صدفه احدثت فرقا اسما السيد 3 والاخير
سلمى كانت واقفة قدام أدهم وأنفاسها متلخبطة بشكل مرعب. قلبها بيقول لها تصدقه… لكن خوفها أقدم وأقوى من أي إحساس جديد. سنين كاملة وهي بتتعلم إن الحب معناه نقد وإهانة وخوف. سنين وهي بتربط الاهتمام بالألم. فحتى لما لقت راجل بيبصلها كأنها أغلى حاجة في المكان… عقلها رفض يصدق. همست بصوت مهزوز: ـ وأنا لو خذلتك؟ ابتسم أدهم ابتسامة هادية بشكل وجعها أكتر. ـ الناس المكسورة دايمًا فاكرة إنها عبء. نزلت عينيها للأرض. لكنه رفع دقنها بإيده برفق وقال: ـ بس إنتِ أول حاجة حلوة تحصل في حياتي من سنين. قلبها اتقبض بعنف. لأنها صدقته. وده كان أخطر شيء. وقبل ما ترد… رن موبايله. لمح الاسم واتغيرت ملامحه فورًا. برود. حذر. رد بصوت مختصر: ـ إيه؟ سكت يسمع ثواني… ثم قال بحدة: ـ مين سمح بده؟ قلب سلمى وقع. أول ما قفل سألته بقلق: ـ في إيه؟ بص لها لحظة وكأنه بيفكر يقول الحقيقة ولا لأ. ثم قال: ـ سامح نشر صور ليكي من زمان. حسّت الدم انسحب من وشها. ـ صور إيه؟ أدهم شد فكه بغضب واضح. ـ صور ليكي وإنتِ معاه أيام الخطوبة… وقاصد يختار صور وحشة ويكتب كلام يقرف الناس منك. إيد سلمى بدأت ترتعش. فجأة لقت نفسها بتفتح الموبايل بعصبية. والسوشيال ميديا فعلًا كانت مليانة صور قديمة ليها. صور كانت فيها أبسط… أتخن شوية… بتضحك بعفوية… وصور تانية سامح كان مصورها لها من زوايا متعمدة تخليها شكلها أسوأ. وتحتها تعليقات سامة: “إزاي أدهم المغربي يبص لها؟” “أكيد طمعانة.” “الفلوس تعمل أكتر من كده.” كل كلمة كانت بتخبط فيها زي حجر. أنفاسها بدأت تضيق. فجأة حست إنها رجعت لنفس الحفرة القديمة. نفس الكره. نفس الخجل. وقبل ما تنهار… الموبايل اتسحب من إيدها. أدهم قفله فورًا. وقال بصرامة: ـ متبصيش. صرخت فجأة بانهيار: ـ إنت شايف؟! شايف الناس شايفاني إزاي؟! اتسعت عينيه بوجع. لكنها كملت وهي بتبكي: ـ أنا تعبت! تعبت أحاول أحب نفسي يوم… والدنيا كلها ترجع تكرهني فيها تاني! قرب منها بسرعة قبل ما تقع وهو ماسك كتفيها بثبات. ـ بصيلي. حاولت تبعد. ـ سيبني! لكنه قال بصوت أقوى: ـ بصيلي يا سلمى! رفعت عينيها له وهي بتبكي بعنف. لأول مرة تشوف الغضب الحقيقي في ملامحه. لكن الغضب ماكانش منها. كان علشانها. قال وهو بيحاول يسيطر على نفسه: ـ الناس دي لو شافت القمر قريب هتقول فيه بقع. الناس مريضة. وانتي مش مطالبة ترضيهم. شهقت وسط دموعها: ـ بس كلامهم بيوجع. صوته هدي فجأة. وبقى أحن: ـ عارف. ثم قرب جبينه من جبينها وهمس: ـ بس أوعدك… هفضل أفكرك كل يوم إنتِ مين لحد ما صوتهم يختفي من دماغك. دموعها نزلت أكتر. لأنها لأول مرة حد ما بيقولهاش “طنشي”. لأول مرة حد فاهم إن الجرح النفسي بيعيش جوه الإنسان سنين. وبعد ساعات قليلة الإنترنت كله انفجر بخبر جديد. “أدهم المغربي يقاضي سامح الجارحي بتهمة التشهير الإلكتروني.” ومع الخبر نزل بيان رسمي من شركة المغربي: “التنمر على النساء والتشهير بأجسادهن ج/ريمة أخلاقية قبل أن تكون قانونية.” الدنيا اتقلبت. برامج كاملة بدأت تتكلم عن التنمر على الستات. مشاهير يدعموا سلمى. وستات كتير بدأت تحكي قصصها لأول مرة. وفجأة… سلمى ما بقيتش مجرد ضحية. بقت صوت لناس كتير. لكن الضغط كان مرعب. صحفيين تحت بيتها. كاميرات. إشاعات. وفي ليلة متأخرة وهي قاعدة وحدها… سمعت صوت خبط خفيف على باب شقتها. فتحت… وكان أدهم. أول ما شافته حست إنها هتعيط من الراحة. دخل بدون كلام. لقاها مرهقة بشكل واضح. شعرها مربوط بسرعة وعينيها منتفخة من البكاء. بص حواليه ثم قال بهدوء: ـ كلتي؟ هزت رأسها بالنفي. تنهد وخلع الجاكت. وبعد عشر دقايق كان واقف في مطبخها بيعمل أومليت. سلمى كانت واقفة تبصله كأنه مش حقيقي. قالت بنصف ضحكة: ـ أدهم المغربي بيطبخ؟ رد بدون ما يبصلها: ـ لما أمي كانت تعيط… كنت بعملها أكل. قلبها وجعها عليه مرة تانية. وبعد ما خلص، حط الطبق قدامها وقال بجدية: ـ كلي. لأول مرة من أيام… أكلت فعلًا. وهو قاعد قدامها يراقبها بهدوء. مفيش استعجال. مفيش ضغط. مجرد وجود ثابت مطمن. وبعد لحظات سألها فجأة: ـ تعرفي أكتر حاجة استفزتني في سامح؟ رفعت عينيها له. قال: ـ إنه كان عنده كنز… وقعد يدوس عليه لحد ما افتكر إنه حجر عادي. سكتت وهي حاسة قلبها بيدق بسرعة. ثم قال بهدوء عميق: ـ الست اللي قلبها حنين بالشكل ده… واللي رغم كل اللي اتقالها لسه بتخاف تجرح حد… دي نادرة. نزلت عينيها بخجل. لأول مرة الإطراء ما حسّهاش إنه مجاملة. لأنه كان شايف تفاصيل محدش ركز فيها قبل كده. وفجأة رن جرس الباب بعنف. اتوترت سلمى فورًا. لكن أدهم وقف بهدوء واتجه للباب. أول ما فتح… ظهرت يارا. كانت منهارة. عينيها حمرا ووشها باين عليه إنها بكت كتير. أول ما شافت أدهم ارتبكت. ـ أنا… عايزة أكلم سلمى. سلمى خرجت بتوتر. يارا بصتلها ثواني طويلة ثم قالت بصوت مكسور: ـ أنا آسفة. اتصدمت سلمى. يارا بلعت ريقها وكملت: ـ سامح بيخون أي واحدة معاه… وأنا كنت فاكرة لما يهينك يبقى المشكلة فيكي. بس اكتشفت إنه بيعمل فيا نفس الشيء دلوقتي. وجع غريب ضرب سلمى. لأن فجأة شافت نفسها القديمة قدامها. يارا دموعها نزلت وهي تقول: ـ كل يوم يخليني أحس إني أقل… إني لازم أخس… أغير نفسي… أرضيه. ثم ضحكت بمرارة: ـ ولما شاف أدهم واقف جنبك… اتجنن. سكتت لحظة ثم قالت: ـ إنتِ نجيتِ… وأنا لسه بغرق. الصمت كان موجع. لكن سلمى قربت منها ببطء. ولأول مرة… حضنتها. يارا انهارت في البكاء بين إيديها. وأدهم كان واقف يراقب المشهد بصمت. بعد ما يارا مشيت، بص أدهم لسلمى بإعجاب واضح. ـ حتى بعد كل اللي عملته فيكي… لسه قلبك نضيف. همست: ـ أصلها ضحية زَيّي. النظرة اللي بص لها بيها وقتها… خلت أنفاسها تتلخبط. لأنه كان بيبصلها كأنه واقع أكتر. وبعد أيام، المحكمة بدأت رسميًا. الصحافة مليانة. وسامح داخل المحكمة محاط بمحامين. لكنه أول ما شاف سلمى داخلة جنب أدهم… اتجمد. لأنها كانت مختلفة. رافعة رأسها. لابسة بدلة بسيطة أنيقة. وعينيها لأول مرة ما فيهاش خوف منه. القاضي سألها بهدوء إذا كانت ترغب تضيف شيء. الكل توقع تبكي. تنهار. لكن سلمى وقفت بثبات وقالت: ـ أنا مش هنا علشان أنتقم من رجل سابني. أنا هنا علشان كل بنت اتقال لها إنها “كتيرة”… أو “وحشة”… أو “محرجة”… لحد ما صدقت. القاعة سكتت تمامًا. وكملت بصوت ثابت: ـ الكلمات بتسيب كدمات محدش بيشوفها. وفي رجالة بتكسر روح الست ببطء… ثم يستغربوا لما تختفي ضحكتها. دموع كتير نزلت في القاعة. حتى بعض الصحفيات كانوا متأثرين. ثم بصت لسامح مباشرة لأول مرة من غير خوف وقالت: ـ أنت ما كسرتنيش… أنت بس أخرتني عن نفسي شوية. سامح نزل عينيه لأول مرة. والق*ضية انتهت بحكم ضخم وغرامة وتعويض رسمي لسلمى مع إلزام سامح باعتذار علني. لكن أهم شيء… إن صورته انهارت قدام المجتمع. وبعد شهور، الحياة بدأت تهدى أخيرًا. وفي مساء شتوي هادي، كانت سلمى واقفة في بلكونة فيلا أدهم الجديدة المطلة على النيل. الهوا بارد. والقاهرة منورة تحتهم بشكل ساحر. أدهم خرج وقف جنبها وهو ماسك علبة صغيرة مخملية. قلبها وقف. بص لها طويلًا وقال: ـ طول عمري كنت فاكر إني قوي… لحد ما شفتك بتحاربي نفسك كل يوم وتقومِي تاني. دموعها لمعت فورًا. فتح العلبة… وخاتم بسيط لكنه راقي لمع تحت الضوء. ثم نزل على ركبة واحدة بدون تردد. أدهم المغربي… الراجل اللي البلد كلها بتهابه… كان باصص لها وكأنها أعظم حاجة حصلت له. قال بصوت ثابت لكنه مليان مشاعر: ـ أنا مش عايز أصلحك… لأنك عمرك ما كنتِ مكسورة. أنا بس عايز أفضل جنبك… وأحبك بالطريقة اللي تستحقيها من البداية. شهقتها خرجت وسط دموعها. وكل الوجع القديم مر قدام عينيها… الليالي اللي كرهت فيها جسمها… المراية اللي كانت تبكي قدامها… الجمل السامة اللي عاشت جواها سنين. ثم بصت لأدهم. للراجل اللي كل مرة كان يختار يحتويها بدل ما يهدمها. وهمست وهي تبكي وتضحك في نفس الوقت: ـ موافقة. وقف فورًا وشدها لحضنه بقوة كأنه أخيرًا لقى بيته. وفي اللحظة دي… لأول مرة في عمرها… سلمى ما حسّتش إنها “زيادة”. ما حسّتش إنها لازم تتغير علشان تتحب. حسّت إنها كفاية. أكتر من كفاية. وبعد سنة، مجلة كبيرة نزلت صورة لسلمى على الغلاف وهي واقفة جنب أدهم في افتتاح مركز دعم النساء اللي بناه باسم والدته. وكانت ابتسامتها واثقة وهادية بشكل يخطف القلب. وتحت الصورة جملة واحدة انتشرت في كل مكان: “المرأة التي اعتقدت يومًا أنها لا تستحق الحب… أصبحت السبب في شفاء قلوب آلاف النساء.” أما سامح… فكان يشوف الصورة أحيانًا في الأخبار ويطفي التلفزيون بسرعة. لأن أصعب عقاب في الدنيا… إنك تدرك متأخر جدًا إن الست اللي حاولت تكسرها… كانت أعظم شيء خسرته في حياتك.
تمت

