

 

ياسمين.

 

جالسة على كرسي.

 

لا تبكي.

 

ولا تبدو مصابة.

 

لكنها كانت تنظر إلى الكاميرا بخوف.

 

وتحت الصورة جملة واحدة.

 

“الملف قبل منتصف الليل.”

 

شعرت بركبتي تضعفان.

 

لكن سيف أمسك الورقة.

 

ثم قلبها.

 

وكانت هناك كتابة أخرى على الخلف.

 

خط يد أعرفه جيدًا.

 

خط مروان.

 

“لو فتحتوا الخزنة قبل ما أوصل للملف… هتخسروا أكتر من طفلة.”

 

نظر سيف إلى جدي.

 

“هو عارف رقم الخزنة.”

 

رد جدي ببطء:

 

“واضح إنه يعرف أكتر مما كنا متخيلين.”

 

ثم فجأة قال يوسف بصوت صغير:

 

“ماما…”

 

التفتنا جميعًا إليه.

 

كان ممسكًا بشيء في يده.

 

شيء لم نلاحظه من قبل.

 

ورقة مطوية.

 

“دي كانت مع ياسمين.”

 

أخذتها بسرعة.

 

فتحتها.

 

وكانت رسمة أطفال.

 

رسمتها ياسمين بنفسها منذ أيام.

 

لكن خلف الرسمة كان هناك شيء آخر.

 

أرقام.

 

وحروف.

 

وكلمات غير مفهومة.

 

تأملها جدي لثوانٍ.

 

ثم اتسعت عيناه فجأة.

 

“مستحيل.”

 

نظر إليه سيف.

 

“في إيه؟”

 

رفع جدي الورقة بيد مرتجفة.

 

وقال:

 

“دي مش شخبطة أطفال.”

 

“أومال إيه؟”

 

أجاب وهو يحدق في الأرقام:

 

“ده رقم صندوق الأمانات.”

 

تجمد الجميع.

 

أما أنا فلم أفهم.

 

لكن جدي أكمل بصدمة:

 

“الصندوق اللي فيه الملف.”

 

أصبح وجه سيف شاحبًا.

 

“إزاي؟”

 

نظر جدي إلى صورة ياسمين.

 

ثم قال الجملة التي قلبت كل شيء رأسًا على عقب:

 

“لأن ياسمين نفسها هي اللي أخدتني البنك من أسبوع.”

 

“ووقتها حد كان بيراقبنا.”

 

وفي تلك اللحظة بالذات…

 

وصلت رسالة جديدة إلى هاتف سيف.

 

فتحها بسرعة.

 

فإذا بصورة أخرى تظهر على الشاشة.

 

صورة ملتقطة قبل ساعات فقط.

 

لكن هذه المرة لم تكن لياسمين.

 

كانت لشخص آخر.

 

شخص ظن الجميع أنه مات منذ أربع سنوات.

 

عمر الديب.

 

وكان مقيدًا إلى كرسي داخل غرفة مظلمة.

 

وتحت الصورة رسالة قصيرة:

 

“أمامكم ثلاث ساعات فقط.”

 

يتبع…

الفصل الثامن

 

ساد صمت ثقيل بعد ظهور الصورة.

 

كان عمر الديب مقيدًا إلى كرسي معدني.

 

وجهه مليء بالكدمات.

 

وعيناه متعبتان بشكل مخيف.

 

أما الرسالة أسفل الصورة فكانت أوضح من أي تهديد.

 

“ثلاث ساعات.”

 

“ملف واحد.”

 

“أو تخسروا الاثنين.”

 

شعرت بقبضة باردة تعتصر قلبي.

 

ياسمين.

 

وعمر.

 

ومروان في مكان ما يحرك الخيوط كلها.

 

رفع سيف رأسه ببطء.

 

لكن شيئًا تغير داخله.

 

اختفى الذهول.

 

واختفى الارتباك.

 

وحل مكانهما شيء آخر.

 

غضب هادئ.

 

ذلك النوع من الغضب الذي يكون أخطر من الصراخ.

 

قال:

 

“هنجيب الملف.”

 

صرخت فورًا:

 

“لا.”

 

التفت الجميع نحوي.

 

أشرت إلى الصورة.

 

“اللي عمل ده مش هيرجع بنتي حتى لو أخد الملف.”

 

صمت سيف.

 

لأنه كان يعرف أنني محقة.

 

مروان لم يعد يبحث عن المال.

 

ولا عن الشركة.

 

ولا حتى عن النفوذ.

 

كان يبحث عن شيء آخر.

 

الانتقام.

 

السيطرة.

 

الهوس.

 

قال جدي:

 

“ليلى عندها حق.”

 

ثم نظر إلى سيف.

 

“مروان طول عمره بيلعب لعبة طويلة.”

 

تنهد سيف.

 

وأخذ يفكر لثوانٍ.

 

فجأة رفع رأسه.

 

“في حاجة مش راكبة.”

 

“إيه؟”

 

سألته بسرعة.

 

قال:

 

“لو مروان عايز الملف… ليه يخطف عمر؟”

 

نظرنا إليه جميعًا.

 

وأكمل:

 

“عمر هو الوحيد اللي يعرف مكان النسخة الأصلية.”

 

تجمد جدي.

 

ثم همس:

 

“يا نهار أبيض.”

 

شعرت بالقلق يزداد.

 

“إيه؟”

 

قال جدي:

 

“الملف اللي في البنك مش الأصل.”

 

نظرت إليه بصدمة.

 

“إزاي؟”

 

تنهد.

 

“لأن عمر كان أذكى من كده.”

 

ثم أكمل:

 

“قبل اختفائه بأيام سلمني نسخة ناقصة.”

 

“والنسخة الكاملة احتفظ بيها هو.”

 

اتسعت عينا سيف.

 

وفجأة بدأت الصورة تتضح.

 

مروان لا يريد الملف.

 

بل يريد عمر.

 

ويريد ما يعرفه عمر.

 

لكن في هذه اللحظة…

 

رن هاتف جدي.

 

رقم غير معروف.

 

نظر إلينا جميعًا.

 

ثم فتح المكالمة.

 

وجاء صوت طفولي صغير.

 

صوت جعل قلبي يتوقف.

 

“ماما؟”

 

ياسمين.

 

صرخت فورًا:

 

“ياسمين!”

 

بدأت أبكي دون أن أشعر.

 

“حبيبتي إنتِ كويسة؟”

 

جاء صوتها خافتًا.

 

“أنا كويسة يا ماما.”

 

“فين إنتِ؟”

 

ساد صمت قصير.

 

ثم قالت:

 

“في بيت كبير.”

 

شعرت بالإحباط.

 

لكنها أكملت.

 

“وفيه حصان.”

 

نظر سيف فجأة إلى جدي.

 

ثم إليّ.

 

وكأن فكرة خطرت في رأسه.

 

أما ياسمين فتابعت بعفوية:

 

“وفيه ساعة كبيرة بتدق.”

 

تجمد سيف بالكامل.

 

وقال فجأة:

 

“القصر الريفي.”

 

نظرنا إليه بعدم فهم.

 

لكنه أكمل بسرعة:

 

“مروان عنده قصر قديم ورثه من جده.”

 

“فيه إسطبل خيول.”

 

“وبرج ساعة قديم.”

 

ثم انقطع الصوت فجأة.

 

وانتهت المكالمة.

 

لكن هذه المرة…

 

لم يكن ذلك مهمًا.

 

لأننا أصبحنا نملك أول خيط حقيقي.

 

أمسك سيف مفاتيح سيارته.

 

والتفت نحوي.

 

كانت عيناها مليئتين بشيء لم أره منذ سنوات.

 

العزم.

 

قال:

 

“هجيب بنتنا.”

 

بنتنا.

 

مرة أخرى.

 

هذه المرة لم أعترض.

 

لأنني رأيت الصدق في عينيه.

 

لكن قبل أن نتحرك…

 

وصل إشعار جديد إلى هاتفه.

 

فتح الرسالة.

 

ثم شحب وجهه فجأة.

 

انتزعت الهاتف من يده.

 

ونظرت إلى الشاشة.

 

وكانت الصدمة أكبر من كل ما سبق.

 

لأن الصورة الجديدة أظهرت ياسمين.

 

لكنها لم تكن وحدها.

 

كان هناك طفل رابع يقف بجوارها.

 

طفل في الخامسة من عمره تقريبًا.

 

يحمل ملامح مروان عزت بشكل لا يصدق.

 

وتحت الصورة جملة واحدة:

 

“قبل ما تحكموا عليّ… اسألوا نفسكم مين أم الطفل ده.”

 

يتبع…

الفصل التاسع

 

شعرت وكأن أحدهم سحب الهواء من رئتي.

 

حدقت في الصورة مرة أخرى.

 

ثم مرة ثالثة.

 

الطفل كان يقف بجوار ياسمين ممسكًا بيدها.

 

ملامحه تشبه مروان بشكل واضح.

 

العينان.

 

الشعر.

 

حتى طريقة الوقوف.

 

لكن الشيء الذي جعل قلبي يتوقف لم يكن الطفل.

 

بل الجملة أسفل الصورة.

 

“اسألوا نفسكم مين أم الطفل ده.”

 

ساد الصمت.

 

صمت ثقيل ومخيف.

 

ثم قال جدي أخيرًا:

 

“مروان بيلعب بعقولكم.”

 

لكن سيف لم يكن يسمع.

 

كان يحدق في الصورة وكأنه يبحث عن شيء.

 

ثم فجأة أخذ الهاتف من يدي وقرب الصورة أكثر.

 

وأكثر.

 

وأكثر.

 

حتى اتسعت عيناه.

 

“استنوا.”

 

نظرنا إليه جميعًا.

 

وأشار إلى معصم الطفل.

 

كان يرتدي سوارًا صغيرًا فضيًا.

 

سوارًا مألوفًا جدًا.

 

شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.

 

لأنني عرفته فورًا.

 

ذلك السوار لم يكن يُباع في أي مكان.

 

كان يُصنع خصيصًا.

 

وقد رأيته من قبل.

 

قبل سنوات.

 

في بيت واحد فقط.

 

بيت مروان.

 

همس سيف:

 

“ده سوار عيلة عزت.”

 

ثم رفع رأسه.

 

“يعني الطفل فعلًا من عيلته.”

 

تنهد جدي.

 

“لكن ده ما يثبتش أي حاجة عن الأم.”

 

هز سيف رأسه.

 

ثم قال:

 

“بالعكس.”

 

“إزاي؟”

 

فتح الصورة مجددًا.

 

وأشار إلى شيء آخر لم نلاحظه.

 

سلسلة صغيرة حول رقبة الطفل.

 

وبداخلها صورة مصغرة جدًا.

 

صورة امرأة.

 

كبر الصورة قدر الإمكان.

 

لكن الملامح لم تكن واضحة.

 

ومع ذلك…

 

لم أكن مرتاحة.

 

أبدًا.

 

فجأة رن هاتف سيف مرة أخرى.

 

هذه المرة كان رقمًا معروفًا.

 

أحد رجاله.

 

رد فورًا.

 

“وصلنا لمعلومة.”

 

“قول.”

 

“القصر الريفي فيه حركة غير طبيعية من الصبح.”

 

ارتفعت دقات قلبي.

 

“وياسمين؟”

 

“ما نعرفش.”

 

ثم أضاف الرجل:

 

“بس في أطفال دخلوا القصر النهارده.”

 

نظرنا إلى بعضنا.

 

وقال سيف:

 

“كام طفل؟”

 

جاء الرد:

 

“اتنين.”

 

ساد الصمت.

 

اتنين؟

 

لكن ياسمين واحدة.

 

إذن الطفل الثاني هو…

 

ذلك الطفل الموجود في الصورة.

 

أغلق سيف الهاتف.

 

ثم قال:

 

“مروان مش مخبي طفل واحد.”

 

“تقصد إيه؟”

 

سألته.

 

لكنه لم يجب مباشرة.

 

بل نظر إلى الصورة مرة أخرى.

 

ثم قال:

 

“أعتقد إن الطفل ده سبب كل حاجة.”

 

بدأت أشعر بأن هناك لغزًا أكبر بكثير مما تصورنا.

 

لكن لم يكن لدينا وقت.

 

كل دقيقة كانت تمر تعني أن ياسمين لا تزال هناك.

 

بعيدًا عنا.

 

نهض سيف بسرعة.

 

“هنروح القصر.”

 

قال جدي:

 

“ولو كان فخ؟”

 

أجاب دون تردد:

 

“يبقى هدخل الفخ.”

 

ثم نظر إليّ.

 

“لكن مش هسيب بنتي هناك.”

 

لثانية واحدة فقط…

 

اختفت بيننا خمس سنوات من الغضب.

 

والخذلان.

 

والفراق.

 

ولم يبقَ سوى شيء واحد.

 

الخوف على طفلتنا.

 

بعد أقل من ساعة…

 

كانت السيارات تشق طريقها بسرعة عبر الطريق الصحراوي.

 

والظلام بدأ يبتلع السماء.

 

حتى ظهر القصر أخيرًا.

 

بناء ضخم قديم.

 

معزول وسط مئات الأفدنة.

 

وبرج ساعة مرتفع يطل على المكان كله.

 

تمامًا كما وصفت ياسمين.

 

توقفت السيارات بعيدًا.

 

وترجل الجميع.

 

لكن قبل أن يتحركوا…

 

ظهر ضوء داخل إحدى النوافذ.

 

ثم شخص.

 

كان يقف هناك.

 

يراقبهم.

 

شخص يعرفونه جيدًا.

 

مروان عزت.

 

لكن المفاجأة لم تكن وجوده.

 

بل ما كان يحمله بين ذراعيه.

 

طفلة صغيرة.

 

ياسمين.

 

كانت نائمة على كتفه بسلام.

 

وكأنها لم تُختطف أصلًا.

 

ابتسم مروان من خلف الزجاج.

 

ثم رفع يده ببطء.

 

وأشار لهم بالدخول.

 

وكأنه كان ينتظرهم منذ البداية.

 

يتبع…

الفصل العاشر

 

لم يعجبني ذلك المشهد.

 

أبدًا.

 

كان هناك شيء خاطئ.

 

شيء مرعب في الطريقة التي كان مروان يقف بها خلف الزجاج.

 

هادئًا أكثر مما يجب.

 

واثقًا أكثر مما يجب.

 

وكأنه لا يخشى شيئًا.

 

ولا أحدًا.

 

كانت ياسمين نائمة على كتفه الصغير.

 

ورغم أن منظرها طمأن قلبي للحظة…

 

إلا أن وجودها معه أشعل داخلي نارًا لا توصف.

 

تحرك سيف للأمام فورًا.

 

لكن جدي أمسك ذراعه.

 

“استنى.”

 

التفت إليه سيف بعصبية.

 

“بنتي هناك.”

 

قال جدي بهدوء:

 

“وده بالضبط سبب إنك لازم تفكر قبل ما تتحرك.”

 

نظر سيف إلى القصر.

 

ثم إلى النافذة.

 

لكن مروان كان قد اختفى.

 

اختفى وكأنه لم يكن موجودًا أصلًا.

 

قال أحد رجال الأمن:

 

“المكان متراقب.”

 

وأشار إلى عدة كاميرات منتشرة حول الأسوار.

 

“واضح إنه عارف إننا جايين.”

 

تنهد سيف.

 

ثم قال:

 

“طبعًا عارف.”

 

وأخرج هاتفه.

 

بعد ثوانٍ وصلت رسالة جديدة.

 

من مروان.

 

فتحها فورًا.

 

وكان مكتوبًا فيها:

 

“ادخل لوحدك.”

 

“ولو دخل حد معاك… هتندم.”

 

قبض سيف على الهاتف.

 

أما أنا فانتزعته من يده.

 

وقرأت الرسالة بنفسي.

 

ثم رفعت رأسي.

 

“مش هتدخل.”

 

نظر إليّ.

 

“لازم أدخل.”

 

“وده اللي هو عايزه.”

 

ساد الصمت.

 

لكن فجأة جاء صوت صغير من خلفنا.

 

“ماما.”

 

التفتنا جميعًا.

 

كان يوسف.

 

واقفًا بجوار السيارة.

 

يمسك بيد آدم.

 

وجهه شاحب.

 

وعيناه مليئتان بالخوف.

 

قال بصوت مرتجف:

 

“أنا عارف المكان ده.”

 

نظرنا إليه بدهشة.

 

“إزاي؟”

 

أجاب:

 

“ياسمين رسمته.”

 

تجمدنا جميعًا.

 

“إيه؟”

 

ركض يوسف إلى السيارة.

 

ثم عاد بعد ثوانٍ يحمل كراسة رسم صغيرة.

 

دفتر ياسمين المفضل.

 

فتح عدة صفحات بسرعة.

 

ثم أشار إلى رسمة معينة.

 

شعرت بقشعريرة تسري في ظهري.

 

كانت رسمة القصر.

 

نفس البرج.

 

نفس النوافذ.

 

نفس الإسطبل.

 

كل شيء.

 

لكن الرسمة لم تكن جديدة.

 

بل قديمة.

 

قديمة جدًا.

 

قال يوسف:

 

“رسمتها من شهور.”

 

تبادلنا النظرات.

 

أما جدي فأخذ الكراسة بيد مرتجفة.

 

ثم قلب الصفحة التالية.

 

وتوقف فجأة.

 

اختفت الألوان من وجهه.

 

“يا نهار أبيض.”

 

اقتربت منه بسرعة.

 

ونظرت إلى الصفحة.

 

فشعرت بأن قلبي توقف.

 

كانت رسمة لعائلة.

 

رجل.

 

وامرأة.

 

وأربعة أطفال.

 

أربعة.

 

وليس ثلاثة.

 

أشرت إلى الطفل الرابع.

 

“مين ده؟”

 

هز يوسف كتفيه.

 

“ما أعرفش.”

 

ثم أضاف:

 

“بس ياسمين كانت دايمًا تقول إنه صاحبها.”

 

ساد الصمت.

 

أما سيف فكان يحدق في الرسمة وكأنها لغز مستحيل.

 

ثم فجأة قال:

 

“دي مش صدفة.”

 

نظر إليه جدي.

 

“تقصد إيه؟”

 

أجاب ببطء:

 

“أنا عمري ما شفت الطفل ده.”

 

ثم أشار إلى الرسم.

 

“لكن ياسمين شافته.”

 

ارتفعت دقات قلبي.

 

لأن المعنى كان واضحًا.

 

إذا كانت ياسمين تعرف الطفل منذ شهور…

 

فهذا يعني أن ما يحدث الآن لم يبدأ اليوم.

 

ولم يبدأ الأسبوع الماضي.

 

بل بدأ منذ وقت طويل جدًا.

 

أطول مما تخيلنا جميعًا.

 

وفي تلك اللحظة بالذات…

 

انفتح باب القصر الرئيسي ببطء.

 

وخرج شخص.

 

ليس مروان.

 

بل امرأة.

 

امرأة أنيقة في منتصف الثلاثينيات.

 

شعرها الأسود الطويل يتحرك مع الرياح.

 

وكانت تنظر نحونا مباشرة.

 

أما الصدمة الحقيقية…

 

فجاءت عندما همس سيف فجأة:

 

“مستحيل…”

 

نظرت إليه.

 

فوجدت وجهه شاحبًا كالموت.

 

ثم قال اسمًا لم أسمعه منذ سنوات طويلة:

 

“هالة؟!”

 

يتبع…

الفصل الحادي عشر

 

“هالة؟!”

 

خرج الاسم من فم سيف وكأنه رأى شبحًا.

 

أما أنا فحدقت في المرأة الواقفة أمام القصر دون أن أفهم.

 

لكن رد فعل سيف كان كافيًا ليخبرني أن هذه ليست امرأة عادية.

 

أبدًا.

 

تقدمت المرأة ببطء.

 

ملامحها هادئة.

 

هادئة بشكل مستفز.

 

وكأنها لا تقف وسط كارثة.

 

ولا وسط عملية خطف.

 

ولا أمام رجال أمن.

 

توقفت على بعد أمتار قليلة.

 

ثم ابتسمت.

 

ابتسامة صغيرة وغامضة.

 

وقالت:

 

“مساء الخير يا سيف.”

 

ظل سيف ينظر إليها بعدم تصديق.

 

“إنتِ…”

 

ثم صمت.

 

وكأنه لا يعرف من أين يبدأ.

 

أما جدي فاقترب خطوة.

 

“مين دي؟”

 

لكنني كنت أنظر إلى سيف.

 

لأن وجهه كان يحكي قصة كاملة.

 

قصة لم أعرف عنها شيئًا.

 

قالت المرأة بهدوء:

 

“واضح إنك لسه فاكرني.”

 

أجاب بصوت أجش:

 

“إنتِ كنتِ في أوروبا.”

 

“كنت.”

 

“وقيل إنك اختفيتي.”

 

ابتسمت.

 

“ناس كتير اختفت في الحكاية دي.”

 

شعرت بانقباض في معدتي.

 

ثم سألت مباشرة:

 

“مين حضرتك؟”

 

التفتت نحوي.

 

ونظرت إليّ طويلًا.

 

طويلًا جدًا.

 

وكأنها تدرس وجهي.

 

ثم قالت:

 

“أنا أكتر شخص كان المفروض تعرفيه.”

 

لم يعجبني جوابها.

 

أبدًا.

 

لكن قبل أن أتكلم…

 

سمعنا صوتًا صغيرًا.

 

صوت طفلة.

 

التفت الجميع نحو باب القصر.

 

وشعرت بدموعي تملأ عيني فورًا.

 

ياسمين.

 

كانت تركض نحونا.

 

سليمة.

 

دون إصابة واحدة.

 

ودون دمعة واحدة.

 

صرخت:

 

“مامااااا!”

 

وركضت بكل قوتها.

 

لم أشعر بنفسي إلا وأنا أركع على الأرض وأضمها بقوة.

 

بقوة جعلتها تضحك.

 

وتقول:

 

“ماما مش قادرة أتنفس.”

 

بدأت أبكي.

 

وأضحك.

 

وأقبل رأسها ووجنتيها.

 

أما يوسف وآدم فاندفعا نحوها أيضًا.

 

وأصبح الأطفال الثلاثة كتلة واحدة من الضحك والبكاء.

 

للحظة…

 

نسيت كل شيء.

 

لكن تلك اللحظة لم تدم.

 

لأن سيف كان لا يزال ينظر إلى هالة.

 

ثم قال ببطء:

 

“فين مروان؟”

 

اختفت الابتسامة من وجهها.

 

وأجابت:

 

“في الداخل.”

 

“عايز إيه؟”

 

تنهدت.

 

ثم قالت:

 

“الحقيقة.”

 

ضحك سيف بمرارة.

 

“بعد كل اللي عمله؟”

 

قالت:

 

“بعد كل اللي اتعمل فيه.”

 

ساد الصمت.

 

أما أنا فشعرت أن الأمور تزداد غموضًا.

 

قلت:

 

“حد يفهمني إيه اللي بيحصل؟”

 

نظرت هالة إليّ.

 

ثم إلى الأطفال.

 

ثم عادت تنظر إلى سيف.

 

وقالت الجملة التي غيرت كل شيء:

 

“لأن مروان مش الشخص الوحيد اللي كان بيخبي أسرار.”

 

تجمد سيف.

 

أما أنا فشعرت بأن قلبي بدأ ينبض بعنف.

 

ثم أخرجت هالة ملفًا أزرق من حقيبتها.

 

ورفعته أمامنا.

 

“كل الإجابات هنا.”

 

مد سيف يده.

 

لكنها سحبت الملف للخلف.

 

“مش قبل ما تسمعوا الحقيقة كاملة.”

 

“أي حقيقة؟”

 

سأل جدي.

 

أغمضت هالة عينيها للحظة.

 

وكأنها تستجمع شجاعة ظلت تبحث عنها سنوات.

 

ثم فتحت الملف.

 

وأخرجت صورة قديمة.

 

صورة عمرها أكثر من ست سنوات.

 

صورة تجمع أربعة أشخاص.

 

سيف.

 

مروان.

 

هالة.

 

وشخص رابع.

 

شخص جعل الدم يتجمد في عروقي لحظة رأيته.

 

لأن ذلك الشخص…

 

كان والدي الراحل.

 

الشاذلي.

 

الرجل الذي دفنته بيدي قبل ثلاث سنوات.

 

سقطت الصورة من يدي.

 

وتراجعت خطوة للخلف.

 

أما هالة فنظرت إليّ مباشرة.

 

وقالت بهدوء:

 

“قبل ما تعرفي مين دمر حياتك…”

 

“لازم تعرفي إن أبوكي ما كانش بريئًا زي ما كنتِ فاكرة.”

 

يتبع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *