مايا حكايات اسما السيد 2
رجعت البيت قبلهم بحوالي نص ساعة.
غسلت وشها بالمية الساقعة أكتر من مرة لحد ما الاحمرار خف شوية، وغيرت هدومها بسرعة، وبعدها دخلت المطبخ تعمل مكرونة بالبشاميل… الأكلة المفضلة عند حسام.
وأثناء ما البشاميل بيغلي قدامها، كانت بتحس إنها شخصين.
واحدة واقفة بتقلب اللبن والدقيق بهدوء.
وواحدة تانية جواها بتصرخ.
كل تفصيلة بقت مؤذية.
الطبق اللي اشتروه سوا من إيكيا.
الكوبايات اللي عليها اسمهم.
الصورة المعلقة فوق السفرة يوم رحلة دهب لما كانت حامل في جنى.
قد إيه الإنسان ممكن يعيش جنب كذبة كاملة من غير ما يعرف؟
الساعة قربت على تسعة لما سمعت صوت مفتاح الباب.
جنى دخلت الأول وهي بتجري بحماس.
“مامااا!”
فتحت دراعاتها بسرعة، والبنت رمت نفسها في حضنها.
حضنتها بقوة زيادة لدرجة إن جنى ضحكت.
“هتخنقيني!”
شمّت ريحة شعرها.
ريحة فشار وسكر وبرفان نسائي خفيف.
نفس البرفان اللي كان على مايا.
حست قلبها بيتقطع… لكنها ابتسمت.
“انبسطتي؟”
“أوووي!”
حسام دخل وراها وهو بيخلع ساعته بهدوء طبيعي جدًا.
“يا سلام… ريحة الأكل تحفة.”
بصتله ثواني.
إزاي حد يقدر يمثل بالشكل ده؟
إزاي يبوس ست تانية من ساعة… ويرجع ياكل أكل مراته عادي؟
قرب منها يبوس خدها، لكنها اتحركت بسرعة ناحية الفرن كأنها ماخدتش بالها.
هو لاحظ.
أكيد لاحظ.
لكن ماقالش حاجة.
قعدوا على السفرة.
جنى كانت بتحكي بحماس عن الملاهي، وهو بيشاركها الكلام بمنتهى الأريحية.
“وبعدين ركبت الحصان يا ماما!”
“بجد؟” سألتها وهي بتحاول صوتها يفضل ثابت.
“آه! ومايا كانت خايفة عليا أوي!”
الشوكة وقفت في إيد حسام.
ثانية واحدة بس.
لكنها شافتها.
رفع عينه بسرعة لبنته.
“مين مايا؟”
جنى بصتله باستغراب طفولي صادق.
“مايا!”
قلبها كان هيقف وهي مستنية رده.
لكنه ضحك ضحكة خفيفة متوترة.
“آه… صاحبة بابا في الشغل يعني.”
وبص لمراته بسرعة.
“قابلتنا صدفة هناك.”
كذاب.
الكلمة صرخت جواها لدرجة إنها كانت حاسة إن وشها هيكشفها.
لكنها ابتسمت بهدوء.
“آه؟”
حسام ارتاح شوية لما شاف رد فعلها الهادئ.
وده اللي هي ماكانتش فاهمته.
الراجل الخاين أوقات ما بيبقاش خايف من الحقيقة… قد ما بيخاف من الست الهادية.
لأن الهدوء معناه إنها بتفكر.
وبعد العشا، وهي بتحمم جنى، الطفلة قالت فجأة:
“ماما؟”
“عيون ماما.”
“إنتِ بتحبي بابا؟”
إيديها وقفت فوق شعر البنت.
السؤال جه كأنه طوبة في صدرها.
“ليه بتسألي؟”
جنى لعبت بالفقاقيع وهي بتقول بعفوية:
“عشان مايا قالت إن الناس لما بيبطّلوا يحبوا بعض… بيبقوا زعلانين طول الوقت.”
الهواء اختفى من حواليها.
بصتلها ببطء.
“مايا قالت كده؟”
“آه… كانت بتتكلم مع بابا.”
كل كلمة كانت بتفتح باب رعب جديد.
يعني الست دي مش بس موجودة.
دي بتتكلم عنها.
عن جوازهم.
قدام بنتها.
قفلت الحنفية ببطء وهي بتحاول ماينهارش صوتها.
“طيب يلا علشان تنامي.”
بعد ما نومتها، خرجت لقت حسام قاعد في الصالة ماسك اللاب.
الراجل اللي كان زمان أول ما تشوفه ترتاح… بقى دلوقتي يديها إحساس بالغربة.
قعدت قصاده بهدوء.
“حسام.”
رفع عينه.
“مم؟”
“إنت مبسوط؟”
السؤال أربكه.
“يعني إيه؟”
“يعني… حياتك عاجباك؟”
ضحك بخفة.
“السؤال ده جاي منين؟”
بصتله مباشرة.
ثواني طويلة.
كانت مستنية… يمكن ضميره يصحى.
يمكن يعترف.
يمكن حتى يخاف.
لكن اللي شافته كان مجرد رجل بيحسب ردوده بعناية.
قال أخيرًا:
“أكيد. عندي بنت جميلة ومرات بحبها.”
كداب.
الكلمة المرة دي ماوجعتهاش.
عصبتها.
لأن في نوع من الخيانة أبشع من الخيانة نفسها… إنك تستغفل الشخص كأنه غبي.
هزت راسها بهدوء وقامت.
“تصبح على خير.”
دخلت أوضتها وقفلت الباب.
لكنها ما نامتش.
قعدت على طرف السرير فاتحة اللاب، بتراجع كل حاجة.
الفيديوهات.
الصور.
مواعيد خروجه.
كشف الحساب البنكي.
وفجأة بدأت تلاحظ نمط.
كل مرة كان يقول عنده “اجتماع متأخر”… كان فيه سحب فلوس من نفس المنطقة اللي فيها شقة فندقية في الزمالك.
كل مرة كانت بتشتغل ويك إند… كان بيطلب أوردرات من أماكن تانية غير البيت.
حياة كاملة كانت بتحصل بالتوازي مع حياتها.
وفي الساعة اتنين بعد نص الليل… تليفونه نوّر.
كان نايم جنبها.
بصت للشاشة.
“💙 Maya”
قلب أزرق.
مش مجرد اسم.
إيدها بردت وهي بتبص للإشعار:
“وحشتني ريحة برفانك النهارده.”
ثواني.
ثواني بس وكانت قادرة تفتح التليفون وترميه في وشه.
لكنها أخدت نفس طويل.
وصورت الرسالة بموبايلها.
وبعدين حطت التليفون مكانه بهدوء.
حسام اتحرك في نومه وقرب منها بدون ما يصحى.
إيده لمست وسطها بعفوية قديمة.
زمان كانت اللمسة دي أمان.
دلوقتي حسّت بالقرف.
بعد يومين، بدأت خطتها تتحرك فعلًا.
أول خطوة كانت إنها تكلم محامية.
مش أي محامية.
“داليا السيوفي”.
واحدة معروفة إنها ما بتخسرش قضايا حضانة تقريبًا.
قابلتها في مكتب هادي في المعادي.
داليا سمعت كل حاجة بصمت.
من أول الرسمة… لحد الفيديو.
ولما خلصت، قالت بهدوء:
“أكتر نقطة خطيرة مش الخيانة.”
“أومال إيه؟”
“إنه دخل طفلتك في العلاقة.”
ليلى بلعت ريقها.
داليا كملت:
“المحاكم أوقات تتغاضى عن خيانة الزوج… لكن تعريض طفلة لتشوش عاطفي بالشكل ده؟ دي نقطة مختلفة.”
حست لأول مرة إنها مش مجنونة.
إن اللي حاسة بيه حقيقي فعلًا.
“أنا مش عايزة أحرمه من بنته.” قالتها بتعب.
داليا بصتلها طويل.
“بس عايزة تحميها.”
هزت راسها ببطء.
آه.
دي كانت الحقيقة.
الموضوع ما بقاش كرامة زوجة بس.
دي طفلة صغيرة بدأت تتلخبط بين أمها وست تانية.
وفي نفس الليلة… حسام رجع البيت متوتر بشكل واضح.
كان بيبص لتليفونه كل شوية.
وجنى كانت حاسة بحاجة.
الأطفال بيشموا التوتر أسرع من الكبار.
وقت العشا قالت فجأة:
“إنتوا متخانقين؟”
الاتنين بصوا لبعض فورًا.
ليلى ابتسمت بسرعة.
“لأ يا حبيبتي.”
لكن حسام كان مركز في وش مراته بطريقة مختلفة.
كأنه أخيرًا حاسس إن في حاجة غلط.
بعد ما جنى نامت، دخل المطبخ لقاها واقفة بتشرب مية.
“مالك؟”
“مفيش.”
“في.”
صوته كان حذر.
قرب خطوة.
“إنتِ متغيرة.”
بصتله.
ولأول مرة من بداية الكارثة… ما حاولتش تمثل.
“يمكن.”
الحذر زاد في عينه.
“في حاجة حصلت؟”
سكتت ثواني.
كان عندها فرصة.
دلوقتي.
تواجهه.
تفضحه.
لكنها افتكرت بنتها.
افتكرت إن الحرب اللي جاية محتاجة أعصاب أبرد من كده.
فابتسمت ابتسامة خفيفة جدًا وقالت:
“بس مرهقة.”
واضح إنه ماصدقش بالكامل.
لكن ارتاح جزئيًا.
وده اللي أكدلها إن الخاين دايمًا عايش خايف.
بعد أسبوع، جنى كان عندها حفلة في الحضانة.
الأطفال لابسين أزياء ملونة، وأهاليهم قاعدين يصوروا بفخر.
ليلى كانت قاعدة في الصفوف الأولى، وجنبها حسام.
من بعيد شكلهم عيلة طبيعية.
لكن الحقيقة كانت واقعة بينهم زي قنبلة مستنية الانفجار.
الحفلة خلصت، والأطفال جريوا على أهاليهم.
جنى حضنتهم هما الاتنين وهي بتضحك.
وفجأة قالت بمنتهى البراءة:
“هو مايا ليه ماجتش؟”
الصمت نزل فجأة.
أم واقفة جنبهم بصت باستغراب.
حسام اتجمد.
أما ليلى… فابتسمت بهدوء مرعب.
ونزلت لمستوى بنتها.
“مينفعش يا حبيبتي كل الناس تيجي.”
جنى زعلت.
“بس هي قالت إنها بقت من العيلة.”
الست اللي واقفة جنبهم حاولت تبص بعيد بإحراج.
أما حسام… فوشه فقد لونه بالكامل.
وفي اللحظة دي تحديدًا…
عرف إن النهاية قربت جدًا.
حسام حاول يضحك بسرعة وهو ماسك إيد جنى.
“الأطفال بيقولوا أي كلام.”
لكن صوته كان مكسور.
مرتبك.
وخايف.
والناس حواليهم بدأت تبص فعلًا.
الأم اللي كانت واقفة جنبهم أخدت بنتها وتحركت بهدوء محرج كأنها حست إنها دخلت مشهد ماينفعش تكون فيه.
أما ليلى… فكانت واقفة ثابتة بشكل أخافه أكتر من أي صريخ ممكن تعمله.
لأنها ما انفجرتش.
ما فضحتوش.
ولا حتى بصتله بغضب.
بس أخدت شنطة جنى الصغيرة من على الكرسي وقالت بهدوء:
“يلا يا حبيبتي.”
حسام لحقها بسرعة بعد ما خرجوا من الحضانة.
“ليلى… استني.”
وقفت عند العربية بدون ما تبصله.
قال بتوتر واضح:
“إنتِ فاهمة الموضوع غلط.”
ضحكت ضحكة قصيرة جدًا.
“بجد؟”
“مايا مجرد—”
“لو هتكذب… على الأقل ابقى ذكي.”
الكلمة خبطته.
لأول مرة يحس إن السيطرة بتفلت فعلًا.
بص حواليه بخوف من الناس، وبعدين قرب منها بصوت واطي:
“نتكلم في البيت.”
بصتله أخيرًا.
العينين اللي كان متعود يشوف فيهم حب واحتواء… بقوا باردين بشكل مرعب.
“إحنا خلاص بقيناش أهل للكلام يا حسام.”
وجنى كانت واقفة بينهم ماسكة الدبدوب بتاعها وباصالهم بتوتر.
الطفلة الصغيرة أخيرًا بدأت تفهم إن في حاجة غلط.
وده أكتر شيء وجع ليلى.
ركبوا العربية.
طول الطريق الصمت كان خانق.
حسام حاول يتكلم مرتين… لكنه كان يسكت أول ما يبص لوش مراته.
كأن الحقيقة أخيرًا بقت واضحة حتى بالنسباله.
أول ما دخلوا البيت، جنى جريت على أوضتها.
أما ليلى… فقلعت الجزمة بهدوء، وحطت مفاتيحها على الترابيزة، وبعدها قالت الجملة اللي قلبت الدنيا:
“أنا عارفة كل حاجة.”
حسام حس فعلًا إن قلبه وقف.
“إيه؟”
رفعت موبايلها.
وشغلت الفيديو.
البوسة.
الحضن.
“ماما مايا.”
وعد “قريب.”
كل ثانية كانت بتتبح قدامه.
وشه ابيض بالكامل.
قعد على الكنبة كأن رجليه خانته.
ولأول مرة من بداية جوازهم… ماعرفش يمثل.
ماعرفش يلف ويدور.
ماعرفش حتى يكدب.
ليلى كانت واقفة قدامه ودموعها محبوسة بالعافية.
“بنتي كانت بتنادي عشيقتك ماما.”
الكلمة خرجت منها كأنها نار.
حسام غمض عينه بألم.
“ليلى اسمعيني—”
“أسمع إيه؟”
صوتها علا لأول مرة.
“أسمع إنك كنت بتاخد بنتي تعيش وسط علاقتك القذرة؟!”
“أنا ماكنتش قاصد—”
ضحكت بصدمة.
“مش قاصد؟”
قربت منه خطوة.
“مش قاصد تخلي بنت عندها خمس سنين تتعلق بست غريبة؟ مش قاصد تخليها تحس إن في أم تانية داخلة حياتها؟!”
حسام قام بسرعة.
“أنا بحب جنى!”
“إنت بتحب نفسك وبس.”
الجملة نزلت عليه كالقلم.
لأنه جواه… كان عارف إنها صح.
ليلى دموعها بدأت تنزل أخيرًا.
“أنا كنت بشتغل علشان بيتنا مايقعش… وإنت كنت بتبني بيت تاني.”
حسام مرر إيده في شعره بعنف.
“العلاقة خرجت عن السيطرة.”
“لأ.” قالت بقسوة. “إنت اللي خرجت عن الإنسانية.”
الصمت انفجر بينهم.
وفي اللحظة دي… جنى خرجت من أوضتها.
وشها كان مرعوب.
“إنتوا بتزعقوا ليه؟”
ليلى شهقت فورًا ومسحت دموعها بسرعة.
أما حسام فجري ناحيتها.
“حبيبتي مفيش حاجة.”
لكن جنى بصتله بخوف حقيقي.
الطفلة الصغيرة لأول مرة ما جريتش في حضنه.
بصت لأمها وهمست:
“إنتِ زعلانة عشان مايا؟”
قلب ليلى اتكسر حرفيًا.
قعدت على ركبتها قدام بنتها ومسكت وشها بحنان.
“حبيبتي… في ناس بنحبهم، وناس بنثق فيهم… وبعدين يجرحونا.”
جنى بدأت تعيط هي كمان.
“بس أنا بحب مايا.”
الاعتراف خرج بريء… لكنه ذبح أمها.
ليلى حضنتها بسرعة.
“عارفة يا قلبي… وعارفة إن ده مش ذنبك.”
حسام كان واقف بعيد… وشه منهار بالكامل.
لأنه أخيرًا شاف النتيجة الحقيقية للي عمله.
مش بس جواز بيتكسر.
طفلة بتتلخبط عاطفيًا بين أمها وعشيقة أبوها.
بعد الليلة دي، كل حاجة اتغيرت بسرعة.
ليلى نقلت تنام في أوضة جنى.
وحسام بقى غريب في بيته.
الصمت بقى تقيل.
والبيت اللي كان دافي يومًا ما بقى بارد بشكل يخوف.
بعد يومين، مايا اتصلت.
ليلى كانت واقفة في المطبخ لما شافت اسمها على شاشة تليفون حسام اللي كان سايبه على الترابيزة.
رن كتير.
وبعدين وصلت رسالة:
“هي عرفت؟”
وقبلها مباشرة:
“جنى بتعيط في التليفون وعايزاني.”
في اللحظة دي… ليلى فهمت إن بنتها كانت بتكلمها حتى من غيرها.
قلبها وجعها لدرجة إنها حست نفسها هتقع.
مش بس شافتها.
مش بس اتفسحت معاها.
دي دخلت في تفاصيل يومها.
في صوتها.
في أمانها.
حسام دخل المطبخ واتجمد أول ما شاف التليفون في إيد مراته.
بصتله بهدوء مميت.
“بنتي بتكلم عشيقتك من ورايا؟”
ماعرفش يرد.
وده كان الرد الكافي.
في نفس الليلة، ليلى طلبت منه يسيب البيت.
ماصرختش.
ماهددتش.
قالتها بمنتهى الهدوء:
“امشي.”
حسام بص حواليه كأنه مش مستوعب.
“ليلى…”
“امشي قبل ما بنتي تصحى وتشوف المنظر ده.”
ولأول مرة… سمع كلامها.
جمع شوية هدوم في شنطة صغيرة.
وقف عند الباب طويل.
كان مستنيها توقفه.
تعيط.
تضعف.
لكنها كانت واقفة ضامة جنى النائمة على صدرها… وباصاله كأنه شخص غريب.
قبل ما يخرج قال بصوت مبحوح:
“أنا غلطت.”
ردت بهدوء:
“إنت اخترت.”
الباب اتقفل.
والصمت اللي بعده كان مرعب.
جنى صحيت الفجر تدور على باباها.
ولما عرفت إنه مش موجود… فضلت تعيط ساعة كاملة.
ليلى حضنتها وهي نفسها بتموت من جواها.
الأسابيع اللي بعدها كانت الأصعب.
جنى بدأت تسأل أسئلة مؤذية:
“هو بابا زعلان مني؟”
“مايا هتيجي تاني؟”
“إنتِ هتسيبي البيت؟”
كل سؤال كان سكينة جديدة.
أما حسام… فكان يبعت رسايل طويلة كل يوم.
اعتذار.
ندم.
ترجي.
لكن بعد فوات الأوان.
وفي يوم، داليا المحامية قالت لليلى حاجة غيرت كل شيء:
“القرار مش إنك تسيبيه أو ترجعيه.”
“أومال إيه؟”
“القرار الحقيقي… هو نوع الحياة اللي هتسمحي لبنتك تشوفه.”
الجملة فضلت تلف في دماغها طول الليل.
وبعد شهر تقريبًا، حسام طلب يشوف جنى في النادي.
وافقت.
لأن مهما حصل… ده أبوها.
كانت قاعدة بعيد تراقبهم.
جنى كانت فرحانة تشوفه… لكن في حذر جديد.
حسام بقى يحضنها كأنه خايف تضيع منه.
وفجأة سألته ببراءة:
“إنت لسه بتحب مايا؟”
وشه وقع.
الطفلة كملت بهدوء مؤلم:
“عشان لو بتحبها أكتر من ماما… خلاص.”
الكلمة كسرت حاجة جواه للأبد.
حسام نزل لمستواها ودموعه نزلت قدامها لأول مرة.
“أنا غلطت يا جنى.”
الطفلة بصتله ثواني… وبعدين قالت جملة ماكانش مستعد يسمعها:
“ماما بتعيط بسببي ولا بسببك؟”
في اللحظة دي… فهم فعلًا حجم الخراب.
لأن الأطفال حتى لو ما فهموش الخيانة… بيفهموا الحزن.
بعد اللقاء، حسام قرب من ليلى.
كان أهدى.
أهدى بكتير.
وقال بصوت مكسور:
“أنا مستعد أمضي على أي حاجة.”
بصتله بدون تعبير.
“ليه؟”
ابتسم بوجع وهو باصص على بنته.
“لأن البنت اللي كنت فاكر إني بحافظ عليها… أنا اللي جرحتها.”
ولأول مرة… ليلى صدقت إن الندم حقيقي.
بس الحقيقة المؤلمة؟
إن الندم مش دايمًا بيصلّح.
بعض الكسور بتفضل عايشة حتى بعد الاعتذار.
بعد شهور، الطلاق تم بهدوء.
من غير فضايح.
من غير محاكم طويلة.
وجنى بدأت تدخل جلسات بسيطة مع أخصائية أطفال تساعدها تفهم مشاعرها.
أما مايا…
فاختفت من حياتهم تمامًا.
اتضح إن أول ما العلاقة بقت علنية وخسرت إثارتها… حسام اكتشف إنه كان بيهرب، مش بيحب.
وفي ليلة هادية بعد سنة تقريبًا، كانت ليلى قاعدة جنب سرير جنى بعد ما نامت.
الطفلة فتحت عينيها بنص نوم وهمست:
“ماما؟”
“نعم يا قلبي.”
“إنتِ عمرك هتسيبيني؟”
دموع ليلى نزلت فورًا.
ميلت عليها وباست جبينها بحنان عميق.
“أنا؟”
حضنتها أكتر.
“أنا ممكن الدنيا كلها تسيبني… إلا إنتِ.”
وجنى ابتسمت وهي مغمضة عينيها.
أما ليلى…
فلأول مرة من وقت الرسمة…
حست إن قلبها بدأ يخف شوية.
مش لأنها نسيت.
لكن لأنها نجت.
تمت