عهد الدم حكايات أسما ×2
مرت شهور بعد الطلاق لكن الغريب أنني لم أشعر بالانهيار الذي كان الجميع ينتظره مني بالعكس كنت أستيقظ كل صباح وكأن حملا هائلا انزاح أخيرا عن صدري صحيح أن الوحدة كانت مؤلمة أحيانا وأن البيت صار صامتا بشكل يوجع القلب لكن ذلك الصمت نفسه كان أنظف من حياة كاملة عشتها وسط الكذب والخيانة
الناس في المستشفى أصبحوا ينظرون إلي بطريقة مختلفة بعضهم بإعجاب وبعضهم بخوف والبعض الآخر بفضول مرضي يريد أن يعرف كيف تمكنت من الوقوف ثابتة بينما أي امرأة أخرى كانت ستنهار لكنهم لم يفهموا أنني بالفعل انهرت فقط ليس أمامهم
كنت أنهار كل ليلة وحدي داخل شقتي حين أخلع المعطف الأبيض وأجلس في الظلام أتأمل الجدران التي شهدت سنوات زواجي كلها وأتذكر كم كنت ساذجة وأنا أصدق أن الحب وحده يكفي
وفي إحدى الليالي بينما كنت أراجع ملفات المرضى اقتربت مني الممرضة منى بتردد وقالت بصوت خافت
الدكتورة ليلى في واحدة مستنياكي برا من بدري
رفعت عيني بتعب
مين؟
قالت وهي مترددة أكثر
رنا
ساد الصمت لثوان ثم أغلقت الملف أمامي وقلت بهدوء
خليها تدخل
دخلت رنا ببطء شديد حتى إنني بالكاد عرفتها كانت أضعف بكثير وجهها شاحب وعيناها غارقتين في الهالات السوداء كأن الحياة سحبت منها كل شيء دفعة واحدة
وقفت أمام مكتبي دون أن تتكلم
أما أنا فبقيت أنظر إليها بصمت بارد حتى بدأت ترتجف فعلا
ثم قالت بصوت مكسور
أنا عارفة إنك عمرك ما هتسامحيني
لم أرد
فأكملت بسرعة كأنها تخاف أن أطردها
بس لازم أقولك حاجة مهمة
عقدت ذراعي أمام صدري وأنا أراقبها بحذر
اتفضلي
انفجرت بالبكاء فجأة وقالت
حسام كان بيخونك مع غيري أنا كمان
شعرت للحظة أن الأرض اختفت تحت قدمي لكن وجهي بقي جامدا
قالت وهي تمسح دموعها بعصبية
أنا اكتشفت بعد الحادث إن في ست تانية… يمكن أكتر من واحدة كمان… لما كان بينام كنت بشوف رسائل على موبايله… وأنا كنت فاكرة إنه بيحبني
ضحكت ضحكة قصيرة بلا أي فرح
يعني حتى الخيانة خانتك
خفضت رأسها بخزي ثم همست
أنا استاهل
ورغم كل شيء لم أشعر بالشماتة كما توقعت شعرت فقط بتعب عميق جدا من البشر ومن قدرتهم المرعبة على إيذاء بعضهم
قالت بعد صمت طويل
في حاجة لازم تعرفيها… يوم الحادث إحنا ماكنّاش راجعين من الفندق بس
نظرت إليها مباشرة
ابتلعت ريقها بصعوبة ثم قالت
كنا راجعين من عند شقة… حسام كان مأجرها من سنة كاملة
اتسعت عيناي ببطء
وأكملت
وكان ناوي يتجوزني عرفي بعد ما يطلقك
ساد الصمت في الغرفة حتى إن صوت جهاز التكييف بدا مرعبا
ثم سألتها بهدوء قاتل
وأنتي وافقتي؟
أغلقت عينيها وهي تبكي
كنت غبية… كنت فاكرة إنه بيحبني فعلا
وقفت ببطء من خلف المكتب واتجهت نحو النافذة الكبيرة المطلة على القاهرة ليلا الأضواء الممتدة بلا نهاية السيارات الصغيرة البعيدة الناس الذين يواصلون حياتهم بينما عالم شخص آخر ينهار تماما
قلت دون أن ألتفت لها
تعرفي يا رنا… أكتر حاجة وجعتني مش إنه خانني
سكتت لحظة ثم أكملت
الوجع الحقيقي إنكم خليتوني أشك في نفسي… خليتوني أحس إني ناقصة وإن شغلي ونجاحي هما السبب
سمعت شهقات بكائها خلفي لكنها لم تعد تهمني
استدرت أخيرا وقلت
امشي يا رنا… إحنا الاتنين مبقيناش نعرف بعض
خرجت وهي تبكي بينما بقيت وحدي أحدق في المدينة وأشعر بأن شيئا داخلي يموت نهائيا
بعد أسبوع وصلتني رسالة من رقم غريب
حين فتحتها وجدت صورة لحسام جالس في مقهى مع فتاة صغيرة السن جدا بالكاد تبدو في الجامعة وأسفل الصورة جملة واحدة
كان بيعمل معاكي كده ومع غيرك كمان
أغلقت الهاتف ببطء ثم ضحكت لأول مرة ضحكة حقيقية ساخرة
هذا الرجل لم يكن يعرف الحب أصلا
كان فقط جائعا دائما لأي شيء يمنحه شعورا مؤقتا بالقوة
وفي الليلة نفسها عاد إلى شقتي لأول مرة منذ الطلاق
حين فتحت الباب وجدته واقفا أمامي بوجه مرهق ولحية غير مرتبة وعينين غارقتين في السواد
بدا كنسخة محطمة من الرجل الذي عرفته
قال بصوت خافت
ممكن أتكلم معاكي؟
ترددت لحظة ثم ابتعدت عن الباب
دخل ببطء ينظر حوله كأنه غريب عن المكان الذي عاش فيه سنوات ثم جلس على الأريكة بصمت طويل
وأخيرا قال
أنا ضيعت كل حاجة
جلست مقابله دون أي تعاطف
أيوه
مرر يده على وجهه بتعب
الشركة فصلتني… وأمي بطلت ترد على مكالماتي… وحتى رنا سابتني
رفعت حاجبي بسخرية
متوقعتش النهاية؟
هز رأسه ببطء ثم نظر إلي لأول مرة مباشرة
أنا كنت غبي يا ليلى
ضحكت بمرارة
دي أول حاجة صادقة تقولها من سنين
اقترب قليلا وقال بصوت مرتعش
أنا عارف إني خسرتك… بس والله ما كنتش فاهم قيمتك
شعرت بالغضب يتحرك داخلي أخيرا
قلت بحدة
لأ كنت فاهم كويس أوي… عشان كده كنت مطمن إني هفضل جنبك مهما عملت
تجمد مكانه
وأكملت وأنا أنظر في عينيه مباشرة
إنت كنت متأكد إن ليلى هتسامح… ليلى هتستحمل… ليلى مش هتمشي
سكت ولم يجد ما يقوله
فنهضت وفتحت الباب
اتفضل يا حسام
وقف ببطء شديد كأنه يحمل جبالا فوق كتفيه
وقبل أن يخرج قال دون أن ينظر لي
أنا بحبك
ابتسمت ابتسامة باردة أخيرة
لو كنت بتحبني مكنتش كسرتني بالطريقة دي
ثم أغلقت الباب في وجهه بهدوء
في الأيام التالية بدأت أسمع أخبارا أكثر عنه ديون مشاكل شرب شجارات متكررة حتى إن بعض أصدقائه ابتعدوا عنه تماما
أما أنا فبدأت أعود لنفسي بالتدريج
اشتريت نباتات جديدة للشقة غيرت الأثاث رتبت حياتي من الصفر وكأنني أتعلم العيش مرة أخرى
وفي إحدى المناوبات وصلت حالة حرجة لامرأة تعرضت للضرب من زوجها
كانت تنزف وتبكي وترتجف وهي تكرر جملة واحدة
أكيد أنا السبب… أكيد أنا اللي عصبتّه
وقفت أنظر إليها طويلا ثم شعرت بشيء يخنقني
جلست بجانبها وأمسكت يدها لأول مرة منذ شهور أشعر بحرارة إنسانية حقيقية
قلت لها بهدوء
مفيش خيانة ولا ضرب ولا إهانة ليها مبرر
بكت أكثر بينما أكملت
ومتسمحيش لحد يقنعك إنك قليلة عشان هو فشل يكون إنسان محترم
حين خرجت من الغرفة بعد ساعات أدركت أنني لم أعد المرأة نفسها
الخيانة غيرتني فعلا لكنها لم تدمرني كما تمنوا
بل جعلتني أرى الحقيقة بوضوح مؤلم
الحب لا يكفي إذا كان الطرف الآخر بلا ضمير
وفي ليلة ممطرة بعد حوالي عام كامل كنت خارجة من المستشفى متعبة حين وجدت سيارة تقف فجأة أمام الباب
نزل منها كريم أخي
كان يبدو أفضل قليلا رغم الحزن الدائم في عينيه
فتح لي الباب وقال
تعالي أوصلك
ركبت بصمت بينما المطر يضرب الزجاج بقوة
وبعد دقائق قال فجأة
عارفة… أنا كنت بلوم نفسي طول الوقت
نظرت إليه باستغراب
ليه؟
قال وهو يركز على الطريق
عشان أنا اللي دخلت رنا حياتنا
تنهدت ببطء
وأنا اللي دخلت حسام حياتي… محدش يعرف وشوش الناس الحقيقية من البداية
سكت قليلا ثم قال
إنتي قوية أوي يا ليلى
ابتسمت بحزن وأنا أراقب المطر
لا… أنا بس اتعلمت أقف لوحدي
وحين وصلنا إلى البيت نزلت من السيارة ببطء لكن كريم ناداني قبل أن أغلق الباب
قال بصوت خافت
إوعى الخيانة تخلي قلبك يقفل للأبد
تجمدت للحظة لأنني كنت أعرف أنه محق
منذ الطلاق وأنا أبني جدرانا عالية جدا حول نفسي حتى صرت أشعر أحيانا أنني لا أتنفس
لكنني فقط هززت رأسي ودخلت البيت
وفي تلك الليلة وقفت طويلا أمام المرآة أتأمل المرأة التي أصبحتها
لم أعد تلك الزوجة المرهقة التي تنتظر اهتمام رجل لا يستحقها
ولم أعد الطبيبة التي تظن أن التضحية المستمرة فضيلة
صرت أفهم أخيرا أن الحب الحقيقي لا يجعلك تشكين في نفسك ولا يسرق سلامك الداخلي ولا يحولك إلى امرأة تبرر الإهانة كل يوم
وبعد شهور قليلة حدث شيء لم أتوقعه أبدا
وصل طبيب جديد إلى المستشفى اسمه آدم
هادئ أكثر مما ينبغي ويحمل ذلك النوع النادر من الاحترام الذي يجعلك تشعر بالأمان دون كلام كثير
في البداية كنت أتجنبه تلقائيا
أي رجل صار يثير داخلي إنذارا خفيا
لكنه لم يحاول الاقتراب بطريقة مستفزة ولم يسأل عن حياتي الخاصة مثل الآخرين فقط كان موجودا بهدوء
وفي إحدى الليالي الطويلة بعد عملية استمرت ست ساعات جلسنا في غرفة الأطباء المنهكين نحتسي القهوة بصمت
ثم قال فجأة
الناس هنا بيقولوا إنك أقوى دكتورة شافوها
ضحكت بخفة
والله؟
ابتسم لأول مرة
بس أنا شايف إن القوة الحقيقية إن الإنسان يفضل محترم بعد ما يتوجع
تجمدت يدي حول الكوب
لأنني شعرت فجأة أنه يرى شيئا داخلي أحاول إخفاءه منذ شهور
لم أرد لكنه لم يضغط علي
ومنذ تلك الليلة بدأ شيء صغير جدا يتحرك داخل قلبي شيء يشبه الحياة بعد موت طويل
لم يكن حبا
على الأقل ليس بعد
كان مجرد إحساس ناعم بأن العالم لم ينته تماما
وفي الجانب الآخر كان حسام يغرق أكثر
وصلني خبر دخوله المستشفى بسبب جرعة زائدة من الكحول
وحين سمعت الخبر لم أشعر بالانتصار
شعرت فقط بالحزن على رجل أضاع نفسه بيديه
ورغم كل شيء رفضت زيارته
بعض الأبواب حين تغلق يجب ألا تفتح مرة أخرى
وفي صباح هادئ بعد سنتين تقريبا من ليلة الحادث كنت أقف في شرفة شقتي الجديدة أحتسي القهوة بينما الشمس تشرق فوق القاهرة
الهاتف رن برسالة قصيرة من رقم مجهول
فتحتها فوجدت صورة قديمة لي مع حسام يوم زفافنا وتحتها كلمات قليلة
أنا آسف على كل حاجة
ظللت أنظر للصورة طويلا
ثم حذفت الرسالة والصورة والرقم كله
لأن بعض القصص لا تحتاج نهاية درامية
يكفي أن تنتهي
رفعت رأسي نحو السماء وشعرت لأول مرة منذ زمن بعيد أنني أتنفس بحرية كاملة
وأدركت أخيرا أن أقسى أنواع النجاة ليست أن تنتقم ممن كسرك
بل أن تعيش بعدها سعيدا وكأنهم لم ينجحوا أبدا في تحطيمك.
تمت
