طلب عجيب اسما السيد

جوزي طلب تمن عمليه ولادة ابننا بكل بجاحه اول ما فتحت عيني بعد البنج ما راح…بكيت بحرقه..بس بعدها ب3 ايام حماتي ادته هديه خلت الارض تنشق وتبلعني.
كان لدى “معتز” ولي قاعدة واحدة منذ اليوم الأول لزواجنا: كل شيء يُقسَّم بالنصف.
طلبات البيت، الإيجار، الفواتير، حتى خروجاتنا… كان يسجل كل جنيه في ملف على اللابتوب يفتخر به ويسميه: “نظام العدل”.
في البداية ظننت الأمر مجرد تصرف غريب… وربما لطيف قليلًا.
زوجان متساويان يبنيان حياتهما معًا.
لكنني توقفت عن اعتباره لطيفًا في الليلة التي كدت أموت فيها وأنا ألد ابنه…واحد وثلاثون ساعة كاملة من الطلق.
حالة طارئة.نزيف حاد.وطبيب يصرخ بأنني بحاجة إلى دواء فورًا.أخرج معتز بطاقته البنكية ودفع 3000 جنيه دون أن يقول كلمة.وفي تلك اللحظة… ظننت: هذا هو زوجي الحقيقي. هذا هو الرجل الذي يمكنني الاعتماد عليه.
لكنني كنت مخطئة.
في يوم خروجي من المستشفى، بينما كنت ما أزال شاحبة ومرهقة، وأحاول تعلم كيف أحمل طفلنا حديث الولادة دون أن أتألم… جلس بجانب سريري، وتنحنح بهدوء، ثم مرر ورقة مطوية فوق الغطاء.وقال بصوت منخفض: “دي عليكِ.”نظرت إليه بعدم فهم.
فقال: “الدواء كان بسبب جسمكِ أنتِ. أنا مش هدفع حاجة مالهاش علاقة بيا.”حدقت فيه مصدومة.
وابننا كان نائمًا في سريره الصغير على بعد خطوات فقط.
لكنني لم أجادله.
لم تكن لدي القوة لذلك.
إلا أن شخصًا آخر كانت لديه القوة الكافية.
والدته “أمينة” كانت تقف خارج باب الغرفة طوال الوقت.
سمعت كل كلمة قالها.
نظرت إلى ابنها طويلًا بصمت… ثم ابتسمت بهدوء، وقبلت جبيني وقالت فقط: “ارتاحي يا بنتي… وأنا هعرف أربي معتز من جديد.”ولم تقل له أي شيء آخر.
لكن أثناء عودتهما إلى المنزل، طلبت منه أن يتوقف عند محل هدايا في مصر الجديدة… وقضت هناك أربعين دقيقة كاملة.
وبعد ثلاثة أيام، جاءت إلى منزلنا وهي تحمل صندوقًا مغلفًا بعناية، مربوطًا بشريط أزرق، وعلى وجهها ابتسامة دافئة.
وقالت: “هدية بسيطة للأب الجديد.”
ضحك معتز، وهز الصندوق بخفة، ثم مزق الشريط بسرعة.
لكن ابتسامته اختفت قبل أن يرفع الغطاء بالكامل.
شحُب وجهه فجأة.وبدأت يداه ترتجفان.ثم أسقط الصندوق من يده.ورفع عينيه نحو والدته وهمس بصوت بالكاد سُمع: “لا… لا لا لا… يا أمي… مستحيل تكوني عملتي كده فيا..”
لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد
فتحت الصندوق وأنا مش فاهمة هو شاف إيه يخليه ينهار بالشكل ده، ولما بصيت جواه حسيت إن قلبي وقع تحت رجلي، كان فيه دفتر قديم جلده بني، ومفتاح شقة، وورقة تنازل موثقة، وصورة صغيرة لمعتز وهو طفل نايم في حضن أمه، وتحتهم ظرف مكتوب عليه بخط حماتي: حساب العدل الحقيقي، بص معتز لأمه كأنه شايفها لأول مرة، أما هي فقعدت بهدوء على الكنبة وقالت بصوت ثابت: “افتح الظرف يا معتز، ما هو لازم كل حاجة تتقسم بالنص زي ما بتحب.” إيده كانت بتترعش وهو بيطلع الورق، وأنا كنت قاعدة على طرف السرير، جسمي لسه موجوع من الولادة، وابني نايم جنبي، بس عيني معلقة بيهم. فتح أول ورقة، وقرأ سطرين بس، ووشه اتقلب. حماتي قالت: “دي فواتير حملك أنت يا حبيبي. من أول يوم عرفت فيه إني حامل فيك لحد ما ولدتك. أكل، كشف، علاج، تعب، سهر، نزيف، غرز، رضاعة، حفاضات، لبن، لبس، مصاريف حضانة، دكاترة، مدرسة، جامعة، بدلة الفرح، وحتى فلوس أول عربية ساعدتك تجيبها.” بلع ريقه وقال: “إيه الجنون ده يا أمي؟” ابتسمت وقالت: “مش جنون. ده نظام العدل.” حاول يضحك بس صوته طلع مكسور: “إنتي بتهزري؟” ردت وهي بتبص له في عينه: “لا. أنا بقسم عليك تمن عمري بالنص.” سكت البيت كله. حتى بكاء ابني كانه اتأخر احترامًا للحظة دي. معتز رمى الورق وقال بعصبية: “يعني إنتي جاية تذليني قدام مراتي؟” قامت حماتي من مكانها ببطء، ووقفت قصاده وقالت: “لا يا ابني. أنا جاية أفكرك إنك لما اتولدت، أنا ما سألتكش هتدفع نص بنجي ولا نص غرزي ولا نص وجعي. لما كنت بتسخن بالليل، ما فتحتش ملف على اللابتوب وكتبت: معتز مدين لأمه بثلاث ليالي سهر. لما كنت بتعيط وأنا ميتة من التعب، ما قولتش أبوك يدفع نص اللبن وأنت تدفع النص التاني. أنا ربيتك حب، وأنت كبرت فاكر الحب فاتورة.”
كان واقف قدامها صغير أوي، أصغر من كل غروره، أصغر من كل ملفاته وجداوله، أصغر من كلمة راجل كان بيحب يقولها عن نفسه. حاول يرد، لكن صوته خانُه. قالت له: “الهدية الحقيقية مش الدفتر. الهدية إنك تصحى قبل ما تخسر مراتك وابنك. بس لو مصر على الحساب، يبقى نحاسب من البداية.” فتحت الدفتر على صفحة معينة وقالت: “دي صفحة ولادتك. أنا اتفتحت بطني قيصري عشان قلبك وقف جوه بطني. أبوك دفع وقتها، بس أنا اللي اتقطعت. أطالب مين بنصيبي؟ أطالبك؟ ولا أطالب ربنا؟” دموعها نزلت لأول مرة، لكنها مسحتها بسرعة وكملت: “البنت اللي جوه دي كانت هتموت وهي بتجيب ابنك للدنيا، وأنت أول ما فاقت طلبت تمن الدوا؟ ده مش عدل يا معتز. ده قسوة مغلفة بإكسل شيت.”
بص لي فجأة، وكنت فاكرة إني هلاقي في عينه اعتذار، بس لقيت خوف. خوف مش عليا، خوف على صورته. قال: “أنا… أنا مكنتش أقصد.” ضحكت حماتي ضحكة موجوعة: “أكتر جملة ظالمة في الدنيا. محدش بيقصد، بس كلهم بيجرحوا.” قرب مني خطوة وقال: “ندى…” رفعت إيدي أوقفه. أول مرة من يوم الولادة أحس إن صوتي راجع. قلت له بهدوء: “لا. متقولش اسمي دلوقتي. اسمي كان لازم يتقال يوم ما كنت بتوجع، مش يوم ما اتفضحت.” وشه اتشد، وقال: “إنتي كمان هتعملي عليا؟” وهنا حماتي صرخت لأول مرة: “إياك تكلمها كده! دي أم ابنك. دي اللي كانت بين الحياة والموت وأنت بتحسب الدوا تابع لمين.”
فضل ساكت. وأنا بصيت للورقة اللي كان مدهالي في المستشفى، الورقة اللي مكتوب فيها إن عليا 1500 جنيه نص تمن الدوا. كنت حاطاها في درج جنب السرير، طلعتها بإيد بتترعش ومديتها له. قلت: “خد. دي فلوسك. بس بالمرة خد معاهم آخر حاجة فاضلة في قلبي ليك.” سكت. حماتي بصت لي وعيونها مليانة وجع، كأنها عرفت إن ابنها كسر حاجة مش هتتصلح بسهولة. معتز قرب من سرير الطفل، بص لابنه، ومد إيده يلمس خده، لكني اتحركت بالغريزة وشلت ابني على صدري. بص لي مصدوم، قلت له: “مش همنعك عنه. بس همنعك تعلمه إن الحب يتقاس بالفواتير.”
في الليلة دي معتز نام في الصالة، وأنا قفلت عليا أوضة النوم لأول مرة. حماتي فضلت جنبي، غيرت لي الكمادات، عملتلي شوربة، وشالت ابني لما تعبت. قبل الفجر، وهي بتعدل الغطا عليا، قالت بصوت واطي: “أنا آسفة يا بنتي. أنا ربيت جسمه، بس واضح إني قصرت في قلبه.” دمعت عيني وقلت: “إنتي مش ذنبك.” قالت: “لأ. كل أم ليها نصيب من اللي ابنها بيعمله، حتى لو صغير. وأنا هصلح اللي أقدر عليه.”
بعد أسبوع، معتز حذف ملف “نظام العدل” من اللابتوب. أو على الأقل قال كده. جاب ورد، واعتذر، وباس إيد أمه، وبكى قدامي. ناس كتير كانت هتقول خلاص سامحيه. بس أنا كنت اتغيرت. في حاجات لما بتتكسر بعد الولادة، مش بتبقى بس في الجسم. في ثقة بتتفتح زي الجرح، ومهما حطيت عليها كلام حلو، بتفضل فاكرة أول إيد ضغطت عليها.
مرت شهور. معتز حاول يبقى أحسن، بس كل ما كان يعمل حاجة كويسة كنت بسأل نفسي: بيعملها حب ولا خوف؟ كان بيشتري حفاضات من غير ما يحاسبني، يجيب علاج ابنه من غير ما يسأل، يدفع فاتورة البيت وهو ساكت. لكني ماكنتش فرحانة. كنت حزينة إن أبسط الطبيعي بقى عندي إنجاز.
وفي يوم، بعد ما ابني كمل ست شهور، صحيت على صوت معتز بيتكلم في التليفون في البلكونة. كان بيقول لصاحبه: “أيوه يا عم، الستات لما تخلف بتبقى حساسة زيادة. أمي عملتلي مسرحية كبيرة، وأنا سايبتهم لحد ما يهدوا.” حسيت الدم بيهرب من جسمي. كل الاعتذارات وقعت في ثانية. فتحت باب البلكونة، وهو اتخض. قلت له: “مسرحية؟” وشه اصفر. قال: “ندى، أنا…” قلت: “لا. كفاية. أنت ما اتغيرتش. أنت بس اتخضيت.”
دخلت أوضتي، طلعت شنطة كنت مجهزاها من غير ما يعرف. آه، كنت مجهزاها. مش عشان أهرب، لكن عشان أفتكر إن لي باب أخرج منه لو قلبي اتدهس تاني. حماتي كانت في المطبخ، ولما شافتني شايلة ابني والشنطة، فهمت من غير سؤال. قالت: “رايحة فين؟” قلت: “عند أمي.” معتز جري ورايا: “يعني إيه؟ هتخربي البيت؟” بصيت له وقلت: “البيت اتخرب يوم ما بقيت أنا وابنك بنود في ملف مصاريفك.” حاول يمنعني، لكن أمه وقفت بيني وبينه وقالت: “سيبها.” صرخ فيها: “إنتي السبب!” ردت عليه: “لأ يا معتز. قسوتك هي السبب.”
مشيت. وفي بيت أمي، بدأت أتعافى ببطء. مش تعافي جميل زي الروايات، لا. تعافي فيه بكاء، رضاعة، تعب، خوف من بكرة، وليل طويل. بس كان فيه حاجة واحدة مختلفة: ماحدش بيحاسبني على وجعي. حماتي كانت تزورني كل أسبوع، تجيب أكل للطفل، وتبوس راسي، وتقول: “قرارك عندي محترم.” أما معتز ففضل يبعث رسائل طويلة. مرة يعتذر، مرة يلوم، مرة يترجى. وأنا ما رديتش غير بجملة واحدة: “لما تفهم إن العدل من غير رحمة ظلم، ابقى كلمني.”
بعد شهرين، جالي ظرف من محامي. افتكرته إنذار طاعة ولا تهديد. فتحته وإيدي بتترعش. لكن لقيت جواه تنازل موثق من حماتي عن شقة صغيرة كانت باسمها ليا أنا وابني. مكتوب: “سكن آمن للأم والطفل.” وتحتها جواب بخطها: “يا ندى، أنا مش بشتري رضاكي، ولا بعاقب ابني. أنا بس برد جزء صغير من حقك في الأمان. ابني عنده بيت، وأنتي لازم يكون لك باب محدش يقدر يطردك منه.” قعدت على الأرض وعيطت. مش عشان الشقة. عشان لأول مرة حد من عيلته شافني إنسانة مش واجب زوجي.
معتز لما عرف، راح لها زي المجنون. حكى لي بعدين إنها فتحت له الباب بهدوء، وسمعته يصرخ: “إديتيها الشقة؟” قالت: “أيوه.” قال: “وأنا؟” قالت: “أنت أخدت عمري كله، ومطلعتش راجل يكفي يحمي مراته.” الكلمة دي كسرته. مش قدامي، مش قدام الناس، لكن جوه نفسه. ولأول مرة بدأ يروح لدكتور نفسي. يمكن عشان يرجعني، يمكن عشان يفهم نفسه، الله أعلم. لكنه بدأ.
سنة كاملة عدت. ابني بدأ يمشي، وأول كلمة قالها كانت “ماما”. يومها معتز كان موجود في الزيارة، وعيونه غرقت دموع. قرب مني وقال: “أنا عارف إن كلمة آسف بقت رخيصة. بس أنا مش طالب ترجعي. أنا طالب فرصة أبقى أب يستاهله.” بصيت له طويلًا. المرارة جوايا كانت لسه موجودة، بس كانت أهدى. قلت: “أثبت له. مش ليا.” ومن يومها بدأ يثبت. ماكانش سهل، ولا سريع، ولا مثالي. كان يقع ويرجع يعتذر، يتعلم، يدفع من غير ما يمن، يحضر مواعيد التطعيم، يسهر لما ابنه يسخن، ويقول لي: “نامي أنتي، أنا صاحي.”
بعد سنتين، في عيد ميلاد ابننا التاني، كنا واقفين كلنا في الشقة الصغيرة. حماتي جابت تورتة، وأمي كانت بتضحك، ومعتز شايل ابنه على كتفه. لوهلة، حسيت إن الحياة مش لازم ترجع زي الأول عشان تبقى أرحم. ممكن تبقى شكل جديد، بشروط جديدة، وكرامة محفوظة. معتز قرب مني ومد لي ورقة. قلبي اتقبض، فقال بسرعة: “مش فاتورة.” فتحتها، لقيتها مكتوبة بخطه: “أنا متنازل نهائيًا عن نظام النصف. من النهاردة، البيت مسؤولية، والطفل نعمة، والزوجة شريكة مش مدينة.” ابتسمت رغمًا عني. قلت له: “الورق سهل.” قال: “عارف. عشان كده مش هطلب منك تصدقيه. هخليه يتصدق بالأيام.”
حماتي سمعتنا، وقالت وهي بتضحك: “أهو كده أقدر أقول إني بدأت أربيك من جديد.” ضحكنا كلنا، لكن عينيها كانت بتلمع. أما أنا فبصيت لابني وهو بيطفي الشمعة بإيدين صغيرين، وقلت في سري إن ربنا ساعات بيبعت العوض من أغرب باب. أنا ما خرجتش من التجربة دي منتصرة بمعنى إني كسرت معتز، ولا انتقمت منه. أنا انتصرت لما رفضت أكون فاتورة في حياة حد. لما فهمت إن الأمومة مش ضعف، وإن الست بعد الولادة مش ناقصة ولا مدينة، دي خارجة من معركة محدش شافها غير ربنا.
ومعتز؟ يمكن اتغير فعلًا، ويمكن فضل طول عمره يحاول يتغير. لكن أهم حاجة إن ابني كبر وهو شايف أبوه يغسل الببرونة، يدفع الكشف، يحضن أمه باحترام، ويقول قدامه: “مامتك تعبت عشان تجيبك للدنيا، وده دين في رقبتي مش هعرف أوفيه أبدًا.” وساعتها بس عرفت إن هدية حماتي ما كانتش صندوق ولا دفتر ولا ورق. كانت مراية. مراية حطتها في وش ابنها عشان يشوف بشاعته قبل ما يخسر كل حاجة. وأنا كمان شفت نفسي فيها. شفت ست كانت موجوعة، لكنها مش مكسورة. شفت أم كانت بتتعلم تحمل طفلها، وفي نفس الوقت تتعلم تحمل كرامتها. ومن يومها بقيت مؤمنة إن في بيوت كتير مش محتاجة فلوس أكتر، ولا قوانين أكتر، ولا حسابات أدق. محتاجة قلب يعرف إن العدل الحقيقي مش إنك تقسم الوجع بالنص، العدل الحقيقي إنك ما تسيبش اللي بتحبه يتوجع لوحده.
تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *